عدالة انتقالية | 30 04 2026
لودي علي
مع إعلان وزارة الداخلية السورية إلقاء القبض على المساعد الأول السابق في فرع المخابرات العسكرية 227، أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب "مجزرة التضامن" عام 2013، فتحت العملية ملفاً مؤلماً آخر كان يعتبر مستعصياً على الحل: اختفاء عائلة رانيا العباسي.
اختفاء طبيبة وأطفالها الستة
تعود تفاصيل القضية إلى 11 آذار (مارس) 2013، عندما اعتقلت طبيبة الأسنان رانيا العباسي إلى جانب زوجها عبد الرحمن ياسين وسكرتيرتها مجدولين القاضي، وأطفالهما الستة (ديما، انتصار، نجاح، آلاء، أحمد، ليان)، بعد اتهامهم بـ"تمويل الإرهاب" من قبل مخابرات نظام الأسد.
وبحسب معلومات أولية وصلت إلى العائلة، تم نقل الموقوفين في البداية إلى فرع المخابرات الجوية "215" لأيام معدودة، قبل أن يتم تحويلهم جميعاً إلى فرع المخابرات العسكرية "227"، حيث انقطع كل أثر لهم.
هل العائلة من ضحايا أمجد يوسف؟
في تطور لافت، كشف حسان العباسي، شقيق رانيا، في منشور مطول عن "فرضية" جديدة، مفادها أن عائلة أخته بأكملها قد تكون واحدة من ضحايا أمجد يوسف. يستند العباسي في ترجيح هذه الفرضية إلى عدة نقاط:
أولاً: مكان الاحتجاز
أوضح حسان أن أمجد يوسف كان برتبة "مساعد أول" ينتمي للفرع 227، وأن الضحايا الـ288 (في مجازر التضامن) هم خليط بين أشخاص تم توقيفهم من الحواجز، إضافة إلى معتقلين من داخل الفرع 227 نفسه الذي وضعت فيه العائلة.
ثانياً: التطابق الزمني
أشار العباسي إلى أن الفيديو المسرب لمجزرة التضامن كان بتاريخ 16 نيسان (أبريل) 2013، أي بعد 36 يوماً فقط من اعتقال رانيا وأطفالها في 11 آذار 2013، مما يجعل التوقيت متطابقاً مع فترة نشاط أمجد يوسف التي استمرت من أواخر 2012 إلى أواخر 2014.
ثالثاً: التهمة.. "كبار الممولين"
لفت حسان إلى تفصيل ورد في تقرير نشر في نيسان 2022 عقب تسريب الفيديو، حيث تم التطرق لوجود 27 فيديو آخر لم تنشر، من بينها فيديو يظهر فيه أمجد يوسف في غرفة مظلمة تحوي جثث أطفال يقول: "هؤلاء أطفال كبار الممولين بركن الدين". وأضاف حسان أن تهمة "تمويل الإرهاب" كانت تعلق بعائلته، وأن سكنهم هو "ركن الدين" نفسه.
رابعاً: غياب أي رسالة أو صفقة تبادل
أكد شقيق رانيا أن عشرات صفقات التبادل التي طالب بها الثوار، والمسربة من مراسلات الأفرع الأمنية، لم يتم الاستجابة لها من قبل النظام. وبالمقابل، وافق النظام على حالات أخرى. يرى العباسي أن عدم الاستجابة في قضية أخته يفسرها كونهم قد تمت تصفيتهم، مما جعل ملفهم مغلقاً أمام المفاوضين.
خامساً: اختفاء الفتيات بعد السقوط
اختتم حسان العباسي فرضيته بالقول إن عدم وصول أي رسالة من الفتيات (ديما، انتصار، نجاح، آلاء) بعد هروب بشار الأسد في كانون الأول 2024، مع أنهن أصبحن اليوم شابات في أعمار 27 و26 و25 و21 عاماً (باعتبار عام 2026)، يرجح نظرية مقتلهن.
تطورات القضية
مع سقوط النظام في كانون الأول 2024، فتحت عائلة رانيا العباسي ملف اختفاء أطفالها الستة بقوة، بعد أكثر من 12 عاماً على اعتقالهم مع والديهم. تمكنت العائلة من الحصول على وثيقة رسمية من وزارة الشؤون الاجتماعية، تثبت دخول الأطفال إلى إحدى مؤسسات "sos" التابعة للوزارة، إضافة إلى شهادات لأشخاص رأوهم هناك، وفق تصريح العائلة.
لكن كل محاولات الوصول إلى الحقيقة اصطدمت بعقبات متكررة: فكل من ورد ذكرهم في تقارير التحقيقات السابقة تم إيقافهم للتحقيق وخرج معظمهم بعقوبة أقصاها الإبعاد عن العمل، بينما كان كل وزير جديد يشكل لجنة جديدة تبدأ من الصفر دون أن تقدم أي نتيجة نهائية.
وتشير التحقيقات والشهادات إلى أن أطفال المعتقلين كانوا يُسلمون إلى دور الإيواء على أنهم "لقطاء" من قبل جهات أمنية، ويتم تسليم بعضهم إلى جهات أخرى دون ضبط رسمي، بل وصل الأمر إلى تسجيل الأشقاء على أنهم أجانب عن بعضهم. كما تحدثت شهادات عن محاولات لمحو ذاكرة الأطفال وإعادة توجيههم، وإلحاق بعضهم بخدمة العلم أو سجن الأحداث.
الملف مفتوح
حتى اليوم، لا يزال ملف أطفال رانيا العباسي مفتوحاً، ولم تعرف العائلة أي حقيقة مؤكدة عن مصيرهم، رغم استمرارها في الضغط على الجهات المعنية لكشف الحقيقة.
في نيسان (أبريل) 2026، وجه حسان العباسي رسالتين واضحتين:
إلى وزارة الداخلية السورية: طالب بالتحقيق الفوري مع أمجد يوسف لسحب اعترافات منه حول تورطه المباشر بتصفية العائلة، كونها الحلقة الأخيرة لمعرفة الحقيقة.
إلى فريق "أنصار شحود": طلب تزويد العائلة بباقي الفيديوهات الـ27 للتعرف على هويات الأطفال والنساء الذين لم يتم الكشف عنهم بعد.
عدالة..
بينما ينتظر آلاف السوريين تحقيق العدالة في مجزرة التضامن، يمثل ملف رانيا العباسي حالة خاصة لأطفال دخلوا إلى المعتقل وهم صغار، ولم يعرف مصيرهم بعد. والآن، بعد إلقاء القبض على أمجد يوسف، يطالب السوريون مجدداً بإجابات عن السؤال: أين أطفال رانيا العباسي، وهل لأمجد يوسف يد في اختفائهم؟


