خطاب الكراهية في سوريا: أين يقف القانون من منشورات الكراهية؟

خطاب الكراهية في سوريا: أين يقف القانون من منشورات الكراهية؟

عدالة انتقالية | 6 06 2026

لودي العلي

عقوبة الفاعل نفسه

يقول المحامي ينال موسى، إن القانون السوري يستند إلى نص المادة 217 من قانون العقوبات رقم 148 لعام 1949، الساري حاليًا، والتي تنص على أن "من حرض شخصاً آخر على ارتكاب جناية أو جنحة يتعرض لعقوبة الجريمة ذاتها"، ما يعني أن المحرض ينتظره نفس مصير الفاعل الأصلي. ومع ذلك، يضيف المحامي موسى أن العقوبة تُخفف إذا لم يترتب على التحريض نتيجة فعلية .

أما بالنسبة للخطاب الطائفي والعنصري، فيشير موسى إلى نصوص أخرى تعاقب بالسجن من 3 إلى 15 سنة كل من يقدم في سوريا على "أعمال أو كتابات أو خطب يقصد بها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة" .

الجرائم المعلوماتية: ذكر واحد لخطاب الكراهية

في المقابل، يكشف المحامي عزالدين عز الدين عن إشكالية جوهرية: "لا يوجد تعريف محدد ودقيق لخطاب الكراهية في القانون السوري. وبالتالي، لا يوجد تجريم للخطاب بوصفه خطاب كراهية". ويوضح أن المادة 31 من قانون الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022 هي "ذكر واحد لخطاب الكراهية" في القانون السوري، حيث تنص على معاقبة كل من أنشأ أو أدار موقعاً إلكترونياً أو نشر محتوى رقمياً "بقصد الإساءة إلى أحد الأديان أو أحد المقدسات أو الشعائر الدينية أو الحض على الكراهية أو التحريض على العنف" بالحبس من سنة إلى 3 سنوات وغرامة من (3,000,000) ل.س ثلاثة ملايين ليرة سورية إلى (6,000,000) ل.س ستة ملايين ليرة سورية.

ويضيف عز الدين: "يمكننا الاستناد إلى مواد أخرى من القانون (سواء في قانون العقوبات أو القانون رقم 20) تجرم أفعالاً قد تكون جزءاً من خطاب الكراهية، مثل القدح، الذم، التشهير، إثارة أو نشر دعوات ترمي إلى المساس بالهوية الوطنية أو القومية، إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية، التهديد بالاعتداء الجسدي أو النفسي" .

التعريف: سلاح ذو حدين

يحذر المحامي عز الدين من أن "إدخال تعريف قانوني صريح لخطاب الكراهية يمثل سلاحاً ذا حدين؛ فهو مفيد لحماية السلم الاجتماعي من التمييز والتحريض، لكنه قد يفتح الباب لسوء الاستخدام وتقييد حرية التعبير إذا لم يُصغَ بدقة متناهية". ويضيف أن "التوازن يكمن في حصر الملاحقة القانونية بالحالات الأشد خطورة، مثل التحريض المباشر على العنف" .

ويذهب عز الدين إلى أن "قانوناً يجرم خطاب الكراهية وحده غير كافٍ وغير قادر على مجابهة هذا الخطاب، بل نحن بحاجة إلى منظومة قانونية وثقافية متكاملة تعتمد بشكل أساسي على المواطنة ومعايير حقوق الإنسان. هناك عنصران لا بد من توفرهما: ثقافة المجتمع والنظام القانوني، ويجب أن يعملا بالتوازي ضمن استراتيجية شاملة ومتكاملة".

في الوقت نفسه يرى موسى أن القوانين الموجودة حاليا كافية لمحاربة هذا الخطاب.

وتختلف معه المحامية فاديا عزيز حيث ترى أن القوانين الموجودة حالياً غير كافية لردع هذا النوع من الجرائم، ويجب تشديد العقوبة في حال نتج عن التحريض أو خطاب الكراهية جرائم قتل أو عنف، وأن تكون العقوبة الإعدام لضمان توقف هذا الخطاب المدمر.

بالإضافة إلى ضرورة تشديد الرقابة على المحتوى المنشور عبر شبكة الانترنت بشكل دائم، خاصة خلال موجات التحريض لوضع حد له وفق قانون صارم، وبغرمات مالية كبيرة جداً.

مضيفة أن خطاب الكراهية يؤثر على السلم الأهلي والنسيج المجتمعي، وقد يكون له نتائج كارثية لذا لابد من اتخاذ إجراءت سريعة للحد منه، بالتوزاي مع التشجيع على عقد جلسات حوارية بين السوريين لاسيما الشباب، للوصول إلى مجتمع يعالج خلافاته بشكل حضاري بعيداً عن التعصب والتحريض.

تجارب دولية: بين الحماية والتقييد

ألمانيا: قيود صارمة وخطر الإفراط

في عام 2017، أقرت ألمانيا قانون إنفاذ الشبكات الذي يُلزم منصات التواصل الاجتماعي بحذف المحتوى "غير القانوني بشكل واضح" خلال 24 ساعة . لكن القانون واجه انتقادات حادة من خبراء قانونيين في جامعة ييل، حيث يُعتبر خطراً على حرية التعبير عبر الإنترنت، لأنه يُشجع منصات التواصل على "الإفراط في مراقبة الخطاب" خشية غرامات تصل إلى 50 مليون يورو .

المملكة المتحدة: قانون السلامة على الإنترنت لعام 2023

في المقابل، اعتمدت بريطانيا نهجاً مختلفاً عبر قانون السلامة على الإنترنت الذي حصل على الموافقة الملكية في 26 أكتوبر 2023 . يركز القانون على إيجاد "واجب رعاية" للمنصات الإلكترونية، مما يلزمها باتخاذ إجراءات ضد المحتوى غير القانوني، مع حماية "المحتوى ذي الأهمية الديمقراطية" مثل التعليقات على الأحزاب السياسية .

بين النص والحدث: عندما يسبق التغريد القتل

لم تكن التحذيرات القانونية مجرد تنظير أكاديمي، بل تحولت إلى وقائع دامية على الأرض. ففي تقرير لها صدر في مايو/أيار 2025، وثقت منظمة "السوريون من أجل الحقيقة والعدالة" الدور المحوري الذي لعبه خطاب الكراهية في تأجيج "أحداث الساحل" في مارس 2025. وبحسب التقرير، تزامنت الهجمات الأمنية مع "انتشار واسع لأخبار مضللة ونظريات مؤامرة على وسائل التواصل الاجتماعي" .

ويصف التقرير كيف تحولت منصات التواصل إلى ساحات لـ "دعوات التعبئة العامة"، مما أدى إلى تعميق الانقسامات الطائفية وتبرير أعمال العنف ضد "الآخر" .

هذه ليست حادثة وحيدة؛ ففي يوليو/تموز 2025، وثقت لجنة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في سوريا أن فترة العنف في السويداء "تميزت أيضاً بمستويات مرتفعة من خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، التي تم نشرها إلى حد كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي" .

تسجيل صوتي يشعل "فتنة" في جرمانا.. قتلى وصرخة ضد الطائفية وخطاب الكراهية

المعايير الدولية: اختبار الرباط كآلية تقييم

في مواجهة هذا التداخل بين حرية التعبير وخطاب الكراهية، تستند المنظمات الحقوقية إلى معايير دولية واضحة، أبرزها "خطة عمل الرباط" التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 2012. تحدد هذه الخطة ستة اختبارات لتقييم خطاب الكراهية: السياق، والمتحدث، والقصد، والمضمون، ومدى انتشار الخطاب، ومدى احتمالية وقوع الضرر (بما في ذلك قربه الزمني) .

وتشير تقارير حقوقية أن خطاب الكراهية ليس محمياً بحرية التعبير عندما يصل إلى درجة التحريض على العنف. وفي هذا السياق، انتقدت منظمة "السوريون من أجل الحقيقة والعدالة" الإعلان الدستوري السوري الحالي (مارس 2025)، معتبرة أن مادته السابعة التي تحظر "التحريض على العنف" غير كافية لمواجهة المشكلة، لأنها تركز على منع الأفعال التمييزية من قبل الدولة ولا تتناول بشكل صريح خطاب الكراهية الصادر عن الأفراد أو الكيانات غير الحكومية .

القانون وحده لا يكفي

قامت الحكومة السورية عبر مؤسساتها بعدة محاولات لمكافحة التحريض وخطاب الكراهية، إلا انها لم تك كافية لوضع حد لتلك الممارسات، ففي سبتمبر/أيلول 2025، أعلنت النيابة العامة في دمشق توقيف سيدة لنشرها "محتوى طائفياً وتحريضياً" على وسائل التواصل الاجتماعي . كما أصدرت وزارة التعليم العالي في مايو/أيار 2025 قراراً بحظر أي خطاب يحرض على الكراهية في الجامعات، مهددة بالفصل النهائي للمخالفين .

وغير ذلك من الإجراءات المتفرقة، لكن هذه الإجراءات، بحسب رأي كثير من الحقوقين والناشطين، تبقى غير كافية. وكانت نقابة الصحفيين السورية ناقشت في ديسمبر/كانون الأول 2025 سبل مواجهة خطاب الكراهية، حيث تمحورت النقاشات حول الحاجة إلى "قوانين توازن بين حرية التعبير ومكافحة خطاب الكراهية".

طريق طويل نحو التوازن

يبقى التحدي الأكبر لسوريا في المرحلة الانتقالية هو تحقيق معادلة صعبة: حماية المجتمع السوري من خطاب الكراهية والتحريض، دون الانزلاق إلى أدوات قمع الحريات، ودون أن يؤثر ذلك على مسار العدالة الانتقالية.

بودكاست

سمعني سبورت

سمعني سبورت، يقدم لك أبرز الأحداث الرياضية في سوريا والعالم من الدوري المحلي إلى البطولات العالمية، ومن آراء الجماهير إلى حصاد المراكز، ننقل لك كل ما يجري خلف الأرقام والنتائج، بأسلوب شيق وسريع الإيقاع.

سمعني سبورت

بودكاست

سمعني سبورت

سمعني سبورت، يقدم لك أبرز الأحداث الرياضية في سوريا والعالم من الدوري المحلي إلى البطولات العالمية، ومن آراء الجماهير إلى حصاد المراكز، ننقل لك كل ما يجري خلف الأرقام والنتائج، بأسلوب شيق وسريع الإيقاع.

سمعني سبورت

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل الإجراءات الحكومية كافية لمنع تكرار أضرار ارتفاع منسوب الفرات؟

نعم
لا
لا أعرف
close icon