انتهى الاعتداء باعتذار... وبقي التشهير بلا مساءلة

انتهى الاعتداء باعتذار... وبقي التشهير بلا مساءلة

وقفة احتجاجية دعماً للطبيبة يوم 19 تموز/يوليو

نساء | 29 07 2026

داليا محمد

مساء السادس عشر من تموز/يوليو، تعرضت طبيبة مقيمة لاعتداء داخل قسم الإسعاف في مشفى الرقة الوطني أثناء تأدية عملها. القضية التي بدأت كحادثة اعتداء داخل مؤسسة صحية عامة، انتهت بعد أيام باعتذار رسمي وقرار إداري، لكنها فتحت خلال أسبوع واحد نقاشًا أوسع: ماذا يحدث لمن يتضامن مع امرأة تعرضت للعنف، حين يتحول التضامن نفسه إلى هدف؟

تواصلت روزنة مع الطبيبة عبر تطبيق واتساب مرتين، الأولى عند الساعة الثانية عشرة ظهر يوم الخميس 23 تموز/يوليو والواحدة ظهر اليوم التالي، لطلب روايتها لما جرى وموقفها من الصلح، لكنها لم تتلقَّ رداً حتى وقت النشر. مصادر مقربة من محيط الطبيبة أشارت إلى أنها تتعرض لضغط اجتماعي ومهني يدفعها إلى النأي عن أي تصريح علني، وهو ما يعكس بحد ذاته جزءًا من الإشكالية التي يتناولها هذا التحقيق — إذ يبدو أن كلفة الكلام، حتى بالنسبة للضحية نفسها، تظل مرتفعة.

من اعتداء داخل المشفى إلى قضية رأي عام

أثارت الحادثة ردود فعل واسعة داخل الأوساط الطبية في الرقة. أصدرت نقابات مهنية بيانًا مشتركًا أدانت فيه الاعتداء اللفظي والجسدي، وطالبت بفتح تحقيق قضائي واتخاذ إجراءات إدارية بحق المعتدي، الذي يشغل منصب مدير المكتب الإعلامي في مديرية صحة الرقة، إضافة إلى توفير حماية أكبر للعاملين والعاملات في القطاع الصحي.

وبعد يومين، أعلنت مديريتا الصحة والإعلام تشكيل لجنة مشتركة للتحقق من ملابسات الحادثة، بعد توقيف المعتدي والتوصل إلى صلح رضائي بين الطرفين.

لكن الصلح لم ينهِ الجدل القانوني المطروح: هل يجوز أن ينتهي اعتداء وقع داخل مكان عمل، وبحق موظفة أثناء تأدية واجبها، بتسوية شخصية بين الطرفين، دون أن يستتبع ذلك مساءلة إدارية أو جزائية بحق المعتدي بصفته موظفًا عامًا استغل موقعه؟

هذا السؤال، الذي بقي إلى حد كبير بلا إجابة واضحة من الجهات المعنية، هو ما دفع عشرات الأطباء والطبيبات إلى تنظيم وقفة احتجاجية أمام المشفى، مطالبين بإجراءات تحول دون تكرار الاعتداءات داخل المؤسسات الصحية.

وسط هذا النقاش، نشرت الناشطة النسوية منى فريج تسجيلًا مصورًا اعترضت فيه على أن ينتهي اعتداء وقع داخل مؤسسة عامة بمجرد صلح، معتبرة أن التنازل الشخصي للضحية لا يلغي المسؤولية القانونية المترتبة على الواقعة.

لم تكن طرفًا في الحادثة ولا متحدثة باسم الطبيبة، بل ربطت ما جرى بسؤال أوسع حول بيئة العمل الآمنة للنساء، وشددت على أن دعوتها لم تكن للتصعيد بل لتطبيق القانون.


عندما تتحول المتضامنة إلى قضية

خلال أيام، وجدت منى نفسها هدفًا لحملة تشهير واسعة تجاوزت حدود الاختلاف في الرأي، وتناولت سمعتها وانتماءها بدل مناقشة ما طرحته. امتنعت روزنة عن إعادة نشر هذه المواد تجنبًا للمساهمة في توسيع انتشارها.

تقول منى: "ما تعرضت له من حملات تشهير وتحريض بسبب موقفي التضامني مع الطبيبة هو جزء من قضية أوسع تتعلق بحقوق النساء، لكنه في الوقت نفسه اعتداء مستقل لا ينبغي تجاهله."

حين لا تنتهي القضية بانتهاء الخبر

بعد أيام من الجدل، أعلنت اللجنة المشتركة نتائجها: اعتذار رسمي من مديرية إعلام الرقة إلى الطبيبة وأسرتها وإدارة المشفى، وإنهاء تكليف الإعلامي الذي ثبت تورطه.

لكن القرار، رغم أنه أغلق الملف الإداري، لم يوضح ما إذا كانت هناك متابعة قضائية مستقلة عن الصلح الشخصي بين الطرفين — وهي نقطة ظلت غامضة رغم مطالبة النقابات الصريحة بتحقيق قضائي منفصل.

أما الحملة التي استهدفت منى، فبقيت خارج أي معالجة مماثلة، رغم أنها نتجت عن موقف تضامني معلن.

تقول: "القضية لم تكن أنا، ولم تكن الطبيبة وحدها. كانت تتعلق بحق أي امرأة في أن تكون آمنة في مكان عملها."

نمط لا حادثة فردية

وليست كلفة التضامن أو المطالبة بالحماية جديدة في السياق السوري. ففي نيسان/أبريل 2025، تعرضت الناشطة النسوية هبة عز الدين (هبة الحجي) لحملة تشهير وتحريض وتهديدات بالقتل بعد منشور دعت فيه إلى مناهضة الزواج القسري والتحقيق في حالات اختطاف نساء. ولم يبقِ الاستهداف داخل المنصات، إذ أُغلق مركز منظمتها في إدلب، وأعلن محافظ المدينة طلب ملاحقتها قضائياً.

وبعدها بأشهر، تعرضت الصحفية زينة شهلا لاعتداء لفظي خلال وقفة في دمشق رفعت شعار "الدم السوري على السوري حرام" على خلفية انتهاكات السويداء حينها، قبل أن تجد نفسها أمام حملة تشهير إلكترونية.

ربما لا تتطابق الحالتان مع ما جرى لمنى فريج، لكنهما تكشفان مساراً متكرراً، تخرج امرأة للمطالبة بالحماية أو العدالة أو حتى للمناصرة والتضامن، فينتقل النقاش من القضية إلى سمعتها وسلامتها.

وبحسب دراسة ميدانية أجرتها مؤسسة SecDev Foundation عام 2023 حول العنف الرقمي ضد النساء في سوريا، أفادت نحو 60 في المئة من المشاركات بأنهن تعرضن لشكل من أشكال العنف عبر الإنترنت، وكان التشهير من أبرز الانتهاكات الموثقة، خصوصًا بحق الناشطات. كما خلصت دراسة لـDW Akademie عام 2026 إلى أن هذه الممارسات تشكل نمطًا متكررًا يُستخدم لإقصاء النساء عن المجال العام.

بعد موجة التشهير، تلقت منى عشرات رسائل التضامن، لكن كثيرات فضّلن أن يبقى دعمهن سريًا: "كتبت لي نساء كثيرات أنهن يقفن معي، لكنهن لا يستطعن إعلان ذلك علنًا." وطلبت بعض العائلات من بناتها الامتناع عن التعليق، خوفًا من أن يصبحن هدفًا مشابهًا.

من يجبر الضرر؟

وجد الاعتداء داخل مشفى الرقة الوطني مسارًا مؤسساتيًا انتهى باعتذار وإجراء إداري، لكن غموض المتابعة القضائية يبقي جزءًا من القضية مفتوحًا. أما الضرر الذي لحق بمنى فريج، فلم يجد أي مسار مشابه، وامتد أثره إلى نساء أخريات تراجعن عن الكلام.

يبقى السؤال بعد انقضاء الخبر: إذا كان التضامن مع امرأة تعرضت للعنف يحمّل صاحبه كلفة تشهير بلا مساءلة، فمن سيختار الكلام في المرة المقبلة؟ وهل يكفي الاعتذار عن الاعتداء الأول، إذا ظل ثمن التضامن، وثمن الصمت الذي اختارته الضحية نفسها، بلا اعتراف وبلا جبر؟

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل كانت مهلة استبدال العملة القديمة كافية؟

نعم
لا
لا أعرف
close icon