انفجار بيروت… ما تأثيراته السياسية والاقتصادية على سوريا؟

انفجار بيروت… ما تأثيراته السياسية والاقتصادية على سوريا؟
سياسي | 05 أغسطس 2020 | مالك الحافظ

قد لا تتكشف خلال الفترة الحالية المعالم الحقيقة لأسباب الانفجار الذي هز العاصمة اللبنانية يوم أمس، ما يزيد في ضبابية تفسير المشهد و دلالاته وأبعاده، وهو المرتبط ارتباطا وثيقا بالوضع السوري. 


الانفجار الذي وصفته الكثير من التقارير بـ "الكارثة" التي هزت لبنان "المضغوط سياسياً واقتصادياً"، بفعل التجاذبات و الاصطفافات السياسية، وبخاصة أجندة النفوذ الإيراني المتغول في المنطقة، ما حدى بارتباط عدة أزمات في لبنان وسوريا ارتباطا وثيقا ببعضها البعض، لا سيما وأن النظام الإيراني (عبر حزب الله اللبناني) كان متحكما بشكل كبير في مرفأ بيروت (مكان الإنفجار)،  وهو الواقع الذي يضعه في مواجهة المسؤولية عما حدث؛ و بغض النظر عن شكل السيناريو الذي أدى للانفجار الضخم.

الرئيس اللبناني، ميشال عون، قال بأن أسباب الانفجار تعود لتخزين 2750 طنا من نترات الأمونيوم (تدخل في صناعة الأسمدة والقنابل)، في مرفأ بيروت منذ 6 سنوات من دون وجود أية إجراءات سلامة.

وليبقى التساؤل الأبرز المتعلق بترابط التطورات المؤلمة الأخيرة وتداعياتها على المشهد السوري في الجانبين السياسي والاقتصادي. 

الليرة السورية إلى تدهور؟

المستشار الاقتصادي، يونس الكريم، توقع خلال حديث لـ "روزنة" اليوم الأربعاء، بروز عدة تأثيرات على الاقتصاد السوري بعد انفجار بيروت، مشيراً إلى أن أهمها يندرج في نطاق أسعار صرف الليرة السورية، مشيراً إلى أن فقدان الرئة الاقتصادية (مرفأ بيروت) التي كان يتنفس من خلالها النظام السوري سيؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار الأميركي أمام الليرة السورية. 

قد يهمك: هل تكون الإمارات رئة النظام السوري لمواجهة "قيصر"؟ 

وتابع "إن إغلاق المنفذ الاقتصادي الأهم للنظام ورئته في الاستيراد سيجعله يبحث عن بدلاء التي هم بالأساس ضعيفة، فميناء طرطوس يقع تحت السيطرة الروسية وغير مجدي اقتصادياً، وكذلك الحال بالنسبة لميناء طرابلس اللبنانية والذي يعني بحال من الأحوال العودة إلى الحضن الروسي، حيث كانت موسكو قد استأجرت فيه هنكارات في وقت سابق لمدة 20 عاماً". 

كما لفت الكريم إلى أن الأمر لن يقف فقط عند ارتفاع قيمة الدولار، وإنما سيتعداه ليصل إلى ارتفاع الأسعار في السوق السورية، الأمر الذي ينهك المواطنين ويزيد من إضعاف القوة الشرائية. 
  
وزاد بالقول أنه و "قبيل الانفجار وصل سعر الدولار إلى 8100 ليرة لبنانية، والآن بعد الانفجار الذي شهدته بيروت وترافق معه انفجار بحالات فيروس كورونا، فإن الخيارات أمام لبنان، هي إعلان الإفلاس، وبما أن الدولة لا يمكن أن تعلن إفلاسها فهي باتت أمام عدة خيارات". 

ونوه إلى أن الخيارات تتمحور حول "خصخصة الميناء و الكهرباء وما تبقى من مؤسسات لبنان، وهنا ستكون الحرب بين روسيا من جهة وإيران من جهة والغرب بما فيها إسرائيل، وقطر، والإمارات، وهنا يتوضح حجم المعضلة كون من يسيطر على هذا الميناء، سيضغط على ميناء طرطوس و اللاذقية، فضلا عن السيطرة على لبنان".


اقرأ أيضاً: مع استمرار الأزمة النقدية... ما مصير ودائع السوريين في البنوك اللبنانية؟


وأضاف "أيضاً سيكون هناك خيار الضغط على حزب الله وتحميله مسؤولية الانفجار؛ إضافة إلى التدهور الاقتصادي و الأمني ، وهذا سيفتح بازار من جديد لشراء ولاءات لكتل سياسية و عسكرتها، وأما الخيار الثالث سيكون عبر ضغط دولي على إيران، مما يعطي لروسيا أريحية بالاستحواذ على مكانة إيران، وبخاصة أن الأخيرة تعاني من أوضاع صعبة تعجز عن وقوفها بشكل قوي مع لبنان".

ترجيحات بدور روسي! 

من ناحيته لم يستبعد الكاتب والمحلل السياسي، درويش خليفة، أن يكون هناك دور لروسيا فيما حصل بمرفأ بيروت، وذلك سعياً منها بأن تطرح نفسها كقوة عسكرية تستطيع ترطيب الأجواء بين "حزب الله" اللبناني من جهة، و "إسرائيل" من جهة أخرى؛ وفق تقديره.

 وتابع خلال حديثه لـ "روزنة" اليوم الأربعاء، بأن "حجم الدمار والمأساة التي خلفها انفجار العنبر 12 في المرفأ وضع جميع القوى الفاعلة والمؤثرة بحالة حرج كبير، وهذا ما يصعب الكشف عنه بسبب تدميره لكل ما يمكن أن يوثق أو يشير للفاعل، كياناً كان أم أشخاص".


قد يهمك: روسيا تدعو لتشكيل حلف عربي يدعم دمشق!


وأردف في السياق ذاته "نحن كمتابعين لا يمكن أن نعفي حزب الله من المسؤولية، وهو الذي يملك بوابة خاصة به في المرفأ تحت مسمى "بوابة فاطمة"، وهذه البوابة لا يجرؤ أحد على تفتيشها أو حتى سؤال ما يوجد فيها… كيف لنا أن نتجاهل حزب الله مما حصل وهو المعروف بسلوكه الإجرامي الذي جسده بمشاركته بشار الأسد بحربه على الشعب السوري المناهض لحكمه، وقتله لرئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري".

وأشار خليفة إلى أن المنطقة استعرت نارها منذ أن شاركت القوات المدعومة من "الحرس الثوري" الإيراني في قتل الشعب السوري ما أدى إلى دخول إسرائيل على خطة المواجهة لطرد القواعد الإيرانية وتحجيم قدراتها في سوريا لحماية حدودها الشمالية. 

وأكمل في هذا الإطار "لا أستبعد أن يكون هناك أيضاً دور لإسرائيل من تنفيذ العملية بمساعدة حزب الله عبر تسريب معلومات مخابراتية عن وجود "نترات الأمونيوم" في المرفأ لتقصفه إسرائيل؛ وبذلك يهرب حزب الله للأمام من مشاكله المتراكمة محليا وخارجيا، بعد أن أخذت بلاده على نفسها النأي بالنفس من تبعات ما يحصل في دول جوارها".


اقرأ أيضاً: إعادة إنتاج النظام السوري بصيغة روسية جديدة… ما موقف واشنطن؟


وختم بالقول معتقداً بأن "جميع الخصوم المحليين والخارجيين الفاعلين في دول المنطقة يحاولون رمي الكرة في ملعب الآخرين لاستثماره سياسيا، ماعدا حزب الله وإسرائيل؛ لأن الأمر محرج للحزب محليا ودوليا في حال ثبت أنهم يتاجرون بـ الأمونيوم ويخزنه في مرفأ مدني، وكذلك محرج لإسرائيل بدرجة أقل نسبيا بسبب حجم الأضرار والضحايا الذي خلفه الانفجار… قد تكون حادثة بيروت ولعظم مأساتها نقطة الانطلاق لإيجاد حلا شاملا للمنطقة؛ لا سيما بعد التعاطي الإعلامي والسياسي معها من جميع الفرقاء المحليين والإقليميين؛ عبر تقديمهم وعودا بمساعدة للشعب اللبناني للخروج من محنته".

ولا يجب تغييب عدة سياقات سياسية/استراتيجية ترتبط بشكل أو بآخر بالانفجار، ابتدأها وزير الخارجية اللبناني الأسبق باستقالته والذي كشفت عن مساعي على ما يبدو تتعلق بتشكيل حكومة جديدة تشهد عودة سعد الحريري إلى رئاستها؛ ما يبرز الصراع الخفي بين التيارات السياسية، فضلاً عن أن الحدث ضرب لبنان قبل 3 أيام من إعلان حكم المحكمة الدولية الخاصة بقضية اغتيال رفيق الحريري، ما يشي بشكل أو بآخر أنها محاولة للتأثير على القرار أو تبعاته بحيث يكون الانفجار بمثابة "ضربة استباقية"، ولو أن هذا الخيار قد يكون مستبعداً لأسباب عدة، يأتي في مقدمتها الضغوط الممارسة بأشكال متعددة على حزب الله ومموله الإيراني الذي يعاني من أزمات خانقة.

ولربما يمكن الذهاب إلى أطراف فاعلة أخرى قد تكون مسؤولة عما حصل، حتى ولو تم استبعاد أي استهداف إسرائيلي مباشر يوم أمس، غير أن هذا الانفجار ومتابعة حيثياته وتطوراته قد تؤدي بالنتيجة إلى تحجيم نفوذ ذراع إيران في لبنان و بالضرورة في سوريا أيضاً، من خلال تضييق سياسي واقتصادي أو حتى تصعيد عسكري، وفي هذا المقام تتسق الرؤية الأميركية والإسرائيلية وقد لا تختلف عنهم أيضاً رؤية موسكو، غير أنه لا يجب نسيان مسألة ترسيم الحدود البحرية اللبنانية والمناورات المتصلة بهذا الملف. كل ما ذكر يبقى قراءات من سلسلة طويلة من تحليلات وافتراضات لا تزال تتوارد في ظل سخونة المشهد وتوقعات تصاعد حدته بخاصة وأن الأوضاع متوترة إلى حد كبير بين الأفرقاء اللبنانيين ومؤيديهم الإقليميين.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق