حين تحكم الأبوة: الولاية على الأطفال وراثة لا مسؤولية

حين تحكم الأبوة: الولاية على الأطفال وراثة لا مسؤولية

تقارير وتحقيقات | 26 12 2025

كاتيا داغستاني

في الفقه تُنسب القوة إلى النص، وفي القانون تُنسب إلى العقل، والرقابة، والمصلحة العامة. لكن في سوريا، ما زالت هناك مساحة تُنسب فيها السلطة القانونية إلى شيءٍ آخر تماماً أو بتعبير أدق: للذكور من نطاف الآباء.

ليست المسألة مجازاً لغوياً. إنها بنية قانونية كاملة، تصنع من حياة القاصر ملفاً لا يُفتَح إلا بمفتاح الذكورة، ولو كانت الأم هي من تحمل ثقل الحياة اليومية وحدها في الكثير من الحالات.

أصدر وزير العدل في الحكومة السورية المؤقتة التعميم رقم (17) لعام 2025 بتاريخ 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، والمتعلق بتحديد أصحاب الولاية على نَفْس القاصر ولا سيما في المسائل المتصلة بالسفر واستخراج جوازات السفر وتأشيرات الخروج وإنجاز الإجراءات المشابهة.  

التعميم الصادر هو لقانون معتمد ضمن قوانين الأحوال الشخصية في سوريا سابقاً. لكن التعميم أعاد فتح جدل قديم حول التمييز بين الأم والأب في الولاية على الأبناء القصر، وأيضاً حول معيار "المصلحة الفضلى للطفل" في ظل غياب آلاف الآباء بسبب الحرب.

يعرف القانون في سوريا مفهومين أساسيين من مفاهيم الأهلية:

أهلية الوجوب: صلاحية الإنسان لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، وتثبت له منذ ولادته حيّاً.

أهلية الأداء: القدرة على مباشرة هذه الحقوق بنفسه، ولا تكتمل – وفق القانون السوري– إلا بإتمام سن الثامنة عشرة.

بين هاتين المرحلتين، يكون الإنسان قاصراً: له حقوق كاملة، لكنه لا يديرها بنفسه. وهنا يفترض أن يتدخل القانون لحمايتة عبر نظام تمثيل قانوني مؤقت غايته الوحيدة وفق المادة 3 من اتفاقية حقوق الطفل: المصلحة الفضلى للطفل.

وعليه تنظم التشريعات الحديثة تمثيل الأطفال القانوني عبر الوصاية: شخص يُعتمد قانوناً، تُراقَب تصرفاته، ويُعزل إذا تعارضت قراراته مع مصلحة القاصر. المعيار هنا وظيفي لا بيولوجي: الكفاءة، الأمانة، القدرة على الرعاية.

لكن قانون الأحوال الشخصية السوري لا يختار هذا المنطق. بل يستبدله بمفهوم آخر مستعار من البنية الفقهية التقليدية: الولاية.

وفق القانون الولايةٌ امتياز مسبق

بحسب قانون الأحوال الشخصية السوري، الولاية تُقدّم كسلطة أصلية وشاملة على القاصر في النفس والمال، تشمل القرارات الأساسية مثل التعليم، الرعاية الصحية، الإذن بالعلاج، التوجيه العام والتصرفات ذات الأثر القانوني الواسع، وتُمنح بوصفها حقاً متصلاً بالنسب. وعملياً تُرتّب الولاية ضمن منطق العصبة: الأب أولاً، ثم الجد العصبي، ثم العصبة الذكور وفق ترتيب الإرث.

أما الوصاية، فهي صلاحيات محددة تُمنح بقرار قضائي لإدارة شؤون معينة للقاصر، غالباً ضمن حدود يحددها القاضي وتحت رقابة المحكمة.

"لا تمنح المرأة ولاية كاملة في القانون"

تقول عبير الصالح، محامية سورية، ما تُمنح إياه الأم في حالات عديدة، حتى لو كانت الحاضن الفعلي، لا يرقى إلى ولاية كاملة، بل يكون عادةً وصاية محدودة تُقيّدها المحكمة بنطاق ضيق، بينما تبقى "الولاية" مرتبطة بسلسلة قرابة من جهة الأب.

بهذا المعنى تتحول الولاية من "وظيفة قانونية" قابلة للتقدير والرقابة وفق مصلحة الطفل، إلى "امتياز مسبق" يُكتسب بالنسب وحده.

عدوي الحقيقي لم يكن أشخاصاً.. بل القانون

تحكي أحلام طبرة إعلامية سورية عبر صفحتها في فيس بوك قصتها مع الوصاية وتقول، أنها فقدت والدها في سن الحادية عشرة. الرجل الذي حماها ورعاها لم يكن والدها البيولوجي، بل زوج والدتها، "وكان أحنّ عليّ من كثيرين ربطتني بهم صلة دم" بحسب وصفها.

بعد وفاة والدها، خذلتها عائلته، وسُلبت حقوقها المالية والاجتماعية تحت غطاء “القانون والشرع”. لم تكن المعركة مع أفرادٍ بعينهم بل مع بنيةٍ تسمح للقرابة وحدها أن تتحول إلى سلطة، حتى لو كانت بلا رعاية ولا مسؤولية.


حين يصطدم الفقه بواقع الحرب

مع تحوّل البنية الاجتماعية في سوريا بفعل الحرب، وازدياد عدد الأسر التي تتحمّل فيها النساء العبء الكامل للرعاية، انكشف العجز العملي لنظام الولاية بصيغته العصبية.

موتٌ واعتقال وتغييب قسري ولجوء.. رجالٌ غابوا عن الحياة العائلية، وبقيت الأمهات وحدهنّ يدرن أمور المدارس والمشافي ودوائر الدولة. ومع ذلك، يمنعهن القانون من تمثيل أطفالهن قانونياً كما لو أن الرعاية اليومية لا تنتج حقاً، وكأن العناية لا تخلق أهلية.

في هذا الواقع، لم تعد "الولاية الذكورية" حماية، بل فراغاً قانونياً، حيث تصبح حقوق الأطفال معلّقة على أبٍ غائب أو عصبةٍ لا تربطها بهم سوى الدم.

تقول المحامية عبير الصالح: كثير من الأسس الفقهية التي جرى استخدامها لتثبيت هذا التراتب ليست "نصوصاً قطعية" لا تُمس، بل اجتهادات قابلة للمراجعة، والفقه ذاته يتضمن مبدأ تغيّر الأحكام بتغيّر الزمان والمكان خصوصاً بعد حرب أعادت تشكيل الأسرة السورية ووظائفها على الأرض.

كنت طالبة جامعية.. لكن جسدي ليس لي

تحكي آلانا، سيدة سورية، لروزنة، عن حادثة وقعت عام 2014، حين كانت طالبة في السنة الأولى الجامعية، وكان يفصلها عن إتمام الثامنة عشرة أشهر قليلة. دخلت الإسعاف إثر حادث عرضي، برفقة والدتها، بينما كان والدها في العمل.

تقول: "رفضوا إجراء أي صورة أو متابعة إسعافية إلا بوجود والدي شخصياً ليعطي الإذن ببدء الإسعاف".

كانت إلى جانب والدتها خائفة ومتوترة. انتظرت والدها في قسم الإسعاف.لكن ما انكشف لها في تلك اللحظة، كما تقول، لم يكن مجرد إجراء طبي، بل معنى أوسع: أن جسدها وقرار علاجها لا يخضعان لحاجتها العاجلة، بل لولاية قانونية لا تعترف بأمها بوصفها صاحبة قرار.

وتضيف: "كنا نعيش حرباً مرعبة. وأنا أنتظر، اجتاحتني أسئلة سوداء: ماذا لو كان والدي من المغيّبين في سوريا؟ من أين كنت سأحضر عمي المغترب أو جدي المتوفى؟ وكيف تعالج الأمهات أطفالهن إذا كان القرار معلقاً بوجود وليّ غائب؟".

التعميم: إعادة السلطة إلى العصبة لا إلى المصلحة

في السنوات الماضية الأخيرة لجأت المحاكم الشرعية في سوريا إلى اجتهادات استثنائية سمحت للأمهات بتمثيل أولادهن قانوناً ومنحهن وصاية مثبتة بالقضاء. غير أن التعميم الصادر عن وزارة العدل أعاد التشديد على التطبيق الحرفي لترتيب الولاية على نفس القاصر، وضيّق عملياً مساحة الاجتهادات التي وسّعت تمثيل الأمهات، كما قيّد لجوء المحاكم إلى تعيين أوصياء خاصين لهذه المعاملات ما دام يوجد وليّ شرعي قائم يمكنه مباشرتها.

 "السُلطة تُمنح للذكرٌ على سُلّم القرابة."

من هنا تقول عبير الصالح إن التعميم، من حيث الشكل، لا يتعارض مع النصوص القائمة، لكنه يعيد تثبيت المشكلة لأن الأصل في القانون نفسه مختل: السُلطة تُمنح لمن قد لا يعرف الطفل ولا يرافقه ولا يرعاه، فقط لأنه ذكرٌ على سُلّم القرابة.

وبعد موجة الاعتراضات على التعميم رقم (17) لعام 2025، صدرت توضيحات رسمية أكدت أن الغاية المعلنة من التعميم هي "تبسيط وتيسير الإجراءات" المرتبطة بجوازات السفر وأذونات السفر للقاصرين، وأن أحكام الوصاية الشرعية المعمول بها في المحاكم ما تزال سارية ولم يطرأ عليها تعديل.

هذا التبرير الإجرائي، حتى وإن كان الهدف منه تخفيف الضغط عن المحاكم، لكنه لا يبدّد الإشكال الجوهري الذي يكرّسه: إعادة تثبيت ترتيب الولاية بوصفها امتيازاً مرتبطاً بسُلّم القرابة من جهة الأب أكثر مما هي وظيفة تُقدر بميزان المصلحة الفضلى للطفل.

الخلل البنيوي: عصبةٌ بلا علاقة رعاية

تضع المحامية عبير الصالح يدها على نقطة مركزية: الخلل الأساسي في قانون الأحوال الشخصية ليس مجرد "تفصيل إداري"، بل يكمن في اللا منطقية بمنح أشخاص لا تربطهم بالطفل علاقة رعاية فعلية سلطة تقرير مصيره، لمجرد أنهم من "قرابة الأب".

وهذا يخلق في كثير من الأحيان، على حد تعبيرها، تضارب مصالح بين "الأسرة العصبية" وبين الأم، ويجعل الطفل ساحة نزاعٍ لا طرفاً ينبغي حمايته. الثمن هنا لا تدفعه الأم وحدها، بل يدفعه الطفل أيضاً حين تتحول حياته إلى ملفّ ينتظر توقيعاً من شخص قد يكون غائباً أو غير معنيّ.

ما يحدث اليوم ليس صراعاً بين أم وأب، ولا نقاشاً فقهياً تقنياً حول المصطلحات. إنه سؤال سياسي–قانوني جوهري: هل الولاية حقّ يُمنح بالنسب؟ أم وظيفة تُمنح بالكفاءة وتُقيّد بالرقابة والمصلحة الفضلى للطفل؟

تقول المحامية عبير الصالح إن الحل الحقيقي لا يكون بتعاميم ولا بتوضيحات إجرائية، بل بتشريع قانون أسرة عصري يساوي بين الأبوين في ممارسة الرعاية والإدارة، ويربط السلطة بالكفاءة والمصلحة لا بالذكورة وحدها.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل تعتقد أن مجلس الشعب سيحدث فارقاً؟

نعم
لا
ربما
close icon