تقارير | 1 02 2023
نور الدين الإسماعيل
"الفزعة" مصطلح محلي قديم يعني التعاون بين جماعة ما لتلبية حاجة فردية أو عامة، بشكل تطوعي ودون مقابل. غالباً ما تقترن هذه الصفة في سوريا بالحديث عن المدن ذات الخلفية العشائرية والقبلية، وارتبطت في الأيام الماضية بمليارات الليرات السورية التي جمعها أهالي درعا ضمن حملة "فزعة أهل حوران".
بمساعٍ وتنسيق شعبي، ونتيجة تدهور القطاعات الخدمية كافة في درعا أمام عجز وإهمال النظام السوري، انطلقت حملة تبرعات لتنفيذ مشاريع على نطاق محدود، قبل أن تتسع رقعتها لتشمل غالبية مدن وبلدات المحافظة، بمبادرة نالت إشادة وإعجاب شريحة واسعة من السوريين والعرب.
فكيف بدأت الفكرة؟ وكم مليار دفع المتبرعون؟ ما علاقة النظام بها؟ ولماذا شكك البعض بالحملة؟
لماذا حي واحد فقط؟ افزعوا لبصر الحرير كلها!
مع تجاهل وعجز حكومة النظام السوري عن تلبية المطالب بإيجاد حلول لمشكلة المياه في بلدة بصر الحرير، اتفق الأهالي في أيلول الماضي على إيجاد الحل بأنفسهم، عبر إطلاق حملة شعبية لترميم وتأهيل وحفر الآبار، وتغذيتها بالطاقة الشمسية لإرواء الأهالي، ومن هنا ولدت الفكرة وكانت البداية.
يقول المغترب نادر الحريري، أحد القائمين على حملة التبرعات في بصر الحرير، لـ"روزنة": "التقى وجهاء مع المحافظ ومسؤولين لتمويل المشاريع الخدمية، ولم يحصلوا على نتيجة. فاقترحنا على سكان حي واحد بحفر بئر بتمويل محلي ومن المغتربين. لنتفق لاحقاً على تعميم الفكرة لتشمل كامل البلدة".
لاقت الفكرة استحسان أهل البلدة الصغيرة، واجتمعوا للاتفاق على خطة عمل وتحديد المهام، يضيف "الحريري": "وضعت أهداف الحملة، وعين المجتمعون لجاناً مختصة، منها لجنة فنية وأخرى مراقبة مالية مكونة من محاسب وأمين صندوق، ولجنة تنفيذ ولجنة مشتريات".
وحدد القائمون على الحملة الأهداف بحفر آبار بتغذية ألواح الطاقة الشمسية إضافة إلى إصلاح شبكة المياه الرئيسة في البلدة، وإنارة الطرقات، وبعد دراسة ملفات الترميم وإعادة التأهيل، خلصت اللجنة المالية إلى أن قيمة الاحتياجات كاملة للمشروع نحو ما يقارب مليار ليرة سورية.
وبدأت حملة جمع التبرعات "الفزعة" عبر مجموعة واتس اب تضم أبناء البلدة، بينهم عدد كبير من المغتربين، لكن الانطلاقة كانت متواضعة وخجولة، قبل أن يزيد المتبرعون من الأموال وتصل لمبالغ كبيرة بقيمة 25 مليون ليرة سورية "فعلاً انطلق المشروع وكان صداه واسعاً وتأثيره كبير"، حسب "الحريري".
يذكر أن المشاريع الخدمية تأثرت بغياب الدعم الغربي المقدم لمنظمات محلية توقفت عن العمل مع "عمليات التسوية" في المحافظة قبل سنوات، وتقتصر الخدمات على بعض المشاريع من بلديات النظام وأخرى لمنظمات دولية.
مليار تلو الآخر.. "عدوى الخير" تتنشر في درعا
إضافة لمليار ليرة سورية جمعت في بصر الحرير، قدر مدير موقع "درعا 24" في حديثه مع "روزنة" القيمة الإجمالية لما تبرع به الأهالي في مختلف الحملات بنحو عشرين مليار ليرة سورية (2.9 مليون دولار حسب سعر صرف العملة المحلية الأخير في موقع الليرة اليوم).
ويفصّل: "الحملة في داعل جمعت ملياراً و 700 مليون ليرة سورية، وتجاوزت في كل من ابطع والشيخ مسكين ملياراً ونصف، وتجاوزت الحملة في الكرك الشرقي حاجز المليارين، وفي الغارية الشرقية 6 مليارات ونصف، والغارية الغربية 4 مليارات، وفي خربة غزالة بلغت ملياري ليرة سورية".
متواصلين معاكم ليوم الثامن ع توالي من فزعة الخير فترة من بعد صلاة العصر
Posted by مجلس مدينة داعل الرسميه ٢ on Friday, January 6, 2023
بجهود الأهالي، جهزت الحملات الشعبية والتبرعات عدة مشاريع خدمية، منها ترميم مستشفى الحراك العام الماضي ومستشفى الغارية الشرقية، وتركيب ألواح طاقة شمسية في بعض الآبار إضافة إلى حفر وتأهيل أخرى.
كذلك سمحت المليارات المجموعة في إنارة بعض الطرقات في قرى وبلدات عدة، لتتجاوز نطاق توفير مياة الشرب لعدد قليل من السكان إلى عدد كبير من الخدمات الضرورية لحياة المواطن في كامل المحافظة.
تشكيك.. هل استفاد النظام من الحملات؟
بينما ينشغل أهالي درعا بجمع التبرعات وتنفيذ المشاريع الخدمية في بلداتهم، يظهر على وسائل التواصل الاجتماعي من يشكك في تلك الحملات وأهدافها ومن يقف وراءها، خصوصاً مع ما قالوا إنه "تصدر رئيس مجلس مدينة داعل في الحملة".
واعتبر البعض أن الحملة تدعم النظام السوري بشكل أو بآخر، عبر حمل المسؤولية عنه، بعد أن تهرب من أداء مسؤولياته، وسيعود اليوم ليتحدث عن إنجازه في إعادة الإعمار وتأهيل المرافق الخدمية، ليسوّق نفسه من جديد، ويسرق آثار ونتائج تلك الجهود الشعبية.
آخرون، ذهبوا أبعد من ذلك، في أن النظام السوري هو نفسه من يقف وراء تلك الحملات لأن المبالغ المالية التي وصلت من الخارج جميعها بالعملة الصعبة، ودخلت في فترة زمنية وجيزة، ما يدعم قيمة الليرة السورية التي تم صرف المبالغ فيها فقط.
على الطرف الآخر، اعتبر البعض أن تلك الحملات تحاول التنصل والانسحاب مما وصفوه "الدولة السورية"، وهي بداية الانفصال عن سوريا، وعدم الاعتراف بحكومتها ومؤسساتها، معتبرين أنه أمر خطير.
قد يهمك: مشاريع خدمية شمال سوريا.. إما ناقصة أو خاطئة
"الحملات مدنية بامتياز"
حول القائمين عن الحملات ودور النظام، يوضح مدير تحرير "درعا 24": "في كل بلدة تم تشكيل لجنة بالتوافق بين أبناء البلدة أو المدينة، وهي المسؤولة عن جمع التبرعات. والقيام بالأعمال لاحقاً".
ويضيف: "لا يوجد أي دور للنظام في الحملات التي أُطلقت، واقتصرت مشاركته في حملة الشيخ مسكين من خلال الإعلام فقط، كون مراسل قناة سما من هذه المدينة".
كذلك، انتخب العديد من رؤساء المجالس التابعة للنظام في لجان جمع التبرعات "وبعضها أشرف على إطلاق المناقصات ووضع دفتر الشروط، ونشر التفاصيل على صفحة خاصة بالحملة".
بدوره، يصف نادر الحريري بأن الحملة في بصر الحرير شعبية مدنية بامتياز، بقوله: "ليس هناك أي دور للبلدية أو حكومة النظام السوري في الأمر، وكل القائمين على الحملة هم من الأشخاص الذين شاركوا في الثورة السورية عند انطلاقها، وهم أشخاص ثقات".
تأتي الحملات الشعبية اليوم في درعا بعد ما يقارب 5 سنوات من توقيع اتفاق التسوية في المحافظة عام 2018، والذي بموجبه تمكن النظام السوري من فرض سيطرته على مدنها وبلداتها تباعاً. إلا أنه لم يقم بمسؤولياته الأساسية في تأهيل وإعادة بناء المرافق الخدمية.
انتهت الحملات في معظم المناطق التي انطلقت فيها، في حين تتجهز بلدات وقرى أخرى لإطلاق حملات التبرعات فيها، ويتناقل السوريون وعرب أيضاً صور المليارات التي جمعها أهل درعا بـ"فزعتهم".