قراءة الفنجان و التبصير ملجأ الأمهات للكشف عن مصير المعتقلين 

قراءة الفنجان للكشف عن مصير المعتقلين - روزنة
قراءة الفنجان للكشف عن مصير المعتقلين - روزنة

التقارير | 05 يونيو 2021

في ساحة عرنوس عند مدخل سوق الصالحية بدمشق تجلس عدة سيدات يمارسن التبصير، تلجأ إليهن الأمهات لمعرفة أحوال أقاربهم المفقودين في سجون الاعتقال منذ سنوات.


يتوزع الأمل بيد هؤلاء البصارات المتوزعات في زوايا الحديقة، ومع مرور كل شخص بالقرب منهن يرفعن صوتهن عاليا ...بصارة .. بصارة .. علّ وعسى يلتقطن الزبون المطلوب.

أم يحيى

تجلس أم يحيى، وهي تحتضن ابنتها (ثلاث سنوات)، في ساحة عرنوس، وسط العاصمة دمشق، بانتظار عرّافة قيل لها أنها تجول في المنطقة بعد أن قدمت من بادية حمص، وهي منطقة كانت تحت سيطرة  تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" آنذاك.

اسم هذه العرافة صفية – وهي سيدة غجرية في العقد الخامس من عمرها، ترتاد الساحة بحثاً عن زبائن، يريدون معرفة ما تخبئ لهم الأيام، ويريدون قراءة طالعهم بعد أن يأسوا من الوضع وباتوا يبحثون عن أي وسيلة تولد لديهم أملاً بالخلاص. 

قراءة الطالع، عبر  "كف اليد" أو "فنجان القهوة"، عادة درجت عند بعض السوريين، يتلمسون بها ما هو مجهول ومغيب عنهم، ويريدون أن يعرفوه أملاً بفرص أفضل في الحياة على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية.

 واقع الحال غيّر من اطلبات التي كانت تتلقاها عادة صفية، وبدل أخبار العرسان والمال القادم من مجهول. 

وبات الطلبات اليوم تختصر في فكرة بحث هؤلاء النسوة عن ذويهم المغيبين في السجون الأمنية (المختفون قسراً) بعد أن فشلت مساعيهم بالوصول إليهم سواء عبر دفع رشى للسماسرة والمحامين، أو عبر سلك طرق نظامية في أروقة رسمية من تعيين محامين وقضاة  وتكبد مزيد من الأعباء المالية التي هم بغنى عنها.

ما إن تصل العرافة صفية إلى هذا المكان الذي ألفته قبل ثلاث سنوات، حتى يلتف حولها عدة نسوة من باقي المحافظات والمدن السورية، بدا عليهم جميعاً تعب النزوح ومرارة الحرب، والتعطش لأي خبر عن ذويهم المختفين، لكن كل هذا التعب يتلاشى عندما يسمعن كلمة "تأكيد" من صفية حول بقاء أزواجهم وأبناءهم "مجهولي المصير" على قيد الحياة، وأنهم سيعودون قريباً بطرق مختلفة، توضحها لدى قرائتها طالع كل من هؤلاء النسوة. 

رحلة خلف الشمس  

منذ بداية الاحتجاجات في سورية، غصت السجون الحكومية بآلاف المعتقلين وفق ما توثقه منظمات حقوقية مواكبة للحراك في سوريا، وذلك من أجل "كسر شوكة" المتظاهرين والحد من اتساع رقعة الخروج عن طاعة الدولة المركزية في دمشق، فارتفع عدد المحتجزين إدارياً والمعتقلين وكذلك المختفين قسرياً بشكل طردي في المعتقلات.

ورغم تضارب الأرقام حول أعداد المفقودين وعدم وجود تقدير دقيق بسبب تنوع ظروف الاعتقال والاختفاء، يبقى ما هو متوفر من أرقام "تقديري"، وهو ما تعلنه جمعيات ومنظمات مهتمة بشؤون المعتقلين والمختفين في سوريا منذ العام 2011، وسط تكتم حكومي شديد عن أعدادهم وظروف اعتقالهم.



العرافة الشهيرة 

لا تشترط العرافات وفق طبيعة عملهن مبلغاً محدداً لقاء البحث عن المختفين من السوريين، بل يبدأ عملهن بالتنجيم لقاء إعطائهن أي مبلغ من الزبون لا يقل عن 3 آلاف ليرة (1 دولار)، كما تقول العرافة صفية.

تقول السيدة أم يحيى، التي تبحث عن زوجها المختفي منذ العام 2013 "نزحت من مدينة موحسن في دير الزور إلى دمشق بعد أن استهدفتنا الطائرات الحربية لجيش النظام عام 2013.

 وأثناء توجهنا إلى دمشق، تم توقيف زوجي، البالغ من العمر 38 عام، على حاجز هرابش في المدينة، ومنذ ذلك الوقت لم نعدم وسيلة للبحث عنه.
 اضطرت العائلة لبيع قطعة أرض لتأمين مبلغ مالي لعدد من الأشخاص الذين قدموا لهم وعوداًللكشف عن مصيره، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل".

وتتابع " بعد النزوح من دير الزور، اخترنا السكن في دمشق بأحد البيوت في منطقة نهر عيشة جنوب دمشق، وفي إحدى المرات نصحتني إحداهن بالذهاب إلى العرافة صفية التي باتت مشهورة الآن، والتي تتواجد يومياً في ساحة عرنوس، وأنا لم أجد أي مانع من ذلك، سيما وأن العرافة لا تشترط الحصول على مبلغ مالي كما قيل لي". 

أم محمد لا تؤمن بعمل العرافات والمنجمين كما تدرك تماماً بالحديث الشريف الذي يقول "من أتى عرافاً لا تقبل صلاته 40 يوماً"، إلا أنها شعرت بتأنيب الضمير بعد الحاح صديقاتها باللجوء إلى معرفة أخبار ابنها كحل أخير عن طريق احدى العرافات.

التنجيم.. الحل الأخير لتقصي المختفين

لم تكن أم يحيى الوحيدة التي تقصد هذا المكان، هناك سيدات أخريات أيضاً تتواجدن في المكان ولكن رفضت الكثيرات منهن رفضن الحديث معنا – حيث أن الغالبية يرفضن التحدث إلى أي شخص سوى العرافة.

استجابت أم صلاح القادمة من بلدة محجّة في درعا لطلبنا، وهي القادمة من ريف دمشق بحثاً عن ابنها عبد الحكيم والذي اعتقل من عمله في شركة "تاميكو" بدمشق منذ 2014.

سألت والدة عبد الحكيم عنه في كافة الأفرع الأمنية بدمشق لكن "دون جدوى" بحسب تعبيرها، فقصدت العرافة كحل أخير.

ليست حالتا أم صلاح وأم يحيى الوحيدتان من بين العديد من النسوة اللواتي يلجأن للبحث عن العرافات والبصارات وقارئات الطالع كحل أخير بعد استنفاذ كافة الحلول، التقينا أم محمد التي فقدت ابنها على حاجز الفرقة الرابعة على مدخل المعضمية منذ عامين.

أم محمد لا تؤمن بعمل العرافات والمنجمين كما تدرك تماماً بالحديث الشريف الذي يقول "من أتى عرافاً لا تقبل صلاته 40 يوماً"، إلا أنها شعرت بتأنيب الضمير بعد الحاح صديقاتها باللجوء إلى معرفة أخبار ابنها كحل أخير عن طريق احدى العرافات.

وفعلاً أم محمد توجهت إلى المنجمين بحثاً عنه، لكن مسعاها هذا بقي دون جدوى حتى الآن، فلا خبر  عن ابنها المفقود منذ العام 2013. 



متى يعود المفقود؟ 

ستكون محظوظاً لو تفرغت لك "البصارة" صفية لتتعرف على عملها وطبيعتها ونوعية زبائنها المياومين أو اللذين يقصدونها من مناطق مختلفة، فهي منهمكة في التحدث مع من حولها من النسوة مجيبةً على أسئلتهم التي لا تنتهي.

في نهاية إحدى جلساتها، وفي طريقها مشياً إلى ساحة المرجة، التي تحولت إلى أكبر تجمع للمهجرين وسط العاصمة، تقول: "لا بد للعرافة الالتزام بعدد من الأشياء قبل بدء القراءة، من أهمها أن لا تكون القراءة يوم الجمعة، وإلا تعرضت القارئة للحرمان من هذه الهبة".

وفي جواب عن أهم سؤال، متى يعود المعتقل؟ تجيب صفية: "يظهر ذلك من خلال النقاط التي ترتسم على جدار فنجان القهوة.. هذه تشير بدقة للأيام والأسابيع". 
وتشدد إلى أنه قراءة كف اليد من أهم الطرق للاستدلال على مجهولي المصير والمغيبين خلال هذه الفترة. 

فضة تستخدم زهر القرنفل

تعد رحلة البحث عن أمل في بقاء هؤلاء المعتقلين من أصعب الرحلات وأكثرها ارهاقا لهؤلاء النسوة. و لتفنيد لمل صفية وباقي قارئات الطالع ذهبنا بقصة وهمية إليهن وطلبنا الكشف عن مصير أحد المعتقلين.

سمر ( اسم مستعار) قصدت هذه الساحة بحجة البحث عمن يخبرها أخباراً عن شقيقها الافتراضي المغيب في السجون منذ فترة طويلة، ووقع اختيارها على السيدة أم خليل.
جلست سمر  والبصارة على العشب، وضعت البصارة أم خليل أحجار الصدف بين كفيها، هزتهما بشكل قوي ورمتها على قطعة القماش وبدأت بحديثها المعتاد عن حسد أصاب سمر  وعن امرأة تحيك لها الشر بينها وبين زوجها.

سمر  استوقفت البصارة وأخبرتها بأنها تريد أن تجلب لها أخباراً عن شقيقها علي المختطف منذ ثلاث سنوات.

أم خليل نقلت الحديث من العين التي تراقب سمر  إلى موجة من الكلام بثت فيها تطمينات عن مصير علي  وقالت لها إنه بمكان آمن وسيعود بخير.
الاستماع إلى الحوار بين سمر  والبصارة
 

مرت الأسابيع الأربعة التي وعدت بها البصارة سمر  بالحصول على أخبار شقيقها الافتراضي، وكلفة هذا الأمل كان ثمنه عشرة آلاف ليرة سورية.

الموت تحت التعذيب 

يخشى آلاف السوريون ممن فقدوا التواصل مع ذويهم بسبب الاعتقال التعسفي أو الإخفاء القسري من عدم رؤيتهم إلى الأبد، لهذا هم "متعلقون بقشة"، كما يقول محامون وحقوقيون يرافعون في المحاكم ويساعدون الأهالي في الوصول إلى ذويهم المختفين، خاصة بعد انتشار أكثر من خمسين ألف صورة لمعتقلين قتلوا تحت التعذيب.
ووسط غياب الرقابة الأممية عن هذا الملف ومنع المنظمات الدولية كالهلال الأحمر والصليب الأحمر من تفقد السجون والاطلاع على الحالة الصحية والنفسية للمعتقلين يبقى مصيرهم غامضاً.

بعضهم كان يتفاجأ بأن ابنه قد توفي عند استخراجه للاوراق الرسمية كسحب قيد النفوس للعائلة، و آخرون وصلتهم انباء أن ابنهم قد توفي ليفاجئوا بإطلاق سراحه فيما بعد.

وجهة نظر قانونية 

تعتبر الشعوذة وما تفعله العرافات والسحرة ومن يقرأ بالكف وكل ما يشبه تلك الطرق من العلم بالغيب، نوع من "الإخلال بالثقة العامة"، كما تقول المحامية القانونية رهادة عبدوش، ويعتبر الفقهاء القانونيون أن "الثقة العامة ميثاق مفترض بين أفراد المجتمع بألا يخونوا بعضهم بعضاً وألا يتحايلوا على بعضهم البعض بأي وسيلة من وسائل التحايل".

ويصنف المشرّع السوري هذا الفعل على أنه من القباحات التي خصص لها باب في قانون العقوبات السوري، واعتبرت هذه الجسمر ة مخالفة تمسّ الثقة العامة بحسب المادة 754 ويعاقب الفاعل بالحبس التكديري ليصل الى عشرة أيام وتشدد العقوبة في حال التكرار لتصل الى ستة اشهر مع الغرامة المادية، وأما إن كان الفاعل أجنبي فيغادر البلاد.

وتشدد المحامية على أن هذه مهنة التبصير وممارسة التنجيم كي تعتبر جسمر ة مخالفة للقانون يجب أن تترافق هذه الأفعال مع الربح المادي".
 لكنها تؤكد على أن مهنة العرافة أو التنجيم تبقى دون مسائلة أو محاسبة لأنه لا أحد يذهب للمحاكم لمقاضاة العرافات نظراً للحاجة إليهم ما يجعل هذه المهنة مستمرة حتى أيامنا هذه.  

ويبدو أن نشاط العرافات في دمشق والإقبال عليهن لن ينتهي خلال الفترة القادمة طالما استمرت عمليات الاعتقال والاختفاء القسري وتعطلت السبل القانونية والرسمية للوصول إلى المختفين والمعتقلين قسراً، و لا يزال انكار الأطراف المسؤولة عن وجودهم في سجونها

أنجز هذا المشروع بالتعاون بين مؤسسة روزنة للاعلام  و مؤسسة سراج للتحقيقات الاستقصائية.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق