تقارير وتحقيقات | 28 04 2026
حبيب شحادة
بعد أيام من التضارب والأنباء المتناقضة حول تسليم الحوالات الواردة بالليرة السورية أو الدولار الأمريكي، حسم مصرف المركزي السوري تسليم الحوالات الخارجية الواردة عبر شركات التحويل السريع مثل "ويسترن يونيون" ومثيلاتها، بالليرة السورية حصراً وفق سعر نشرة المصرف مع هامش للتسعير يعكس سعر السوق.
وبينما يهدف قرار المركزي إلى تنظيم سوق الصرف والسيطرة على التدفقات النقدية وتعزيز القنوات المصرفية الرسمية، يتخوف سكان في العاصمة دمشق من انعكاسات القرار السلبية على قيمة الحوالات وانخفاض قدرتهم الشرائية.
وأتى قرار المركزي الذي سيطبق بداية أيار/مايو القادم، بعد تجاوز سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية الـ 13 ألف ليرة لكل دولار أمريكي، أي ما يزيد بـ ألفين ليرة عن السعر الرسمي المحدد عند 11300 ليرة لكل دولار أمريكي.
تخفيض قيمة الليرة
في حين خفض المصرف المركزي في نشرته الرسمية يوم أمس الأحد 26 نيسان، قيمة الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي إلى 11300 ليرة لكل دولار أمريكي بعد فترة من التثبيت استمرت ما يقارب العام، يبلغ سعر الصرف في السوق الموازي بحسب موقع "الليرة اليوم" 13230 ليرة لكل دولار أمريكي.
وكان مصرف سوريا المركزي أكد في 23 نيسان/أبريل الجاري، في بيان له نقلته وكالة "سانا" صحة القرار رقم "235" الصادر في 21 نيسان الملزم لجميع المصارف وشركات الصرافة المتعاقدة مع شبكات التحويل العالمية مثل "موني غرام" و"ويسترن يونيون" و"سويفت" بتسليم الحوالات الخارجية للمستفيدين بالليرة السورية فقط.
حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، أكد أن تحديد سعر الصرف ينبغي أن يستند إلى أسس أساسية في مقدمتها العرض والطلب، إضافةً إلى التوقعات الاقتصادية والتطورات المالية. وبيّن أن السعر الرسمي المعتمد يعكس سياسة نقدية منضبطة، بينما يجري العمل حالياً ليتوافق سعر الصرف مع واقع السوق بشكل أدق وأكثر شفافية.
التسليم بالليرة: قرار فاشل
الخبير الاقتصادي عمار يوسف أوضح لـ "روزنة"، أن قرار المركزي يفقد خزينة الدولة واردات القطع الأجنبي لصالح ذهابها إلى مهربي العملة والسوق السوداء. متوقعاً فشل البنك المركزي في هدفه بضبط سوق القطع الأجنبي بهذا القرار.
وأضاف، أنّ مبدأ تسليم الحوالات بالليرة السورية "فاشل"، وطُبق سابقاً خلال حكم النظام السابق، واصفاً ما يجري بأنه "عودة إلى إدارة الاقتصاد والسياسة النقدية بذات عقلية النظام السابق".
وتوقع الخبير الاقتصادي أن ينتج عن هذا القرار العودة إلى تجريم التعامل بغير الليرة السورية، وملاحقة تجار العملة الصعبة ومن يتعامل بها.
ما أثار القرار؟
عن أثار القرار على سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأمريكي، رجح الخبير الاقتصادي ارتفاع سعر الصرف في قادم الأيام بعد تطبيق القرار، وخروج الحوالات من القنوات الرسمية إلى ما أسماه "حوالات تحت الدرج"، وسط عدم استقرار الليرة أمام الدولار.
ويضع هذا القرار مصرف سوريا المركزي في مواجهة مع آليات السوق، وقد يدفع الحوالات نحو القنوات غير الرسمية ما يفقد النظام المالي الشفافية والقدرة على السيطرة على القطع الأجنبي. إذ يتوقع خبراء اقتصاد، ومنهم يوسف، أن تنتعش السوق السوداء مجدداً ما يخلق فجوة سعرية أكبر وضغوطاً تضخمية أشد خصوصاً بعد ما جرى من "دولرة" الاقتصاد خلال الفترة السابقة.
عودة للسوق السوداء
في المقابل، عبر عدد من سكان دمشق عن استيائهم من إعادة تقييد استلام الحوالات بالليرة السورية، ما يعرضهم للخسارة بسبب الفرق بين السعر الرسمي والموازي، والذي يتسبب بخسارة تقدر بحوالي 16 بالمائة من قيمة كل حوالة.
وهذه الخسارة، بحسب وصف عصام، وهو من سكان حي باب سريجة تعادل في بعض الأحيان راتب موظف في القطاع الحكومي. ويقول لـ "روزنة": "لا بد من العودة لطريق التحويل السوداء لضمان استلام الحوالة بالدولار أو بسعر صرف السوق الموازي".
ويتلقى عصام حوالات بشكل دوري من أخته المقيمة في ألمانيا، "أنا وأولادي أحق بفارق السعر بين الرسمي والسوداء"، قال لـ "روزنة".
وبلغت تحويلات المغتربين نحو 4 مليارات دولار منذ انهيار النظام السابق في أواخر عام 2024، وفق تصريحات صحفية لحاكم مصرف سوريا المركزي في ديسمبر 2025.
وكان سوق الحوالات المالية قبل سقوط النظام السابق محصور ضمن شركات محددة، على أن عمليات التحويل كانت تحت رقابة أمنية مشددة، ما كان يمنع تسليم المبالغ المحولة بالدولار. لكن بعد سقوطه ألغت الحكومة السورية الانتقالية القيود التي كانت تحدّ من حركة التحويلات المالية، وتجرّم التعامل بالعملات الأجنبية.
وتشير تقديرات خبراء اقتصاد ومنهم الخبير الاقتصادي يوسف، إلى أن قرار مصرف سوريا المركزي الأخير القاضي بحصر تسليم الحوالات بالليرة السورية، يسعى إلى إعادة تطبيق نهج النظام السابق، الذي أثبت فشله في ضبط سوق القطع الأجنبي.