بوتين رئيساً إلى الأبد… هل يُغيّر استراتيجيته في سوريا؟

بوتين رئيساً إلى الأبد… هل يُغيّر استراتيجيته في سوريا؟
أخبار | 02 يوليو 2020

مالك الحافظ| منح تمرير الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي أرادها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إمكانية بقاءه على رأس السلطة هناك حتى عام 2036، وذلك بعد تبنيها من قبل غالبية الناخبين الروس.


و أظهرت نتائج الاستفتاء اليوم الخميس، بعد فرز 90 بالمئة من بطاقات التصويت على التعديلات الدستورية، قبول غالبية الناخبين بها، بعد موافقة 78 بالمئة  من الروس الذين أدلوا بأصواتهم، في عملية نددت بها المعارضة واعتبرتها "عارا".

بوتين ( 67 عاما) بات يعتبر أكثر زعيم روسي/سوفيتي يمكث في السلطة منذ جوزيف ستالين، سواء بصفته رئيساً للبلاد أو رئيساً للوزراء منذ عقدين

وتُتيح نتائج الاستفتاء؛ إقرار حزمة من التعديلات، والتي من شأنها أن تُمكّن بوتين من الترشح لإعادة انتخابه مرتين، ما يعني أنه قد يظل في السلطة إلى أن يبلغ من العمر 83 عاما.

و كان يتوجب على الرئيس الروسي أن يغادر منصبه في عام 2024، بعد انقضاء آخر فتراته الرئاسية بحسب الدستور الروسي -قبل التعديل-، غير أن مقترح التعديلات الروسية التي تقدم بها بوتين مطلع العام الجاري أفسحت له المجال بإحكام قبضته على السلطة في روسيا.

وكان بوتين نوه منتصف آذار الماضي إلى أنه منفتح على فكرة إجراء عمليتي انتخاب إضافيتين، وأضاف -آنذاك- أنه "خيار ممكن من حيث المبدأ، لكن على أساس وحيد قوامه أن تقرر المحكمة الدستورية أن مثل هذا التعديل لا يتعارض مع الدستور... نحن لا نعتمد دستوراً جديداً، لكننا نجري تعديلات كبيرة عليه".

هذا و من المحتمل أن تتغير الاستراتيجية بوتين في سوريا بعد التعديلات الدستورية التي نجح في تمريرها اليوم الخميس، وفق ما تحدث به المحلل السياسي، ديمتري بريجع، خلال حديثه لـ "روزنة".

اقرأ أيضاً: ملفات سوريّة ساخنة تستعرضها شاشات القمة الثلاثية لمسار أستانا 

الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، زيد سفوك، اعتبر خلال حديث لـ "روزنة" أن مصير سوريا بات في يد روسيا، لافتاً إلى أن تولي دونالد ترامب للرئاسة في الولايات المتحدة، كان له دور فعال في تثبيت ذلك، وهو الأمر الذي أفسح المجال لبوتين بالتوغل داخل معظم مناطق سوريا دون استثناء.

وتابع "هناك لعبة دولية تجري بدقة في الشرق الأوسط من خلال الثقة بالرؤساء الحاليين ومدى التزامهم بالاتفاقيات المبطنة مما يُسهل من مساعدتهم في تجديد ولاياتهم، وطبعا إسرائيل من ضمن هذه المخططات التي يتطلب أمنها بقاء ذات الأشخاص الذين يتحكمون بمصير شعوب المنطقة ومنع نشوب حرب مباشرة بين الدول… لقد كان بوتين طوال فترة رئاسته لروسيا كرئيس دولة ورئيس حكومة أمينا على هذه التفاهمات". 

 وختم بالقول "روسيا تتحكم بنسبة 75 بالمئة بالقرار السياسي والعسكري في سوريا، كما أن شريان المؤسسة العسكرية للنظام السوري يبدأ بطلقة روسية وطيار روسي… موسكو في 2020 هي دمشق، وهناك تنسيق بينها وبين تل أبيب ودمشق من جهة، ومن جهة أخرى بينها وبين طهران وأنقرة، كل الأمور تحت سيطرتها، و لا حل بدونها، لكنها لا تستطيع في النهاية أن تفرض حلا وهو ما تبحث عنه دائما".

ماذا عن استراتيجية الميدان؟ 

ينظر المتابعون إلى تطورات المشهد السوري أن فرض رؤية موسكو على شكل الحل في سوريا؛ سيكون خلال الفترة المقبلة أمراً قابلاً للتحقق أكثر من أي رؤية أخرى من قبل الجهات المتدخلة في الشأن السوري، على اعتبار اتساق التطورات العسكرية مع الطروحات السياسية لموسكو. 

مطلع عام 2017 تقدمت روسيا بمسودة دستور خاص بسوريا، حيث تنص بشكل رئيسي على إحلال الفيدرالية (اللامركزية) وهو ما ينسجم بشكل أكبر قياساً على الواقع الميداني في سوريا؛ من أي شكل آخر لإدارة البلاد. حيث يقترح الدستور المُعّد من روسيا بتوسيع صلاحيات جمعية المناطق (التسمية الجديدة للإدارات المحلية) وتعزيز مبدأ "لا مركزية السلطة"، وكذلك تغيير مسمى البرلمان من "مجلس الشعب" إلى "جمعية الشعب"، وتتولى جمعية المناطق السلطة التشريعية مكونة من "ممثلي الوحدات الإدارية".

و رغم نفي مصادر معارضة في وقت سابق بأن تكون هناك طروحات دستورية جاهزة تُملى على اللجنة الدستورية السورية، إلا أن مصادر ديبلوماسية غربية كانت نوهت لـ "روزنة" إلى أن كلمة روسيا في اللجنة الدستورية من المرجح أن تكون العليا في مخرجات هذه اللجنة، ما يسمح بمرور المقترح الدستوري الروسي الداعي إلى تأسيس "فيدرالية سورية". 

إن المراقب لشكل خارطة النفوذ في سوريا وكيفية تقسيم المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق؛ "سواء بشكل كامل أو جزئي"، إلى قطاعات متباعدة بل و متناحرة، بفعل اتفاقية "خفض التصعيد" التي استطاعت روسيا تمريرها عبر إطار أستانا بالتعاون مع شريكها التركي منذ عام 2017، يُدفع للقول أن نموذجاً روسياً "فيدرالي" هو الشكل المنتظر لإدارة سوريا، كنظام إدارة أنسب خلال فترة ما بعد المرحلة الانتقالية "المنتظرة" في سوريا. 

قد يهمك: بوتين على خطى الأسد… الرئاسة إلى الأبد؟

مؤخراً وبعد سيطرة دمشق بمساعدة حليفها الروسي على كامل طريق حلب-دمشق الدولي "M-5"، وكذلك الأمر ينطبق بشكل أو بآخر على طريق حلب-اللاذقية الدولي "M-4"، بات شمال مركز محافظة إدلب وما تبقى من ريف حلب الغربي قطاعاً معزولاً عن المناطق التي خرجت تدريجياً عن سيطرة المعارضة المدعومة من قبل أنقرة. 

المحلل السياسي، حسام نجار، رأى خلال حديث لـ "روزنة" أن روسيا لن تكتفِ بالسيطرة على الطريق الدولي "إم 5"، وإنما دخولها لفتح المنطقة برمتها هو مطلبها الأساسي؛ بالإضافة إلى "رغبتها بدخول مؤسسات النظام حتى يتم إختراق مناطق المعارضة بالكامل" وفق رأيه.

واعتبر أن روسيا تعمل بتمهل في السيطرة على المناطق، مبيناً أن التوقف الروسي المؤقت الآن هو لاستكشاف الحالة السياسية، مشيراً إلى أن "روسيا تحاول الضغط على تركيا من عدة جهات وتحاول كسب كل الوقت، ومازالت لديها حجة عدم امتثال تركيا للاتفاقيات الخاصة بهيئة تحرير الشام والقضاء عليها… هذا الوقوف لا يعني توقف الروس عن رغبتهم إلا إن كان هناك تحرك جدي من الناتو".

وكما الحال في الشرق فإن الأوضاع هناك تنطبق كذلك على الحال في الجنوب السوري المأزوم منذ 8 سنوات، فضلاً عن زيادة أزماته منذ توقيع أهالي مناطقه على "اتفاق التسوية" مع دمشق منذ منتصف عام 2018، وهو ما ساهم في غياب الاستقرار الأمني الذي يلوح دائماً بتصعيد عسكري محموم سرعان ما توقفه موسكو بتفاهمات "تهدئة" بين الأطراف المحلية هناك (دمشق والمعارضة).

وبناء على ما سبق فيما يتعلق بشكل النفوذ في مناطق مختلفة من سوريا، فإن استراتيجية بوتين العسكرية خلال السنوات الماضية، قد مكنت نفسها من فرض طرحها السياسي في سوريا من خلال أمثل استغلال لاتفاقيات "خفض التصعيد" وعزل المناطق السورية عن بعضها وخلق "أرخبيلات نفوذ" متباعدة الانسجام التام؛ وهو ما يعني بشكل أو بآخر أن طرح الدستور الروسي لسوريا في تأسيس "فيدرالية سورية" قاب قوسين أو أدنى، بخاصة وأن التوافق الروسي التركي سيسهل مهمة موسكو، وذلك في ظل واقع ميداني لا يمكن تغييره بشكل جذري بعد سنوات من العمل العسكري الروسي منذ أيلول 2015. 

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق