تقارير | 17 06 2021
مالك الحافظ
بشكل فاق التوقعات، غاب الاهتمام السياسي للملف السوري في قمة جنيف يوم أمس الأربعاء، بين الرئيس الأميركي جو بايدن ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، و اكتفى الرئيسان بالحديث عن المساعدات الإنسانية.
وبحسب المؤتمرات الصحفية المنفصلة لكلا الرئيسين، مساء أمس، فإن مسألة إدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا عبر الحدود وتمديد آليتها والبحث في المعابر الخاصة فيها، كانت فقط هي مثار الحديث "المختصر" حول سوريا. ما يثير التساؤلات حول مصير الملف السوري والعملية السياسية فيها، وذلك في ظل الاستعصاء الحاصل داخله.
بخاصة أن اللقاء انتهى دون انضمام أي من أفراد الطاقم المرافق للرئيسين وبينهم المسؤولين عن الملف السوري.
لم يكن من المتوقع قبل بداية قمة جنيف، أن ينتج عنها قرارات حاسمة حيال الوضع القائم في سوريا، ولكن كان من بين القراءات المحتملة أن يتم التفاهم على خطوات أولية من أجل بناء خارطة طريق للتوافق على شكل الحل في سوريا.
الباحث السياسي، درويش خليفة، اعتبر خلال حديث لـ "روزنة" أن الرئيس الروسي ذهب إلى جنيف، محملاً بملفات عدة، يرهق بها نظيره الأميركي، لينتزع منه اعترافا بمكانة روسيا الجيوسياسية، والتي اكتسبها من خلال التدخل لمنع سقوط النظام السوري وحماية بشار الأسد من الإطاحة به.
كما أشار إلى إدراك القيادة الروسية بأن توجيه الحل السياسي للصراع السوري يتطلب انخراطاً أميركياً فعالاً في هذا الملف المعقد بالنسبة للدول المتداخلة.
قد يهمك: مساع أميركية أوروبية لدعم الحل السياسي في سوريا
اللقاء الأول بين الرئيسين منذ وصول بايدن إلى الحكم مطلع العام الحالي، انعقد في وقت تمر به علاقات البلدين في أسوأ مراحلها، بحسب ما أكد مسؤولون أمريكيون وروس قبل اللقاء.
وتصدر اللقاء بين الجانبين عدداً من القضايا الخلافية بين البلدين، إضافة إلى ملفات سياسية واقتصادية وأمنية، بما في ذلك مسألة الأمن السيبراني، والاستقرار الاستراتيجي.
وتابع خليفة خلال حديثه بأنه "من سوء حظ السوريين، أن تتشابك قضيتهم بمعظم قضايا العالم إذا جاز التعبير بذلك، وهذا ما يقلق السوريين عامة، بعد حالة الخذلان الدولي وركن الملف على الرفوف الدولية".
واعتبر أن الولايات المتحدة والأوروبيين ليسوا مهتمين بالعودة لفتح الملف السوري سوى من بوابة الوضع الإنساني المتفاقم والمتزايد مع بقاء الأسد على كرسي الرئاسة، بحسب تعبيره. وإذا أرادت موسكو الحفاظ على مصالحها في سوريا، فإن عليها التضحية ببشار الأسد.
الأولوية ليست لسوريا؟
الرئيس الروسي رأى في مؤتمر صحفي -منفرد- عقده بعد اللقاء أن "هناك بارقة أمل ببناء الثقة المتبادلة، والاتفاق لحل كافة القضايا العالقة مع الولايات المتحدة".
وأكد أن الجانبين أبديا رغبة في إيجاد سبل لتقريب المواقف، واتفقا على عودة عمل البعثات الدبلوماسية بين البلدين، وبدء المشاورات بين وزارتي الخارجية الروسية والأمريكية حول كافة مجالات التعاون، وفي مقدمتها الأمن السيبراني.
من جانبه، أوضح الرئيس الأميركي في مؤتمر صحفي أنه أخبر بوتين بأن أجندته ليست ضد روسيا أو أي شخص، وإنما من أجل الشعب الأمريكي.
وأضاف: "أوضحت لبوتين أن بلادي لن تتسامح مع محاولات انتهاك سيادتها أو زعزعة استقرار انتخاباتنا الديمقراطية"، مشيراً إلى أنه سيواصل إثارة قضايا حقوق الإنسان في روسيا.
الكاتب والمحلل السياسي، حسام نجار، اعتبر خلال حديثه لـ "روزنة" أن ملف المساعدات الإنسانية هو ورقة ضغط بيد الروس أكثر منه بيد الأمريكان، لكن واشنطن تسعى للتركيز عليه و إثبات أن الروس ضد إدخال المساعدات أمام الرأي العام العالمي. ونوه بأن الاهتمام بالملف السوري ليس ضمن أولويات السياسة الخارجية لديها.
اقرأ أيضاً: لإعادة الإعمار... روسيا تقترح على الخليج "عقوبات ذكية" للنظام السوري
وأضاف بأن "المتابع للسياسة الأميركية منذ تولي جو بايدن الرئاسة، يلاحظ أن هناك خطوات لعمل هذه السياسة بحسب الأولوية والأهمية لأميركا، وليس بحسب سخونة المنطقة أو الوضع فيها".
وأشار إلى أن الولايات المتحدة لا تحاول إنهاء الملف السوري الآن، فهي تضع عدة نقاط للتركيز عليها في سياق الحل السوري ومن أهمها الدور تركي استراتيجي في الحل، و ثانيها الموضوع الكردي.
العلاقات الأميركية الروسية ستبقى على حالها من الهدوء الحذر،وقد تعمل الولايات المتحدة على تقوية علاقاته مع أوربا وبخاصة الشرقية منها لتشكيل ضغط متزايد على روسيا، على سبيل المثال مع بولندا وبلغاريا من خلال الدعم الاقتصادي وتعزيز القوة العسكرية. بحسب نجار.
يعتقد نجار أن روسيا ستستمر بالتموضع في القرم ورفض دخول أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وستتجه لزيادة التعاون مع الصين لتشكيل عبء اقتصادي على الولايات المتحدة، وقد تعتمد لاحقاً الانفتاح و زيادة التواصل مع أمريكا الجنوبية لتشكيل ضغط آخر وبخاصة فنزويلا وبوليفيا.
كثيرة هي الملفات الدولية المختلف عليها بين واشنطن وموسكو، ولعل ذلك لا يبرر غياب التباحث في الشؤون السياسية المتعلقة بسوريا في قمة جنيف بين بايدن وبوتين، وإنما يشي بالأولويات في السياسة الخارجية لدى كل طرف، فضلا عن استمرار الضبابية لدى إدارة بايدن تجاه سوريا.