إلغاء "محكمة الميدان" في سوريا: آراء حقوقيين حول التأثير

إلغاء

تقارير | 4 09 2023

نور الدين الإسماعيل

لم يفصل المرسوم التشريعي رقم 32 لعام 2023، الذي أصدره رئيس النظام السوري بشار الأسد، أمس، حول مستقبل المتهمين الذين أصدرت بحقهم أحكام أمام "محكمة الميدان" العسكرية، وهي تحت التنفيذ، وفق المحكمة التي أعلن إلغاءها ووقف العمل فيها، خلال مرسومه التشريعي.


وبحسب المرسوم الذي أصدره الأسد تُحال جميع القضايا المحالة إلى محاكم الميدان العســكرية، بحالتها الحاضرة إلى القضاء العسـكري لإجراء الملاحقة فيها، وفق أحكام قانون العقوبات وأصول المحاكمات العسـكرية، الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /61/ لعام 1950 وتعديلاته.


محكمة الميدان العسكرية


وصف المحامي السوري عارف الشعال "محكمة الميدان" العسكرية بأنها "كانت من أسوأ المحاكم على الإطلاق"، معتبراً إلغاءها "إزاحة لأهم الكوابيس الجاثمة على صدر العدالة".

اقرأ أيضاً: بشار الأسد ينهي عمل "محاكم الميدان" العسكرية

ويبرر الشعال وصفه لتلك المحكمة، عبر منشور له في "فيسبوك"، لأنها "كانت محكمة سرية، لا يدخلها محامٍ، ولا يوجد فيها ضمانة حق الدفاع، وقراراتها لا تقبل الطعن وتخضع بالمطلق للسلطة التنفيذية التي تملك الحق بإلغاء أحكامها".

وبحسب رأي الحقوقي السوري، فإن جود "محكمة الميدان" العسكرية "كان مرتعاً خصباً للفاسدين من المحتالين والنصابين والسماسرة، الذين يزعمون أن لهم يداً طولى فيها ويتقاضون من المساكين مبالغ خيالية بسبب ذلك، وهم كاذبون".


تأثيرات الإلغاء مستقبلاً


أوضح المحامي السوري الشعال في منشوره أن إلغاء المحكمة المذكورة يعني أن كافة المتهمين أمامها، الذين لم يصدر بحقهم حكم بالإدانة بعد، سيحالون إلى القضاء العسكري، "وهناك سيطبق عليهم قانونا الأصول والعقوبات العسكري".

وأوضح أن محاكمة المتهمين ستصبح علنية، بحضور محامي دفاع، "وسيتمكنون من التواصل مع ذويهم، وسيستفيدون من حق الطعن بالقرارات الصادرة بحقهم"، علماً أن المتهمين أمام "محاكم الميدان" العسكرية لا يمكنهم التواصل مع ذويهم، أو توكيل محامي دفاع.

فضلاً عن ذلك من الممكن أن يعلن القضاء العسكري عدم اختصاصه وتخليه على القضية للقضاء الجزائي العادي، وبذلك سيكون للمتهم مركز قانوني مقبول كثيراً وسيحصل على إجراءات ومحاكمة مقبولة قياساً على حقوقه المعدومة أمام المحكمة الميدانية.

تفسيرات الشعال للأثر الذي سينتج عن إلغاء المحكمة، لم توضح مصير المحاكمات القديمة التي جرت أمام تلك المحكمة، والتي صدرت فيها أحكام ونفذت أو هي قيد التنفيذ، لأنه اعتبر أن "المسألة هنا دقيقة نوعاً ما، وسيكتنفها الغموض في البداية".

ورجح أنه بإلغاء هذه المحكمة وتصفيتها، قد تنتقل جميع ملفاتها القديمة إلى إدارة القضاء العسكري، وستصبح تحت سلطة النائب العام العسكري".


"المشكلة في بنية النظام السوري"


شكك عدد من الحقوقيين السوريين في حصول نتائج كبيرة إيجابية على مستوى "وقف انتهاكات النظام السوري بحق السوريين"، معتبرين أن المشكلة الأساسية هي في بنية هذا النظام.

وفي حديث خاص لـ"روزنة" قال المحامي والحقوقي السوري ميشال شماس، "إن الانتهاكات التي يتعرض لها الشعب السوري من قبل نظام الأسد ليست متوقفة على إلغاء محكمة الميدان، إذ سبق أن ألغى "محكمة أمن الدولة العليا" في نيسان 2011، واستمرت انتهاكات حقوق الإنسان، لا بل زادت حدة وجنوناً".

 وأضاف شماس، أن انتهاكات حقوق الانسان في سوريا "مرتبطة ببنية نظام الأسد، ومن قبله نظام البعث، القائمة على تكميم أفواه الناس وقمعهم ومعاقبتهم، لمنع ظهور أية معارضة محتملة له.

واعتبر أن "محكمة الميدان" ومن قبلها "محكمة أمن الدولة العليا" إلا مجرد أدوات بيد النظام الذي مازال يمتلك الكثير من الأدوات التي بواسطتها ينتهك حقوق الناس".

وأوضح بأن النظام السوري رفع حالة الطوارئ عام 2011، لكن "تمت الاستعاضة عنه بالمرسوم رقم 55، والذي منح الأمن سلطة واسعة في التوقيف. بينما جاء استحداث محكمة الإرهاب كبديل عن محكمة أمن الدولة العليا".

وفي حين اعتبر بعض السوريين أن مرسوم إلغاء "محكمة الميدان" العسكرية يرسل طمأنة للمنشقين عن الجيش ليعودوا من أماكن لجوئهم، أكد شماس أن إلغاء المحكمة "لا علاقة له بالمنشقين عن الجيش، فهناك محكمة الإرهاب مازالت قائمة، وتمت إحالة آلاف العسكريين إليها لمحاكمتهم".

وكان بعض السوريين قد ربطوا بين مرسوم إلغاء "محكمة الميدان" والمبادرة العربية التي طرحها الأردن على الأسد "خطوة مقابل خطوة"، معتبرين أنها تأتي في سياق تنفيذ الشروط العربية، إلا أنه استبعد تلك الفرضية.

ونوه الشماس إلى أن الخطوة التي اتخذها الأسد بإلغاء المحكمة "جاءت متأخرة جداً، ولا تلبي طموحات الشعب السوري، لأن إلغاءها لم يأت عن إيمان منه بالعدالة واستقلال القضاء، بل لأنه محشور ومخنوق من الداخل والخارج، وأراد بهذه الخطوة الإيحاء بأنه يقدم تنازلات".

ورجّح أن لا يكون لهذه الخطوة أي تأثير على المشهد السياسي في سوريا، "خاصة الحراك الذي تشهده سوريا اليوم، لاسيما في جنوبي سوريا، درعا والسويداء".


"لا ثقة في النظام السوري"


حقوقيون ومحامون سوريون أبدوا عدم ثقتهم في النظام السوري ومراسيمه وقراراته، مرجحين عدم توقف الانتهاكات التي يمارسها بحق الشعب السوري.

قد يهمّك: "الشبكة السورية": اعتقال 57 شخصاً الشهر الماضي بتهمة المشاركة في الاحتجاجات 

وفي هذا السياق، قال لـ"روزنة" المحامي والناشط الحقوقي السوري ياسر السليم، إن أي إلغاء لمحكمة استثنائية، من حيث المبدأ، يعتبر خطوة جيدة، وفي الطريق الصحيح.

واستدرك السليم، قائلاً: "ولكن هنا تم إلغاء محكمة استثنائية (محكمة الميدان العسكرية) وإحالة قضاياها لمحكمة استثنائية أخرى، (القاضي الفرد العسكري والمحكمة العسكرية)، والذي يتبع إلى وزارة الدفاع مباشرة، بدلاً من تبعيته للسلطة القضائية ووزارة العدل".

وأشار الناشط الحقوقي إلى أنه "قد تتحقق بعض النتائج الإيجابية أو الأقل ضرراً، كون محكمة الميدان كانت تصدر أحكاماً مبرمة، بينما محكمة القاضي الفرد العسكري تصدر أحكاماً قابلة للطعن".

واعتبر أن "وجود نظام الأسد الاستبدادي على رأس السلطة في سوريا، هو بحد ذاته انتهاك للقوانين والدستور، وانتهاك لإرادة السوريين بالتغيير منذ أكثر من نصف قرن"، مضيفاً: "بكل تأكيد لن يتوقف عن الانتهاكات التي كان يمارسها وما زال حتى اليوم".

ربما يحدث إلغاء المحكمة فارقاً إيجابياً إلى حد ما، إلا أن سوريين يتساءلون عن من ينصف عدداً كبيراً من الضحايا السوريين وعائلاتهم، من الذين أصدرت بحقهم أحكام جائرة أمام "محكمة الميدان العسكرية" منذ أكثر من 53 عاماً حتى اليوم.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض