تقارير وتحقيقات | 3 02 2026
روزنة
حراك احتجاجي متواصل للمعلمين والمعلمات في سوريا، بين اللاذقية وشمالي حلب، يعكس استياء قطاع كبير من القرارات الإدارية وغياب التجاوب مع مطالبهم المعيشية.
وبينما يستمر إضراب معلمي إدلب وشمالي حلب لليوم الثالث على التوالي احتجاجا على تدني الرواتب وظروف العمل، نظمت عاملات بعقود لصالح مديرية التربية في اللاذقية وقفة احتجاجية الأحد الماضي، بعد صدور قرار يطالبهن بالعودة لمديرياتهن الأصلية لتجديد عقودهن، مع منع أي نقل.
ورددت المحتجات شعارات: "يسقط القرار. لا نسمع إلا الوعود. قرار الوزير ظالم".
في السطور التالية، تنقل روزنة شهادات مباشرة من معلمين ومعلمات حول أسباب حراكهم، وتوثق معاناتهم اليومية ومطالبهم بتحسين الرواتب وضمان استقرارهم الوظيفي، في وقت تواجه فيه وزارة التربية تحديات تنظيمية وإدارية وأرقامًا متضاربة حول الكوادر التعليمية.
شمالي سوريا.. ما أسباب إضراب معلمي ؟
قال خالد (اسم مستعار) وهو معلم في إدلب لروزنة اليوم الثلاثاء، إن الإضراب بدأ يوم الأحد الماضي بناءً على عدة مطالب لم تُنفذ حتى الآن، وأهمها زيادة الرواتب.
وأوضح: "المعلم يتقاضى أقل راتب في الوظائف الحكومية. نطالب بإعادة كرامة المعلمين وتثبيت الوكلاء. بعض المعلمين في المناطق المحررة قدموا سنوات تطوع".
وأكد أن "الإضراب الأخير جاء بعد اجتماعنا في ديسمبر مع مدير التربية ومعاون وزير التربية، على أساس رفع الرواتب بعد التحرير أو بحلول رأس السنة، لكن لم يتبين أي شيء. بعد العطلة الانتصافية وبداية الفصل الثاني، لم يحصل المعلمون على أي زيادة، وكانت وعود الوزارة متكررة ومختلفة في كل مرة".
وقال: "أقل راتب يتقاضاه المعلم الأساسي 130 دولار، والجامعي 150 دولار، ويتم دفعه بالليرة السورية مع خصم 5–7 دولارات بسبب فرق الصرف. هذا الراتب لا يكفي المعلم لأسبوع كامل. أغلب المعلمين مديونون، وعلى الرغم من ذلك يواصلون التدريس بينما تفكيرهم مشغول بالديون والتزامات الحياة".
وفي كلمة مصورة لوزير التربية قبل يومين، قال إن هناك "أخبار مفرحة قريباً جداً" للمعلمين، مؤكداً أن صوته وصوت الوزارة مع صوت المعلمين المطالبين بتحسين الأوضاع المعيشية.
إضراب حتمي حتى إظهار جدية
قال نور وهي معلمة في شمالي حلب مشاركة في الإضراب، لروزنة، إن "الإضراب حتمي بسبب الوضع الصعب الذي نعيشه. الرواتب لا تغطي الاحتياجات الأساسية، ومطلبنا زيادة الرواتب بما يتناسب مع تكاليف المعيشة".
وأكدت المعلمة أن "الإضراب مستمر حتى يكون هناك تجاوب حقيقي وواضح من وزارة التربية، وليس مجرد وعود وحبر على ورق. وصلنا إلى الإضراب بعد مطالب متكررة ومحاولات حوار لم تثمر عن نتائج فعلية، ولم يبق أمامنا حل سوى هذا الإجراء للمطالبة بحقوقنا المشروعة".
بدورها أشارت هدى إلى أن المشاركين بالإضراب طالبوا بتأمين رواتب تتناسب مع الدخل اليومي وغلاء المعيشة، كما شددت هي الأخرى في حديثها مع روزنة أن الإضراب سيستمر "حتى تظهر جدية في الاستجابة. وصلنا إلى هذا الخيار كحل أخير لضمان رفع الرواتب للمعلمين".
وشمل الإضراب منذ يوم الأحد نسبة واسعة من مدارس محافظة إدلب وريف حلب الشمالي، حسب مصادر لروزنة.
وحول ذلك، قال وزير التربية في كلمته: "من أول لحظة نعمل على الملف (تحسين وضع المعلمين المعيشي)، بمساندة كبيرة من الحكومة وأمانة الرئاسة لتحسين وضع المعلم. أنهينا وضع الجداول ودراستها مع المالية، وطول الموضع قليلاً ومعكم حق، لكن الأمر مرتبط بالترهل الإداري في الوزارة".
قد يهمك: ترحيب بقرار إعادة المفصولين إلى التعليم في سوريا وتساؤلات معلّقة

ما هو القرار الذي أدى لاحتجاج اللاذقية؟
أصدرت مديرية تربية اللاذقية قرارًا طالبت فيه جميع العاملين بعقود لصالح مديريات التربية والتعليم في محافظات أخرى، من إداريين ومستخدمين، بـ"مراجعة مديرياتهم الأصلية لتقديم طلبات تجديد عقودهم، على أن يتم التجديد في محافظاتهم الأصلية فقط، مع منع أي نقل".
ومن شملهم القرار الصادر بتاريخ 29 كانون الثاني/يناير 2025، كانوا قد نقلوا بموجب قرارات النقل الجماعية في شهري شباط وآذار 2025، بعد سقوط النظام السابق.
وكان وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال، نذير القادري، أعلن في شباط/فبراير 2025، أن الوزارة أصدرت قرارات نقل للكوادر التعليمية إلى محافظاتهم، ممن تقدموا بطلبات خلال العطلة الانتصافية، "ضمن عملية التنظيم الإداري للواقع التربوي وبعد دراسة واقع الكوادر التعليمية والإدارية في المحافظات".
وأضاف القادري أن هذه القرارات صدرت "بناءً على رغبة المعلمين وتوافر الشواغر، وبما يكفل استقرار العملية التعليمية ونجاح العمل التربوي"، مع اعتماد معايير محددة تتعلق بمدة الخدمة ونوعيتها للموافقة على الطلبات.
واعتبر المحتجون والمحتجات أن القرار الأخير للمديرية يلغي عمليا قرارات الوزير "القادري" السابقة، ويعيدهم إلى محافظاتهم الأصلية، مع شرط عدم السماح بأي نقل، رغم استقرارهم في اللاذقية منذ أشهر بناءً على النقل الجماعي في شباط وآذار 2025.
اقرأ أيضاً: "لا للتسريح التعسفي".. احتجاجات عمالية في عدة محافظات سورية

ارتياح مؤقّت قبل العودة للنقطة صفر!
تروي غنى (36 عامًا)، وهي معلمة من اللاذقية كانت تتبع لمديرية التربية في حمص، جانبا من معاناتها ومعاناة زميلاتها خلال محاولات نقلهن الوظيفي، في ظل ظروف أمنية معقّدة.
وتقول لروزنة: "كان الذهاب إلى مديرية تربية حمص مخاطرة حقيقية، خاصة مع الحديث المتكرر عن خطف النساء. اضطرت بعض زميلاتي للاستعانة بمعقّبي معاملات لإنجاز عملية النقل، ودفع مبالغ كبيرة، ورغم ذلك شعرنا بشيء من الارتياح بعد إتمامها".
وتوضح غنى أن المعلمين والمعلمات أجروا ما يُعرف بـ"الانفكاك القانوني" من مديرياتهم الأصلية، وحصلوا على براءات ذمة من النقابة والضمان الصحي، كما نُقلت جميع ملفاتهم المالية والتأمينية إلى المديريات الجديدة في أماكن سكنهم الدائم، في خطوة بدت حينها نهائية.
وتنتقد القرار الأخير، قائلة: "بعد كل هذه (الشنشطة) على الطرقات في أصعب الظروف ودفع المال لهذا وذاك.. نُعاد إلى ذات النقطة!.. هذا دليل عدم جدية".
كما ترد على خطاب الكراهية عبر مواقع التواصل: "دوماً هناك شتائم ضدنا. لكن عن أي امتيازات يتحدثون؟ قضيت خمس سنوات في قرية نائية بريف حمص، استأجرت غرفة في ظروف سيئة، سقفها 'اترنيت' لا تحمي من البرد ولا المطر.. كل ذلك على أمل الفرج، وهذه كانت النهاية".
أما أحلام فتعتبر في حديثها مع روزنة أن تطبيق قرار الوزارة الأخير، يعني استقالة معظم المعلمات، موضحة: "انتقالي من اللاذقية إلى حماة، يعني إيجار منزل جديد، ومصاريفه كافة كالكهرباء، ولا يغطيها الراتب، أي أن الخطوة خاسرة اقتصاديا، عدا عن ابتعادي عن طفلتي وهشاشة الوضع الأمني".
قد يهمك: "الخطف والفقدان": يدفع نساء لتغيير نمط حياتهن في اللاذقية

أرقام متضاربة!
عقب سقوط النظام السابق، صرّح وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال، نذير القادري، في مقابلة تلفزيونية خلال كانون الثاني/يناير 2025، أن عدد المعلمين والمعلمات في سوريا يبلغ نحو 350 ألفًا.
وأشار حينها إلى أن الإدارة الجديدة اكتشفت ترهّلا إداريا، ووجود أسماء وهمية ووظائف لا مبرر لها، ما دفع الوزارة إلى البدء بعملية إحصاء للكوادر اللازمة، دون أن يحدّد حجم الوظائف الوهمية، مكتفيا بالتأكيد على أن فرق الإحصاء ستباشر عملها لتحديد الأعداد بدقة.
لاحقًا، وفي أيلول/سبتمبر 2025، انخفض الرقم المعلن بنحو 100 ألف معلم، إذ قال وزير التربية الحالي، محمد تركو، إن عدد المعلمين والمعلمات في سوريا يبلغ 253 ألفًا، يعملون بأوضاع قانونية مختلفة، تشمل المثبتين والوكلاء والعاملين بنظام الساعات.
واعتبر تركو أن ملف الكوادر التعليمية "معقّد"، ويحتاج إلى معالجة شاملة، موضحا أن الوزارة تعمل بالتنسيق مع وزارة التنمية الإدارية على إعداد جداول تنظيمية قانونية لجميع المعلمين، المثبتين منهم والوكلاء والعاملين وفق نظام الساعات، بما يحدد أوضاعهم الوظيفية ورواتبهم لاحقا.
وقبل أيام، أعلنت وزارة التربية إعادة أكثر من 20 ألف موظف مفصول من قطاع التعليم بسبب مواقفهم المنحازة للثورة السورية، بعد تسوية ملفاتهم المالية وتخصيص رواتب لهم. وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة دراسة ملفات نحو ألفين آخرين لاتخاذ قرار بشأنهم.
كما كشف الوزير، في آب/أغسطس الماضي، أن عدد المدارس في سوريا يبلغ 19,365 مدرسة، منها 7,215 مدرسة بحاجة إلى إعادة بناء أو ترميم، بينما قدر عدد الطلاب في المدارس بنحو 4.2 ملايين طالب، مقابل 2.4 مليون خارجها، إضافة إلى الاستعداد لاستقبال نحو 1.5 مليون طالب عائد إلى البلاد.
أين القوائم الشفافة؟
تقول المعلمة أحلام من اللاذقية، لروزنة، محتجّة على قرارات النقل التي تستند إلى مبدأ الحاجة والفائض في المديريات المختلفة: "لماذا لم تُصدر وزارة التربية حتى الآن إحصائية دقيقة تُحدّد الحاجة والفائض في كل محافظة، وفق قوائم شفافة؟".
وتضيف متسائلة: "إذا كانت الحجة هي الفائض، فهل يُعدّ إرجاع جميع المعلمات إلى مديرياتهن الأصلية من دون دراسة حلا أفضل؟ ألن يؤدي ذلك إلى خلق فائض جديد في المحافظات التي نُقلنا إليها؟ ألا نستحق من الدولة إجراء إحصاء حقيقي قبل نقلنا بعيدا عن عائلاتنا، في ظل ظروف معيشية وأمنية سيئة؟".
وعلى خلفية الاحتجاج الأخير للمعلمات في اللاذقية، قال مدير التربية والتعليم في المحافظة، وليد كبولة، لوكالة "سانا"، أول أمس الأحد، إن أي قرار إداري يمسّ الاستقرار الوظيفي يثير "حساسية مشروعة"، وأنه التقى عدد من المحتجين واستمع لهواجسهم وتساؤلاتهم بكل وضوح وصراحة.
وأكد "كبولة" أنه في حال وجود شواغر تُغطى بنظام الساعات أو الوكالات، مقابل وجود كوادر متعاقدة أو فائضة في أماكن أخرى "تصبح إعادة ترتيب هذا الواقع مسؤولية المديرية، لضمان العدالة والكفاءة (...) استمرار أي عقد يجب أن يرتبط بالحاجة الفعلية، وهو مبدأ إداري طبيعي في أي مؤسسة".
تفسير إداري
في إطار التخبط الحاصل بعد القرار، تواصلت سعاد (اسم مستعار) وهي معلمة من ريف جبلة مع مديريتها السابقة في حماة، لتخبرها الموظفة أنها ينبغي أن تجدد عقدها في حماة، وتعود لمزاولة عملها في جبلة، إذ نقلت لروزنة قول الموظفة لها: "بتاخدي راتبك كمان، انتي عقدك متجدد للشهر الثامن".
وأشارت الموظفة "القرار لا يعني أن تعودوا إلى حماة. فكل أوراقكم الثبوتية تم نقلها.. هنالك لجنة ستأتي لدراسة كل حالة على حِدا، في حال وجود المعلمة في شاغر حقيقي فإنها ستبقى على رأس عملها، أما في حال اكتشفت اللجنة عكس ذلك، ستدرس نقلها لشاغر آخر في حماة".
وأكدت مديرية التربية والتعليم في اللاذقية أن قرار الوزارة وتعميم المديرية المتعلق بتجديد العقود في المديريات الأصلية التي جرى التعاقد فيها "لا يستهدف أي جهة أو شخص، ولا يهدف إلى الإقصاء أو إنهاء الخدمات بشكل غير مباشر".
ويندرج القرار حسب تصريح الوزارة لـ"سانا" في إطار تنظيم إداري يهدف إلى إعادة ضبط توزيع الكوادر وفق الاحتياج الفعلي، والحفاظ على التوازن بين المديريات، وتدارك وجود فائض في مكان وعجز في مكان آخر، بما يضمن استقرار العملية التعليمية.
وأكد مدير التربية في اللاذقية وليد كبولة أن "الجميع في الوزارة يعمل تحت سقف رسالة ومسؤولية واحدة (...) من حق المتعاقدين طرح تساؤلاتهم، ومن واجب المديرية تقديم التوضيح"، وأنه استمع بكل "وضوح وصراحة" لممثلين وممثلات من الاحتجاج أمام مقر المديرية.
ولم تنشر مديرية التربية في اللاذقية أي توضيح حول القرار أو نسخة عنه عبر معرفاتها الرسمية، حتى لحظة نشر المادة.
وسط هذه التحديات، يواصل معلمو سوريا احتجاجاتهم وإضراباتهم، مؤكدين أن مطالبهم واضحة: رواتب تغطي تكاليف المعيشة، استقرار وظيفي، وشفافية في القرارات الإدارية.
من اللاذقية إلى شمال البلاد إلى الرقة التي بدأ معلموها إضراباً اليوم، يصر العاملون بالقطاع التعليمي في سوريا على عدم التراجع حتى ترى مطالبهم التجاوب الفعلي والجاد من وزارة التربية، ويضعوا حدا للقرارات المتناقضة والوعود التي لم تُنفذ، حفاظا على استقرار العملية التعليمية وكرامة المعلمين.
