تقارير وتحقيقات | 3 06 2026
محمد الحاج
بمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن تعاطي التبغ، الذي يصادف في 31 أيار من كل عام، تتجدد الدعوات حول العالم لتسليط الضوء على مخاطر التدخين وتشجيع الإقلاع عنه، إلا أن الصورة في سوريا تبدو مختلفة.
تكشف شهادات مدخنين جمعتها راديو روزنة أن التدخين في سوريا ما يزال سلوكاً يومياً راسخاً، بل ويتحول تدريجياً إلى عبء اقتصادي متزايد في ظل تقلبات حادة في الأسعار وغياب واضح لبرامج دعم الإقلاع.
وحتى لحظة نشر هذه المادة، لم ترصد راديو روزنة سوى منشور واحد صادر عن وزارة الصحة تضمن نصائح عامة وإحصاءات دولية بمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن تعاطي التبغ، دون تسجيل أي فعاليات أو ندوات توعوية علنية في مختلف المحافظات السورية بهذه المناسبة.
سوق متقلب
تقول إحدى المستهلكات لروزنة اليوم الأربعاء: "قبل سقوط النظام (السابق) كان سعر الباكيت الذي أشتريه حوالي 12 ألف ليرة، بعد فترة انخفض بين 6 و8 آلاف، ثم ارتفع لاحقاً إلى نحو 10 آلاف، قبل أن أفاجأ بوصوله إلى 11,500… وكل يوم السعر عم يتغير".
وأضافت: "تقريباً السعر نفسه بكل مكان، لكن ممكن يفرق حوالي 500 ليرة بين السوبرماركتات الكبيرة ومحال الأحياء"، مشيرة إلى أن أحد الباعة برر ارتفاع السعر بفرض "ضرائب" أو ارتفاع تكاليف الاستيراد، دون صدور توضيحات رسمية واضحة.
وفي شهادات متقاطعة أكد مستهلكون ومستهلكات للدخان أن سعر الباكيت يعادل تقريباً دولاراً واحداً وفق سعر الصرف المتداول، مع الإشارة إلى أن الأسعار تبقى غير مستقرة وتخص بالدرجة الأولى الأنواع الرخيصة من السجائر.
وتشير بيانات صادرة عن منظمة الصحة العالمية في تقرير العام الماضي إلى أن نحو 140 دولة رفعت خلال الفترة بين عامي 2012 و2022 الضرائب على منتجات التبغ، ما أدى إلى زيادة أسعارها الحقيقية بأكثر من 50% في المتوسط، في خطوة تؤكد فعالية هذا النهج في تقليل الاستهلاك.
كما أظهرت تجارب دولية، من بينها كولومبيا وجنوب أفريقيا، أن فرض ضرائب صحية على التبغ ساهم في خفض معدلات التدخين، وفي الوقت نفسه رفع إيرادات الحكومات، فيما يرتبط تقلب الأسعار في سوريا بسياق اقتصادي مرتبط بالتضخم وصرف الليرة السورية أكثر من كونها سياسية صحية معلنة.
الأركيلة… أسعار مرتفعة واستهلاك متصاعد
لم يقتصر ارتفاع الأسعار على السجائر، بل طال الأركيلة أيضاً، إذ تقول إحدى الشابات المستهلكات لراديو روزنة: "قبل أسبوعين كان سعر باكيت معسل (نخلة) 36 ألف ليرة سورية، وقبلها كان 32 ألفاً، أما الآن فوصل إلى نحو 40 ألف ليرة… ولا يوجد سعر ثابت في السوق".
وتضيف أن هناك أنواعاً أخرى متوفرة بأسعار أقل تصل إلى نحو 17 ألف ليرة للباكيت، ويستخدمها جزء كبير من الشباب.
وتشير الشابة إلى معدلات استهلاك مرتفعة، إذ تقول إنها تدخن الأركيلة مرتين إلى ثلاث مرات يومياً، مضيفة: "أعتبره رفاهية، ومن الطبيعي أن يرتفع سعره كما في أوروبا، حيث يخبرني أقاربي هناك أن أسعاره مرتفعة. لا أفكر بتركه، ولم يشجعني أحد على ذلك".
من جهتها، تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن تبغ الأركيلة "الشيشة" مسبب للإدمان بشدة، وأن استهلاكه في إقليم شرق المتوسط يتزايد بشكل ملحوظ، خصوصاً بين الشباب والنساء، مع تسجيل بعض أعلى معدلات الاستخدام عالمياً.
كما تُظهر بيانات المنظمة أن معدلات استخدام منتجات التبغ غير السجائر (بما فيها الشيشة) تصل إلى نحو 14% بين الفتيان بعمر 13–15 عاماً (مقارنة بـ7% لتدخين السجائر)، وإلى نحو 9% بين الفتيات في الفئة العمرية نفسها (مقابل 2% للسجائر)، مع ارتفاع هذه النسب في بعض دول المنطقة.
لا برامج دعم… والتدخين جزء من الروتين اليومي
من أبرز ما تطرحه الشهادات التي جمعتها روزنة هو غياب شبه كامل لأي برامج دعم للإقلاع عن التدخين.
وتقول إحدى المدخنات: "ما في أي تشجيع لترك التدخين… ولا مرة شفت حملة جدية أو منتج يساعد على الإقلاع (...) ما في حملات توعية حقيقية، وإذا في منع للتدخين بالأماكن العامة بيكون حسب مزاج المكان أو المدير".
كما تشير شهادات إلى أن التدخين ما يزال مقبولاً اجتماعياً إلى حد يسمح أحياناً للقاصرين بشراء السجائر، في ظل ضعف الرقابة المجتمعية والرسمية.
وقال أحد مدخني الأركيلة لروزنة: "لا أحد يشجعني على ذلك، وبين أصدقائي جميعنا نأركل، وننتظر نهاية يوم العمل للعب الشدّة وطلب الأركيلة، وربما يشجع أحدنا الآخر لتدخين الأركيلة ظهراً في أيام العطل".
تظهر الشهادات أن التدخين في سوريا لم يعد فقط عادة فردية، بل سلوكاً اجتماعياً مرتبطاً بالعمل والروتين اليومي، في بيئة لا توفر بدائل واضحة أو دعم للإقلاع، وتقول مشاركة: "الدخان صديق الشغل… وما في شي بيشجع تتركه"، على حد وصفها.
ولم تنشر وزارة الصحة السورية حتى لحظة نشر هذه المادة أي محتوى توعوي أو إعلامي خاص باليوم العالمي للامتناع عن تعاطي التبغ.
كما لا تتوفر بحسب الشهادات التي جمعناها أي معلومات عن وجود برامج وطنية تقدّم دعماً للراغبين بالإقلاع عن التدخين، سواء عبر استشارات طبية أو مرافقة خلال مرحلة الإقلاع، أو من خلال دعم جزئي لكلفة وسائل المساعدة مثل لصقات أو علكات النيكوتين المستخدمة للإقلاع في عدد من الدول.
في فرنسا مثلاً، تُطلق السلطات الصحية سنوياً مبادرة "شهر بلا تدخين" خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر، وهي تحد جماعي يمتد لـ30 يوماً يهدف إلى تشجيع المدخنين على الإقلاع عن التدخين. ومنذ انطلاقه عام 2016، سجّل هذا البرنامج أكثر من 1.3 مليون مشاركة.
وخلال هذه الفترة، توفر خدمة "معلومات التبغ" التابعة للصحة الفرنسية دعماً متكاملاً للمشاركين، يشمل أدوات للمساعدة على الإقلاع، ومواد توعوية، وفعاليات في مختلف المدن، إضافة إلى تطبيقات رقمية ومجموعات دعم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب استشارات هاتفية مجانية مع مختصين.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أكثر من 100 سبب صحي يدعو للإقلاع عن التبغ، موضحة أن فوائد التوقف عن التدخين تبدأ بالظهور خلال ساعات فقط، مع تحسن تدريجي وسريع في وظائف القلب والرئتين والدورة الدموية خلال الأسابيع الأولى من ترك التبغ الذي يؤدي إلى 8 مليون وفاة سنوياً.
