تقارير | 10 04 2022
علياء أحمد - روزنة
رجلٌ فقد القدرة على المشي وآخرٌ أصيب بفشل كلوي وثالثٌ مات عقب استئصال زائدة دودية ورابع توفّيَ بعملية بواسير، كل ذلك جرى وفق ما يقوله المرضى أو ذويهم بـ "أخطاء طبية" في مستشفيات الرقة شمال شرقي سوريا.
بين الحين والآخر يُسمع في الرقة عن حوادث من هذا النوع، وتعاني المحافظة ضعفاً في الرعاية الصحية، وفق أهالي يلجأ بعضهم للعلاج في العاصمة دمشق وغيرها، خوفاً من الأخطاء الطبية، التي تحدث في مستشفياتها.
تستعرض روزنة في هذا التحقيق، شهادات مرضى وذويهم ممن تعرضوا لهذه الأخطاء وفق قولهم، وردود الأطباء الذين أجروا العمليات لهم، وتعامل الإدارة الذاتية والمحاكم في المنطقة مع هذا النوع من القضايا.
أخطاء لدى ذات الطبيب
خلال عملية توثيق شهادات لأشخاص يقولون إنهم عانوا من الأخطاء الطبية، تلقت روزنة شهادتين أكدتا التعرض لخطأ طبي بعمليات جرت عند الطبيب نفسه!
اقرأ أيضاً: "الولائم" أداة لتدعيم السلم الأهلي في الرقة
الشهادة الأولى من عبد الله الحمود "34 سنة"، الذي بدأت حكايته عندما كُسرت ساقه اليمنى جراء حادث سير قبل ثلاثة أعوام.
ذهب الحمود حينها إلى طبيب العظام "إ. د"، الذي أخبره بوجوب إجراء عملية جراحية لجبر الكسر.

إحدى مستشفيات الرقة - عبد الله الخلف (روزنة)
وافق الرجل على العملية وتم إجراؤها، وكان من المفترض أن تجبر ساقه خلال ستة أشهر، ولكن بعد مضي تلك الفترة زاد وضعه سوءاً، وكان الطبيب يعطيه المزيد من المسكنات، وفق قوله.
وصلت فترة علاج الحمود إلى 11 شهراً، وأخيراً قال الطبيب له إن العملية لم تكن ناجحة ويجب إعادتها، وحينها لم يطمئن الرجل للوضع، وذهب إلى طبيب آخر قال له إن ما قام به الطبيب "إ. د" خطأ طبي واضح.
"ذهبت لطبيبين بعدها وكلاهما قالا لي إن السيخ الذي وضعه الطبيب إ. د في ساقي لم يعد يستخدم منذ عشرة أعوام لأنه أصبح بدائياً، وتم وضعه بطريقة خاطئة فاقمت المشكلة" عبد الله الحمود - روزنة
"أجريت له عمليتان إضافيتان عند طبيب آخر، ولكن الخطأ الذي حدث في العملية الأولى أدى لإصابة قدم الحمود بالتهابات وتكلّس، مما جعل الجبر أصعب"، حسبما نقل الحمود عن الأطباء.
لم يتقدم عبد الله بشكوى ضد الطبيب الذي ارتكب الخطأ، لكونه يرى أن لا فائدة من ذلك، ولا يثق بالمحاكم ويعتقد أن الأمور ستطول، ولن تكون هناك نتيجة.
قامت روزنة بالاتصال بالطبيب "إ. د"، وعرضت كافة معلومات المريض عبد الله عليه فأنكر معرفته به، وقال إن لديه آلاف المرضى ولا يستطيع التذكّر.
ورغم محاولات روزنة معه للتذكر، ظل الطبيب يردد بأنه لا يعرف المريض وفي النهاية لم يعد يجيب على اتصالاتنا.
وأنكر الطبيب معرفته بالشاهد الثاني الذي أصيب بفشل كلوي، وروى لروزنة أن السبب في ذلك خطأ "إ. د"، الذي أعطاه الكثير من المسكنات، أدت لما حدث معه وفق ما أكد له أطباء في دمشق حسب قوله.
ماجد العلي "30 عاماً" قال إنه كان يعاني من آلام في ركبته قبل سنتين، وتوجه لطبيب العظام "إ. د"، الذي ظل يعطيه المسكنات باستمرار.
"كان الألم يزول مع المسكنات، ويعود بعد ذلك أقوى، ولم يتمكن الطبيب من معرفة سبب المشكلة. زرت عدة أطباء أيضاً ولم يعرفوا السبب وكانوا يكتبون لي نفس المسكنات. بالنهاية ساءت حالتي أكثر ولم أعد قادراً على المشي وأسعفني أهلي إلى دمشق" ماجد العلي - روزنة
وفي العاصمة أجرى ماجد تحاليل طبية عدة، فذكر له الأطباء أنه مصاب بالتهاب عظم ونقي، وعندما أخبرهم بما جرى معه كانوا مستائين للغاية حسبما قال، وأوضحوا للمريض أنه كان على وشك الموت لو تأخر في القدوم بسبب المسكنات الكثيرة.
يخضع ماجد العلي اليوم لحمية قاسية إلى جانب غسيل للكلى، ولم يعد قادراً على المشي بشكل جيد.
قدّم الشاهد شكوى إلى المحكمة على الطبيب الذي أجرى له العملية الخاطئة، ولكن الأخير لم يحضر الجلسات ويقول عن ذلك "اتصلت به هاتفياً ولم يجب! لم يكلف نفسه بالاعتذار حتى! والدعوة ما تزال قائمة ولا أشعر بأني سأستفيد شيئاً من المحكمة".
أخطاءٌ مميتة
وتعمل ضمن مدينة الرقة سبعة مسنشفيات خاصة، بالإضافة إلى المستشفى الوطني "المجاني"، المدعوم من منظمات دولية، إلا أنه لا يتم إجراء سوى العمليات البسيطة في المستشفى الوطني، لذلك يضطر الكثيرون إلى الذهاب للمستشفيات الخاصة.
يشتكي الكثير من الأهالي من المعاملة السيئة في المستشفيات، وحدوث الأخطاء الطبية التي قد تؤدي إلى الوفاة، مثلما تقول ريم الناصر.

أحد مستشفيات الرقة - عبد الله الخلف (روزنة)
سامر في الخمسين من عمره وهو شقيق ريم توفي قبل عامين، بعد إجراء عملية استئصال الزائدة الدودية في أحد المستشفيات الخاصة بالرقة وفق ما ذكرته لروزنة.
تروي ريم ما حدث لأخيها لـ روزنة بالتفصيل وكيف بدأ الأمر، "كان يتألم ليلاً، وأسعفناه إلى المستشفى الوطني وهناك أعطوه مسكنات، وقالوا لنا لا يوجد ما يدعو للقلق كثيراً".
"أخبرنا الأطباء في المستشفى بأنّ هناك خطباً ما في معدته، ونصحونا بالذهاب لطبيب في اليوم التالي لإجراء الفحوصات اللازمة والتأكد من سلامة وضعه الصحي" ريم شقيقة المريض سامر - روزنة
في اليوم التالي تم إجراء التحاليل لسامر بناءً على طلب الطبيب "ع. ع" والذي قال إنه يجب أن يجري عملية استئصال الزائدة بشكل فوري، وحجز له إخوته في مستشفى "ط. ح" وحدد الطبيب موعد العملية الجراحية".
وأردفت ريم أنه تمت العملية لسامر، وتوفي بعدها بيوم، لتتهم ريم وأهلها الطبيب "ع. ع" بالمسؤولية عما حدث.
تقدمت عائلة سامر بشكوى لديوان العدالة في الرقة التابع للإدارة الذاتية منذ سنة ونصف ضد الطبيب والمستشفى، وفي النهاية صدر حكم ببراءة الطبيب.
ويقول محامي عائلة سامر إن حكم البراءة صدر بعد رفض المحكمة جلب خبرة طبية من خارج المحافظة، والاكتفاء بتعيين لجنة طبية للبت بالقضية.
قد يهمك: الرقة .. حملة أمنية واعتقالات بعد احتجاج على تردي المعيشة
أعضاء اللجنة من الرقة، وقبل أن يطلعوا على القضية قالوا لريم وشقيقها وفق ما تذكره لروزنة إن "الطبيب لا يلام فما حدث قضاء وقدر!"، وتتابع "نحن طالبنا بلجنة محايدة من خارج المحافظة، ولم تستجب المحكمة لطلبنا".
محامي العائلة ذكر بأن القانون السوري يستند لضمير الطبيب من ناحية تعيين اللجنة الطبية التي تحدد ما إذا كان الخطأ الطبي جسيماً أم يسيراً.
"لا يوجد شيء في القانون ينص على أن الخبرة يجب أن تكون من خارج المحافظة أو من داخلها، فالقانون يعتبر أن الأطباء أهل للثقة ويؤدون عملهم تحت القسم، ولكن للأسف الكثير من أطبائنا ليسوا حياديين في هذه القضايا ولا يدينون بعضهم" محامي العائلة سامر
تواصلت روزنة أيضاً مع الطبيب "ع. ع" ومدير مستشفى "ط. ح"، واكتفيا بالرد أن المحكمة أصدرت حكماً ببراءتهما، دون تقديم أي رد على ما قاله أهل المتوفى سامر.
كيف تتعامل السلطة مع قضايا الأخطاء الطبية؟
يقول عبد الله الخليل نائب رئيس لجنة الصحة في مجلس الرقة المدني إن اللجنة لم يصلها شكاوى من الأهالي بخصوص أخطاء طبية، وفي حال وردتهم شكوى يقومون بتشكيل لجنة مؤلفة من ثلاثة أو خمسة أطباء لمتابعة الأمر وإصدار تقرير مفصل يوضح ما حدث.
الخليل أوضح لروزنة بأنه "إن كان الخطأ كبيراً أو كرر الطبيبة مجموعة أخطاء مع مرضى مختلفين، يمنع مؤقتاً من مزاولة مهنة الطب، ويحال إلى القضاء للبت في القضية".
ولكن أياً من ذلك لم يحدث للأطباء الذين وقعوا في الأخطاء الطبية بحق الشهود في هذه المادة الصحفية.

إحدى مستشفيات الرقة - عبد الله الخلف (روزنة)
محمد الدعيّل وهو مستشار قانوني وقاضٍ سابق قال لروزنة في هذا الصدد إن الاتجاه الحديث للمحاكم السورية يشدد على مساءلة الطبيب في حالة الخطأ الجسيم واليسير لأنه تسبب بضرر للمريض.
لفت المستشار إلى أنه يتم تحديد الضرر الطبي من خلال الخبرات الطبية، أي تشكيل لجنة من أطباء تسميهم المحكمة.
"الخطأ اليسير يُسأل عنه الطبيب مدنياً، أما الجسيم فمسؤوليته جزائية، في الحالة المدنية يتم إلزام الطبيب بتعويض للمتضرر، أما الجزائية قد تصل العقوبة لمنعه من مزاولة المهنة" محمد الدعيل - مستشار قانوني
تستند محاكم الإدارة الذاتية لمواد قانون العقوبات المعمول به في المحاكم بمناطق النظام السوري كما يبيّن الدعيّل.
أشار الحقوقي السوري إلى أن القانون يعتبر أن مسؤولية الطبيب تقصيرية، ولا يلزم بشفاء المريض، يُلزم فقط ببذل قصارى جهده لمعالجة المريض.