تقارير وتحقيقات | 28 07 2026
دمشق - حبيب شحادة
وقعت سوريا مع "صندوق المناخ الأخضر" مشروعاً تمويلياً بقيمة 27.7 مليون دولار أمريكي، لصالح مشروع مائي تحت عنوان: "تعزيز القدرة على معالجة مخاطر ندرة المياه في المناطق الأكثر تضرراً من تغير المناخ في سورية".
وجاء هذا الإعلان في ختام اجتماعات مكثفة لمجلس إدارة الصندوق، عُقدت في العاصمة الطاجيكية دوشنبه (في الفترة من 29 يونيو/حزيران وحتى 3 يوليو/تموز 2026) بمشاركة وزارة الإدارة المحلية والبيئة في سوريا.
ويأتي هذا الدعم، الذي يعد أول تمويل دولي، ليعكس حجم التحدي الذي يواجهه البلاد جراء التغيرات المناخية المتسارعة، بهدف إنقاذ ما يمكن من الأراضي العطشى في ظل تفاقم أزمة المياه التي تغذيها موجات الجفاف المتعاقبة وتراجع تدفقات الأنهار.
وتتضاعف حدة هذه المعضلة نتيجة تراكم عقود من غياب الإدارة المستدامة، فضلاً عن مظاهر الإهمال والدمار الممنهج الذي طال البنية التحتية المائية خلال السنوات السابقة. إذ تعرض نحو ثلثي البنية التحتية المائية في سوريا لأضرار ودمار خلال سنوات النزاع، ما أدى إلى أزمة شح مياه خانقة وانخفاض حاد في حصة الفرد من المياه. وفاقمت ظواهر التغير المناخي، وانخفاض مناسيب المياه الجوفية، وقطع الإمدادات من هذه الأزمة، ما جعل توفير المياه العذبة تحدياً كبيراً.
ويُقدر البنك الدولي إجمالي الأضرار التي لحقت بقطاع البنية التحتية الخدمية ككل بأكثر من 52 مليار دولار.
وترافق دمار البنية التحتية مع موجة جفاف هي الأسوأ منذ 36 عاماً، ما زاد من الضغط على المياه الجوفية وأدى إلى جفاف مئات الآبار والينابيع.
ويُعد "صندوق المناخ الأخضر" الذي تأسس عام 2010 أكبر ذراع تمويلي عالمي مخصص لدعم الدول النامية في جهود التكيف مع التغير المناخي والحد من آثاره. وقد تخطت تمويلاته التراكمية حاجز الـ 20 مليار دولار أمريكي شملت مشاريع ومبادرات في أكثر من 130 دولة حول العالم.
لماذا هذا المشروع الآن؟
لا يقتصر المشروع على تقديم دعم مالي، بل يستهدف معالجة تحديات ندرة المياه عبر تطوير إدارة الموارد المائية، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع آثار التغير المناخي، وإعادة تأهيل البنية التحتية للمياه بما يسهم في استدامة خدماتها ودعم النشاط الزراعي في المناطق الأكثر هشاشة.
تعليقاً على ذلك قال خبير الأمم المتحدة بمجال المياه الدكتور معن داوود: إن المشروع من حيث المبدأ "شديد الأهمية والأول من نوعه بعد سقوط النظام السابق"، وأضاف في حديثه لـ "روزنة"، أن المشروع يتيح فرص واسعة للتوسع لاحقا في حصول الدولة السورية والسوريين على حقوقهم في دعم مواجهة التغيرات المناخية التي ليس لهم دور في تفاقمها.
لكن، هذه المشاريع تُوقع وفق ما قال خبير الأمم المتحدة بمجال المياه، مع الدول التي لا تعاني من عقوبات اقتصادية مفروضة عليها من أجل تأمين التمويل وتحويله للدولة السورية، موضحاً أن عدم رفع العقوبات بشكل كامل قد يؤخر تنفيذ المشروع والاستفادة من التمويل الدولي.
وشدد على أن موضوع المياه يحتاج إلى إدارة حكومية فعالة لمعالجة الفجوة بين بين حجم هذا التدخل وحجم أزمة المياه التي تعاني منها البلاد، معتبراً أن تمويل صندوق المناخ الأخضر مشروع مائي، قد يكون إعادة فتح قنوات التمويل الدولية تجاه سوريا.
والمشروع الحالي لا يمكن اعتباره خطة إنقاذ لواقع المياه في سوريا، وذلك بسبب ضخامة العجز المائي المقدر بمليارات الأمتار المكعبة مقابل حجم التمويل لمشروع واحد فقط في منطقة جغرافية محددة، فضلاً عن دمار كبير في البنية التحتية ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي والتي تحتاج لمليارات الدولارات، وفق قول خبير الأمم المتحدة بمجال المياه.
وبحسب خبراء مناخ يتجاوز الجفاف في سوريا شح الأمطار ليكون أزمة مركبة ناتجة عن التغير المناخي والاحتباس الحراري فضلاً عن ضعف إدارة الموارد المائية والبيئية والإهمال المتراكم.
من المستفيد؟
في حين يستفيد مباشرةً من المبادرة نحو 200 ألف فرد، فإن نطاق النفع غير المباشر يتسع ليشمل أكثر من مليون ونصف المليون شخص، وفق ما نشرت وزارة الإدارة المحلية والبيئة.
ونقلت وكالة الأنباء السورية "سانا" عن وزارة الإدارة المحلية والبيئة، بإن إقرار هذا التمويل يدشن مرحلة متقدمة من العمل المشترك مع الصندوق لدعم التنمية المستدامة ومواجهة التغير المناخي، ويؤسس لإطلاق مشاريع وطنية تواكب الأولويات الراهنة في البلاد.
وبينما يُنتظر أن يُمثل هذا المشروع طوق نجاة بيئي واقتصادي لآلاف العائلات الريفية في سوريا التي تعتمد على الزراعة المطرية، لم يسمع المزارع عبدالله العبيد بهذا المشروع المختص بمنطقته في دوما.
ويقول لـ "روزنة": "نعاني في الغوطة من ندرة المياه التي جعلت بساتيننا يابسة بعد أن كان يضرب المثل بها في السنوات السابقة".
وكان نبع بردى والأبار الجوفية تروي أرض العبيد، بينما يعاني من سنوات من جفاف مياه النهر وانقطاع مياه الآبار الجوفية التي "فرغت تماما"، وفق تعبيره. متمنياً أن يكون المشروع القادم "طوق نجاة له ولغيره من المزارعين.
وقصة العبيد ليست مجرد حكاية فردية، بل هي مرآة لواقع آلاف المزارعين في الغوطة الشرقية، الذين ينتظرون مشاريع مائية ملموسة وحلولاً مستدامة تُعيد الحياة لأرض كانت يوماً ما سلة دمشق الغذائية ورئتها الخضراء.
من سينفذ المشروع، ومتى؟
تزامناً مع الاجتماعات المنعقدة، أبرمت وزارة الإدارة المحلية والبيئة اتفاقية شراكة مع منظمة "ACTED " الفرنسية وهي منظمة إنسانية تُعنى بالإغاثة العاجلة والتنمية طويلة الأمد لتنفيذ مشروع تحت اسم (WATER-RES) لمدة خمس سنوات وشهد مراسم التوقيع ممثلون عن الصندوق وشركاء دوليون.
يقول: معاون وزير الإدارة المحلية والبيئة يوسف شرف لـ "روزنة": إنّ الموعد التنفيذي التفصيلي لبدء الأنشطة الميدانية سيُعلن ضمن الترتيبات التنفيذية النهائية بعد استكمال الإجراءات المطلوبة"، دون تحديد وقت محدد ومُعلن.
ويؤكد أن المشروع لا يدّعي بمفرده سد كامل العجز المائي القائم، لكنه يشكل أداة عملية للتخفيف من آثار هذا العجز عبر تحسين إدارة الموارد المائية المحدودة، ورفع كفاءة استخدامها، وتأهيل البنية التحتية، وتقليل الفاقد، وتعزيز الحوكمة والبيانات والرصد.
هدف المشروع
يهدف المشروع، وفقاً بيان وزارة الإدارة المحلية والبيئة إلى تحقيق أهداف استراتيجية من أبرزها: إدارة الأزمات المائية من خلال تعزيز القدرة الوطنية على مواجهة شح المياه، وتطوير آليات مبتكرة لإدارة الموارد المائية المحدودة. وتأمين الريف والمدن عبر دعم منظومة الأمن المائي في التجمعات الحضرية والريفية على حد سواء. وحماية سبل العيش بتحصين القطاع الزراعي وحماية مصادر دخل السكان في المناطق الأكثر تأثراً بالتغيرات المناخية. وبناء القدرات المؤسساتية برفع كفاءة وجاهزية المؤسسات المحلية لإدارة الأزمات البيئية المستقبلية والتكيف معها.
وبحسب خبير الأمم المتحدة بمجال المياه، فأنّ مؤشرات نجاح المشروع مرتبطة بزيادة إنتاج الغذاء من وحدات المياه المستخدمة، وتعظيم معالجة الموارد المائية المستخدمة مسبقا وتخفيف انتقال الملوثات ومن بينها انتقال النيتريت والنترات من التربة نتيجة التلوث في إنتاج الغذاء في الزراعة القائمة على الإنتاج الحيواني المكثف في غوطة دمشق.
وكذلك ترتبط بالوصول إلى حماية المورد المائي والحوامل المائية الجوفية من انتقال النتريت إلى الحوامل المائية نتيجة تغيرات مناسيب المياه وعدم وجود معالجة مكانية، وهذا ما يمكن أن ينفذه صندوق المناخ الأخضر، بحسب داوود.
المناطق المستهدفة
يستهدف المشروع جغرافياً حوضي بردى والأعوج في ريف دمشق، مع التركيز على الغوطة الشرقية؛ باعتبارهما الشريان الرئيسي للمياه العذبة والنشاط الزراعي بالمنطقة.
ويمتد حوض بردى في الجزء الشمالي والشمالي الغربي للمنطقة المعروضة على الخريطة. يغذي مباشرة الغوطة الشرقية وقطاع دوما 1 الذي يعتمد بشكل كبير على شبكات مياه الشرب وتفرعات بردى التاريخية.
أما حوض الأعوج فيمتد في الجزء الجنوبي. ويلتقي تأثيره البيئي والمائي مع حوض بردى في مناطق السهول الجنوبية والشرقية، ما يؤثر على المياه الجوفية المغذية لقطاع دوما 2 وهي المنطقة الزراعية الممتدة شرقاً وجنوباً والتي تعاني من جفاف حاد وانخفاض منسوب الآبار.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه سوريا عجزاً مائياً هيكلياً يبلغ 3 مليارات متر مكعب سنوياً، وسط تحذيرات من تراجع نصيب الفرد من المياه إلى 500 متر مكعب بحلول عام 2050، بحسب خطة المشروع، ما يهدد مباشرة الأمن المائي والزراعي لأحد أهم الأحواض الحيوية في البلاد، وفق ما قال شرف معاون وزير الإدارة المحلية والبيئة.

وبحسب معاون الوزير، يركز المشروع في مرحلته الأولى على الغوطة الشرقية في ريف دمشق (دوما 1 ودوما 2) ضمن حوضي بردى والأعوج، باعتبارها من أكثر المناطق تعرضاً لندرة المياه وآثار تغير المناخ.
وبينما يشير الخبير الأممي داوود، إلى أن المياه المستخدمة في هذه المنطقة في الري الزراعي وإنتاج الغذاء يُعاد استخدامها لمرات، وهذا يؤدي لتلوث واسع نتيجة ذوبان وجرف المواد المغذية والأسمدة والمبيدات من الحقول باتجاه الحوامل المائية الجوفية، قال شرف لـ "روزنة": بإنه جرى اختيار تلك المنطقتين استناداً إلى الدراسات البيئية والبيانات الوطنية لدى وزارة الإدارة المحلية والبيئة، وإلى مشاورات فنية مع الجهات المعنية، وبما يحقق أكبر أثر ممكن على مستوى الأمن المائي وسبل العيش.
وتتوزع أنشطة المشروع، وفقاً لخطة العمل المعتمدة، على ثلاثة محاور رئيسية متكاملة: المحور الأول (البيانات والمراقبة) عبر تطوير أنظمة رصد المياه الجوفية، وبناء شبكات بيانات مناخية متطورة لتوقع الأزمات، والثاني (تأهيل البنية التحتية) وتحسين خدمات مياه الشرب عبر إعادة تأهيل الشبكات العامة والبنية التحتية للحد من الهدر والفاقد المائي.
أما الثالث (الاستدامة الزراعية) فيدعم المزارعين عبر إدخال تقنيات الري الحديثة، واعتماد محاصيل استراتيجية أكثر مقاومة للجفاف والتغيرات المناخية.
ويوضح داوود، أن صندوق المناخ الأخضر لم ينشر تفصيلات دقيقة، لكن يمكن ضمن المشروع المعلن تعزيز إعادة استخدام المياه بشكل أمن في إنتاج الغذاء والنبات المروي، ما يسهل من تأمين الغذاء للناس ويعيد استخدام الموارد المائية المتاحة بأشكال مختلفة.
هل ينجح المشروع؟
خبير الأمم المتحدة بمجال المياه داوود، يرى بأنه "ليس لدينا بديل عن نجاح المشروع"، وفشله سيؤدي إلى تداعيات شديدة الخطورة على حياة وأمن المجتمع البشري في تأمين مياهه وغذائه، وهذا يتطلب، وفقاً للخبير، جهوداً واسعة من قبل المؤسسات الحكومية المعنية ومؤسسات المجتمع المدني للعمل على إنجاح المشروع وتوظيف أمواله لمصلحة السكان ومناطق التأثير.
ويشير إلى أن أزمة المياه في سوريا ذات طابع مركب وعميق مرتبط بمستوى الوعي المجتمعي ونوعية إدارة المورد المائي والضغوطات الشعبوية التي تسعى دوما للضغط على متخذ القرار من أجل السماح بمخالفة القانون ومخالفة حماية المصادر المائية.
ويقول لـ "روزنة": إنّ المشروع قد يساعد في تطوير آلية المراقبة ذات الطابع البيئي وخاصة في حوض نهر بردى والفيجة الذي يغذي دمشق بالمياه، والذي تعرض لأضرار بسبب التغير المناخي والتوسع الجائر من قبل المجتمع المحلي بحفر الآبار ضمن حرم النهر.
ويؤكد أنّ المشكلة الأساسية هي رفع جاهزية المؤسسات المحلية للتكيف مع الأزمات المناخية المستقبلية وتعزيز القدرة على مواجهة مخاطر ندرة المياه.
ويبقى السؤال المطروح حالياً إن كان هذا المشروع سينعكس على حياة الناس والمزارعين ويسهم في تخفيف معاناتهم خصوصاً في المناطق المتضررة في حال جرى تنفيذه؟