علاج الأسنان في إدلب.. لماذا يلجأ المرضى لغير المختصين؟

 صورة من عيادات جامعة ماري الخاصة في تقديم الخدمات العلاجية السنية للسكان - إدلب
 صورة من عيادات جامعة ماري الخاصة في تقديم الخدمات العلاجية السنية للسكان - إدلب

التقارير | 20 مايو 2022 | محمود أبو راس 

يعاني الشاب محمد من آلام شديدة في اللثة، ويُجبر على تحمل تكاليف علاجها، نتيجة تركيبه تاجاً لأحد أضراسه عند شخص ممتهن لطب الأسنان في مخيمات ريف إدلب الشمالي، بينما يتحمل سعيد الالتهاب الناتجة عن عمل هؤلاء الأشخاص في المنطقة، الذين يعملون في طب الأسنان كمهنة تعلموها من آبائهم وأجدادهم بعيداً عن التحصيل العلمي، ويشهدون إقبالاً جيداً من قبل السكان لعلاج أسنانهم وبالأخص في الأرياف ومناطق المخيمات.


أسباب الإقبال

تعتبر الظروف المعيشية المتردية لعدد كبير من سكان المنطقة بعد عشر سنوات من النزوح، وفقدان لمصادر الدخل والانتشار الكبير للبطالة، من أبرز الأسباب التي تدفع السكان للجوء نحو هؤلاء الأشخاص وتجنّب طبيب الأسنان المختص.

عبد الحميد الرضوان، نازح في أحد مخيمات بلدة دير حسان شمالي إدلب، يعمل على علاج أسنانه لدى أحد الممتهنين ويعتبرهم أفضل من الأطباء لأسباب عدّة: "أوفّر على نفسي تكاليف النقل حيث يأتي المعالج إلى مكان إقامتي باتصال هاتفي، ما عدا فرق السعر الذي يصل للضعف عند الطبيب المختص، إضافة لعدم امتلاكي الأجر المادي نقداً لذلك أضطر لعلاج أسناني بالدين في كثير من الأحيان".

كذلك يلجأ أبو علي والكثير من جيرانه المسنين في المخيم إلى الأشخاص غير المختصين بطب الأسنان، لتركيب طقم سني من فكين بعد تساقط أسنانهم، لانخفاض قيمتها لنحو النصف مقارنةً مع طبيب الأسنان، واعتبارهم بأنّ كلفتها الكبيرة تعتبر عبئاً  ثقيلاً على شخص مسن يعتمد على أبنائه في تأمين احتياجاته.



هذه الأسباب وراء الإقبال نحو هؤلاء الأشخاص يُصطحب بجهل من الناس بنوعية المواد التي يستخدمها الممتهن واختلافها عن المواد الطبية التي يستخدمها الطبيب.

الطبيب محمود علي، العامل في مدينة إدلب تحدث لروزنة عن استخدام الممتهنين لمادة تعرف باسم "الأكريل" يستخدمونها في صنع التيجان والأطقم السنية، لكن هذه المادة تعتبر من المواد البلاستيكية السيئة الاستخدام في الفم والتي تسبب أضراراً كبيرة للشخص، عدا عن امتصاصها لبقايا الطعام والأغذية العالقة في الفم، وتحوّلها مع مرور الأيام لمصدر للالتهابات والجراثيم وانتشار الروائح الكريهة.

ويتابع: "هؤلاء الأشخاص لا يمتلكون الخبرة في الحفاظ على حيوية اللثة أو الأعصاب، عملهم فيه استغلال للمريض".



من هم الممتهنون؟

شريحة من سكان سوريا يعرفون بالغجر أوالقرباط، يمتهنون عدّة مهن كصناعة السكاكين والأسنان، لديهم بعض معدات طبيب الأسنان يحملونها في حقيبة ويجولون بين الناس ويعرضون خدماتهم السنية.

ومن خلال حديثنا مع أحدهم الذي رفض الكشف عن اسمه، أكد بأنهم يركّزون على المهنة ويظنون أن لهم الحق بممارستها متجاهلين أضرارها، ويعتبرون فكرة توارثها عن آبائهم وأجدادهم كفيلة بمزاولتها، مستشهدين بإقبال الناس عليهم.

وبرأيه أن المواد التي يستخدمها سليمة ولا تختلف عن مواد الطبيب، معللاً سبب انخفاض أسعارهم ناتج عن عدم وجود تكاليف معدات كالكرسي والعيادة.
صورة   لأحد الممتهنين 

آراء الأطباء حول التكاليف

الطبيب محمد غريبي، العامل في بلدة أطمة شمالي إدلب، باعتقاده أنّ أسباب الارتفاع في أسعار العلاج السني ناتج عن ارتفاع أسعار المواد الداخلة ضمن عملية العلاج التي يتم شراؤها من خارج سوريا وتدخل لإدلب عبر تركيا، الأمر الذي يزيد من تكاليف وصولها نتيجة الضرائب الجمركية.

أمّا الطبيب أسامة العمر، العامل بمدينة إدلب برأيه أن الأسعار ليست مرتفعة إنما دخل للسكان اليوم أصبح منخفضاً.

وقارن العمر عمله قبل عام 2011، حيث كان يتلقى مقابل تركيب التاج الخزف 2000 ليرة سورية أي ما يعادل 40 دولاراً أميركياً، بينما يتلقى اليوم 15 دولاراً، علماً أن الظروف تغيّرت وزادت الأعباء على الطبيب من ارتفاع أسعار الكهرباء وإيجار العيادة.

كارثة صحية تهدّد حياة مليون ونصف شخص شمالي سوريا



أجور متفاوتة

لا يوجد تعريفة ثابتة لأجور العلاج السني في المنطقة، وتختلف من طبيب لآخر تبعاً لمكان افتتاح العيادة أو للخبرة أو نوعية المواد المستخدمة، بحسب ما أكد عدد من الأطباء لروزنة، محمّلين نقابة أطباء الأسنان الدور في ذلك.

وعن دور نقابة الأطباء في إدلب، المستقلة، التي تشكلت  منتصف شهر آب عام 2020، قال الطبيب إبراهيم اليعقوب، نقيب أطباء الأسنان في إدلب لروزنة: " تحديد الأسعار غير ممكن لأن مفردات المعالجة كثيرة جداً وتختلف بمتغيرات كثيرة منها نوع المواد المستخدمة ومكان العيادة وخبرة الطبيب واختصاصه وأمور كثيرة جداً".

واعتبر اليعقوب أن طبيب الأسنان لا يقدم سلعة أو منتج حتى يتم تسعيرها وإنما خدمة طبية.

بدائل محدودة

ينتشر في المنطقة عدد من مراكز الرعاية الأولية التابعة لمديرية صحة إدلب، بعض هذه المراكز يتضمن عيادة سنية تعمل على تقديم عدد من الخدمات كالقلع والحفر والتجريف والحشوات العادية والتجميلية والصب، لكنها تفتقد لبعض الخدمات كالتيجان والخدمات التقويمية وتركيب البدلة.

أيضاً يتوفر في المنطقة عيادات للعلاج السني الطلابي في كل من كليتي الأسنان بجامعة إدلب وجامعة ماري الخاصة.

الطبيب عبدو خالد، عميد كلية طب الأسنان في جامعة ماري الخاصة قال لروزنة إنّ "كلية طب الأسنان في جامعة ماري تستقبل جميع المرضى الذين يحتاجون للمعالجة السنية بمختلف أنواعها مجاناً، حيث أن الطالب يستلم الحالة بإشراف طبيب اختصاصي، وتتوفر في الجامعة 60 عيادة يراجعها يومياً قرابة 150 مريضاً، يتلقون جميع أنواع المعالجات السنية مثل التخدير والقلع والمعالجات المحافظة واللبية، ومعالجات اللثة، ومعالجات الأطفال، وتتم المعالجات بأحدث الأجهزة والتقنيات متل استخدام السنسور والكاميرات المحمولة والأبيكس والكفترون".
 
 عيادات جامعة ماري الخاصة في تقديم الخدمات العلاجية السنية للسكان

آثار الواقع الحالي

محدودية الخدمات في مراكز الرعاية الأولية والجامعات دفعت الكثير للجوء نحو الممتهنين أو البقاء دون علاج.

فاطمة حمودي ( 50 عاماً) فقدت جزءاً  من أسنانها وتعاني من مشكلات في الجزء الآخر، تتحمل صعوبة تناول الطعام والألم لعجزها عن تحمل تكاليف العلاج وصعوبة الوصول لعيادات الجامعة أو مراكز الرعاية، وتنتظر سقوط بقية أسنانها كي تتمكن من تركيب بدلة عند أحد الممتهنين.
فيما أدمن الشاب مصطفى على بعض أنواع الحبوب المسكنة لعلاج ألم أسنانه وعجزه عن تأمين ثمن العلاج الذي يحتاجه.

ما الحلول؟

نقابة أطباء الأسنان تعتبر عمل الممتهنين بأنه "غير أخلاقي وغير قانوني"، وهي غير قادرة على ضبط هذه الظاهرة التي باتت أمراً واقعاً، وتحمّل المسؤولية لوزارة الصحة المتواجدة في المنطقة بحسب ما قال نقيبها لروزنة.

رئيس دائرة صحة الفم والأسنان في وزارة الصحة التابعة لـ"حكومة الإنقاذ"، قال لروزنة إنّ "الحد من انتشار هذه الظاهرة يكون من خلال العمل التعاوني بين أفراد المجتمع (جهات رسمية وأفراد) وأن وزارة الصحة بدأت بمنح تراخيص مزاولات للمهن الطبية لتمييز الخريجين الأكاديميين عن ممارسي الخبرة، إضافة إلى ملاحقة ومخالفة من يعمل في القطاع الطبي بدون ترخيص.

المشكلة الأساسية برأيه تكمن بأنّ الممتهنون جوالون على الأهالي، وهنا يبرز دور الأهالي من خلال الشكاوى التي يتقدمون بها لوزارة الصحة وكذلك الأمر بالنسبة لأطباء الأسنان من خلال نقابتهم حيث يمكنهم تقديم الشكاوى ضد هؤلاء الأشخاص. 

كما أن الوزارة بصدد إصدار قرار يمنع المعالجين الجوالين في القطاع الطبي عموماً ومنح التصاريح والموافقات للفرق الطبية الجوالة (المعتمدة من وزارة الصحة)، وفق رئيس دائرة صحة الفم.

ومن أبرز الاقتراحات التي تخفف من انتشار ظاهرة اللجوء للممتهنين توفير عيادات سنية في جميع مراكز الرعاية الأولية المتواجدة في المنطقة وتطوير خدماتها، بحسب ما اقترح لنا أحد الأطباء.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق