الاتصالات والإنترنت في سوريا: خدمة تدفع ثمنها دون الحصول عليها 

الاتصالات والإنترنت في سوريا: خدمة تدفع ثمنها دون الحصول عليها 

تقارير | 26 12 2022

محمود أبو راس

يضطر علي للوقوف في طابورين اثنين بشكل شبه يومي للحصول على ربطة الخبز، الطابور الأول ليتسنّى له قطع بطاقته الذكية عبر الجهاز الخاص بها، أعلى البناء حيث يقع الفرن في إحدى قرى ريف طرطوس، والطابور الثاني للحصول على ربطة الخبز أسفل ذات البناء أمام الفرن. في زحمة الأزمات التي يعيشها المواطن السوري يومياً.


اقرأ أيضاً: كيف يقاسي مرضى السكري في سوريا لتأمين أدويتهم؟

يأخذ الطابور الأول الوقت الأكبر حيث البحث عن الشبكة مستمر لضمان قطع البطاقات، يزداد الأمر سوءاً خلال الشتاء، كما يقول، ويضيف: "خصوصاً في أوقات انهمار المطر، لا بديل عن تبللنا بمياه الأمطار".


ترابط الأزمات


ليس علي وحده من يواجه تلك المشكلة، الكثير مثله يعيشون واقعاً أصعب، فـإلهام، على سبيل المثال، وحين لا توجد شبكة، تضطر لقطع بطاقتها في مكان حيث تتواجد الشبكة، ثم تمشي لمدة نحو ربع ساعة إلى الفرن لتأخذ ربطة الخبز الخاصة بها، وغالباً تحت المطر أيضاً.

وطبعاً في حال لم تتوافر الشبكة أبداً وهذا مرجح، فإن صاحب الفرن يخبرهم بأن من يريد شراء الخبز غير المدعوم بسعر 1200 ليرة للربطة، يستطيع الدفع والشراء، ومن يريد الخبز المدعوم بسعر 200 ليرة للربطة فعليه الانتظار.


لا كهرباء يعني لا إنترنت


السبب الرئيس في تراجع جودة الإنترنت على شبكات الخليوي، والكابلات الضوئية للهواتف الأرضية، هو التقنين الكهربائي، فمنذ بدأ يزداد حدة برزت المعاناة مع الاتصالات عموماً والإنترنت خصوصاً.

ضعف الإنترنت وقلة جودته جراء التقنين الكهربائي الطويل، لا يؤثر فقط على عملية بيع الخبز، بل يمتد ليشمل الكثير من مناحي الحياة، خصوصاً لدى إنجاز المعاملات الرسمية في بعض المؤسسات الحكومية الحيوية مثل المالية والعقارية والبنوك، خصوصاً أفرعها في الأرياف.

أكثر من أربع ساعات في فرع المصرف الزراعي بمنطقة القرداحة في ريف اللاذقية، انتظرتها سعاد في شهر تشرين الأول الماضي، وهي موظفة حكومية، ، للحصول على براءة ذمة كانت تحتاجها من أجل القرض، وحين حضرت باكراً أخبرها الموظف أن الشبكة غير موجودة ولا تأتي إلا مع الكهرباء، ما اضطرها للانتظار من الساعة الـ9 صباحاً وحتى الـ1 ظهراً لتنجز طلبها.

وفي حمص تبحث الموظفة الحكومية ندى، عبثاً، عن صراف آلي لتحصل على راتبها الشهري، فتقول: "مطلع كل شهر تتكرر المشكلة، أزور عدة صرافات بمختلف أنحاء المدينة، ودائماً النتيجة واحدة الشبكة مقطوعة، ولا أمل سوى بوجودها لأقبض نقودي".

وتحوي سوريا بحسب التصريحات الحكومية، 700 جهاز صراف آلي للمصرفين التجاري والعقاري، يعمل منها نحو 500 صراف فقط، لساعات محدودة بسبب التقنين وضعف الشبكة، وغالباً فإن الصرافات الوحيدة التي تعمل بوتيرة جيدة نسبياً هي التي تتوافر بالقرب من البنك سواء العقاري أو التجاري.


العاملون عن بعد هم الأكثر تضرراً


العاملون بنظام العمل عن بعد هم الأكثر تضرراً من ضعف جودة الاتصالات، حيث تعمل سها في مونتاج الفيديوهات، لقناة يوتيوب خارج سوريا، فتضطر للذهاب إلى مقهى إنترنت كلما أرادت العمل، بسبب ضعف الإنترنت سواء على السيرفر التابع للاتصالات الخليوية، أو حتى الشبكة الهاتفية الأرضية.

قدمت سها عدة شكاوى بما يخص الإنترنت لشركة الاتصالات سيرياتيل، وكانت دائماً تنتهي برسالة اعتذار، وتبرير سوء الشبكة بسبب التقنين الكهربائي. فتنفق ربع ما تجنيه من عملها على فواتير المقاهي التي ترتادها لإتمام عملها، لكنها لا تملك حلاً آخر، بحسب قولها.

ونقل موقع تلفزيون الخبر عن مسؤولين في شركة سيرياتيل، العام الفائت، قولهم إن سبب تراجع الإنترنت هو التقنين الكهربائي الطويل، كون تصميم القدرة في الشركة قائم على أن تعمل ضمن نظام تقنين 3 قطع مقابل 3 وصل، وبالتالي فإنها لن تعمل بالنظام الحالي حيث لا تأتي الكهرباء لأكثر من ربع ساعة كل 6 ساعات قطع.

وخلال مونديال قطر 2022 الذي انتهى مؤخراً، تضاعفت مشكلة الإنترنت، بسبب الضغط الهائل على الشبكة أثناء بث المباريات، لدرجة أن ليال، التي تعيش في ريف طرطوس وتعمل محررة عن بعد، اضطرت للاعتذار عن العمل خلال موعد المباريات، فتقول: "أعمل محررة عن بعد في مدونة اجتماعية، أخبرتهم أني لن أستطيع التواجد خلال وقت المباريات، ليس حباً بحضورها، بل بسبب عدم القدرة على استخدام الإنترنت خلالها".


ندفع ثمن خدمة غير موجودة


غالبية السوريين يدركون أنهم يدفعون فواتير خدمة لا يمتلكونها، فعلى سبيل المثال، تدفع سهام وهي من ريف اللاذقية، فاتورة الهاتف الأرضي مع البوابة كل شهرين بمعدل 13500 ليرة، ومنذ 5 أشهر توقفت الاتصالات والإنترنت بشكل كامل، بعد سرقة الكابلات الهاتفية في قريتها، وتلك مشكلة تتشاركها مع 20 منزلاً على الأقل في القرية كما تقول.

وتضيف حول تبريرات الشركة التي لا تقدم ولا تؤخر: "راجعنا المقسم وقدمنا شكوى، ليخبرونا بأن الكابلات تعرضت للسرقة ولا يوجد مخصصات مالية لشراء كابلات جديدة، وعلينا الانتظار، وحين راجعناهم مرة ثانية بعد شهرين، أخبرونا أن الحل الوحيد هو شراؤنا كابلات جديدة على حسابنا الشخصي، وهو ما لا نستطيع تحمل كلفته، لذا توقفنا عن سؤالهم".

لا تملك سهام خيار عدم دفع الفاتورة الشهرية للهاتف الذي لا تستفيد منه، لأنها بذلك ستكون مهددة بسحب الخط الأرضي منها، وفقدانها البوابة كما أخبروها في المقسم.

وتنتشر سرقة الكابلات الهاتفية وحتى الكهربائية على نطاق واسع في البلاد، مع استمرار تدهور الوضع المعيشي من جهة، وجراء وجود البيئة الخصبة الملائمة لسرقة الكابلات كغياب الكهرباء ليلاً من جهة ثانية، ما يسهل مهمة اللصوص.


خدمات بحاجة إلى خدمات


ما يعيشه أصحاب الهواتف الضوئية، لا يقل سوءاً عما يعيشه أصحاب الهواتف بالكابلات الأرضية.

حسان موظف حكومي في ريف طرطوس، تحدث عن معاناتهم مع الهواتف الضوئية التي أجبروا على استبدالها بهواتفهم العادية قبل عدة سنوات، فالهاتف الضوئي يحتاج إلى كهرباء ليعمل، ولأن الكهرباء لا تأتي لأكثر من نصف ساعة في أحسن الأحوال حيث تنقطع كل 6 ساعات، فإن الهاتف ومعه الإنترنت لا يعمل إلا في تلك الفترة الزمنية، وتذهب الخدمة تماماً حين تقطع الكهرباء.

راجع حسان الشركة أكثر من مرة وطلب إيجاد حل، لكن دون جدوى، فالبطاريات التي تم تركيبها لا كهرباء لشحنها، وغالبيتها عطِب نتيجة عدم شحنها بشكل كافٍ، وحين طالب الأهالي الشركة بتغييرها، أخبروهم بأنه لا يوجد اعتمادات كافية.

يدفع حسان 5000 ليرة شهرياً تقريباً لقاء خدمة لا يمتلكها سوى أربع مرات في اليوم، بمعدل نصف ساعة أو أكثر بقليل وربما أقل من ذلك وكله مرهون بالكهرباء.

وكانت الشركة السورية للاتصالات أعلنت نهاية تشرين الثاني الفائت، توقف عدد من المقاسم الهاتفية عن العمل، نتيجة انعدام المازوت لتشغيلها واستمرارية عملها خلال فترة التقنين الطويلة، دون أن تعلن أسماء تلك المراكز وأماكن تواجدها في سوريا، وبحسب معلومات حصلت عليها "روزنة"، فإنها تتواجد في ريفي حمص وطرطوس.


الشبكات الخليوية 


الحال ليس أفضل بكثير لدى شركات الاتصالات الخليوية، والتي تذهب الإشارة فيها بشكل شبه كامل بعد ساعة أو ساعتين على قطع الكهرباء تقريباً، ويقول مصدر خاص في شركة الاتصالات الحكومية، إن سيرياتيل قامت بتركيب الطاقة الشمسية في المدن عموماً، وفي بعض الأرياف، إلا أنها لا تقبل بتركيبها في كل المناطق خوفاً عليها من السرقة أو العبث، خصوصاً بعد سرقة الكثير من البطاريات مؤخراً.

وأضاف المصدر أن البطاريات عموماً باتت قديمة وقد استنفذت عمرها الزمني، وترفض الشركة تغييرها بأخرى جديدة، قبل أن تتم الاستجابة لها برفع أجور خدماتها للدرجة التي تريدها، وهو ما يرفضونه، مشيراً أنهم لا يستطيعون إلزام الشركة بتغييرها.

قد يهمّك: ارتفاع أسعار البذور وقلة مياه الريّ.. صعوبات تؤثر على مزارعي القامشلي


ولطالما شكلت أرباح شركة سيرياتيل مادة خصبة للسخرية بين السوريين في مواقع التواصل الاجتماعي، فرغم إهمالها تحسين خدماتها وتبريرها رفع أجورها جراء ارتفاع التكاليف، بينت وثيقة الإفصاح المرحلية للشركة والتي صدرت نهاية شهر آذار الفائت، أن سيرياتيل حققت أكثر من 26 مليار ليرة ربحاُ، خلال الربع الأول من العام الجاري، وربما لا يوجد أي شركة في سوريا حالياً قادرة على تحقيق مثل هذه الأرباح.
 

خدمات الاتصال في سوريا


تضم سوريا شركتي اتصالات خلوية، MTN وسيرياتيل، بدون أي تنافس حقيقي بين الشركتين، فالأسعار واحدة، كذلك العروض التي تقدمها الشركتان.

لطالما استحوذت سيرياتيل التي كان يمتلكها سابقاً رجل الأعمال السوري رامي مخلوف، قبل حدوث خلافات كبيرة بينه وبين السلطة الحاكمة، لتستحوذ الأخيرة عليها، ومنذ ذلك الوقت أي قبل نحو عامين تقريباً، وخدمات الشركة تشهد تراجعاً ملحوظاً.

يبلغ سعر دقيقة الاتصالات، للخطوط مسبقة الدفع 27 ليرة سورية، ولاحقة الدفع 23 ليرة سورية، بينما يبلغ سعر الميغابايت خارج العروض 17 ليرة، والأسعار واحدة لدى الشركتين، اللتين تمتلكان خدمات الجيل الرابع لمن يرغب الاشتراك فيها.

ورغم أن الأسعار تبدو قليلة قياساً بسعر الدولار (الدولار الواحد يساوي نحو 5800 ليرة سورية)، إلا أنها كبيرة جداً مقارنة بالرواتب التي لا تتجاوز الـ150 ألف ليرة شهرياً.

ومؤخراً تم الإعلان عن شركة اتصالات خلوية جديدة باسم "وفا تليكوم"، وكان من المقرر أن تبدأ أعمالها مطلع شهر تشرين الثاني الفائت، قبل أن يتم تأجيلها دون إعلان رسمي، وبحسب معلومات خاصة، فإن صاحب الشركة الذي مايزال مجهول الهوية ويرجح أنه إيراني، يشترط رفع سعر الخدمات بدرجة كبيرة كونه سيدخل خدمات الجيل الخامس.

قوبل هذا الأمر بالرفض من الجانب الحكومي كونه سيسبب إحراجاً لها، نتيجة تدني الرواتب والأجور عموماً في البلاد، كما أن السياسة الحكومية الداخلية تقوم عموماً على عدم وجود تنافس، وتفضل دائماً سياسة الاحتكار سواء من الحكومة أن رجال الأعمال المقربين منها.

وبالنسبة للاتصالات الأرضية، فهي تضم نوعين، كابلات عادية وأخرى ضوئية، تتأثر الأولى بالعوامل الجوية، وتتعرض للسرقة كثيراً، بينما تتأثر الثانية بالتقنين الكهربائي وتتوقف عن العمل في غياب الكهرباء.

وفيما يخص خدمات الشركة السورية للاتصالات والبوابات التابعة لها، فهي تقدم الإنترنت سواء على الكابلات الضوئية أو العادية للهواتف الأرضية، ضمن عدة باقات شهرية تختلف أجورها بحسب السرعة.

 تبدأ الباقة الأولى من 4500 ليرة سورية لسرعة 1 ميغا بايت على ألا يزيد حجم الاستهلاك عن 50 غيغابايت، و6800 لسرعة 2 على ألا يزيد الاستهلاك عن 85 غيغابايت، و11500 ليرة لسرعة 4 على ألا يزيد حجم الاستهلاك عن 140 غيغابايت، و21 ألف ليرة لسرعة 8 على ألا يزيد الاستهلاك عن 175 غيغابايت، و28 ألف ليرة لسرعة 16 على ألا يزيد الاستهلاك عن 225 غيغابايت، علماً أن الخدمة تصبح شبه معدومة حين نفاذ مخصصات الباقة.

وكانت كل من الشركة السورية للاتصالات وشركتا الاتصالات الخليوية في سوريا، قد رفعت أسعار خدماتها منذ شهر أيار الفائت، وسط توقعات أن يشهد العام القادم ارتفاعاً جديداً لمواكبة التضخم الحالي.

وفي عام 2020 ذكرت وزارة الاتصالات أن عدد مستخدمي الإنترنت عن طريق ADSL يبلغ نحو 8 ملايين مشترك، والرقم لا يشمل عدد مستخدمي الإنترنت من خلال الاتصالات الخليوية، والذي قدره وزير الاتصالات إياد الخليل بأنه يبلغ نحو 18 مليون مشترك، علماً أن غالبية مستخدمي الإنترنت عبر ADSL يستخدمونه أيضاً عبر الخطوط الخليوية خلال تجوالهم، أو خلال قطع الكهرباء أو نتيجة سوء الخدمة.

بودكاست

سمعني سبورت

سمعني سبورت، يقدم لك أبرز الأحداث الرياضية في سوريا والعالم من الدوري المحلي إلى البطولات العالمية، ومن آراء الجماهير إلى حصاد المراكز، ننقل لك كل ما يجري خلف الأرقام والنتائج، بأسلوب شيق وسريع الإيقاع.

سمعني سبورت

بودكاست

سمعني سبورت

سمعني سبورت، يقدم لك أبرز الأحداث الرياضية في سوريا والعالم من الدوري المحلي إلى البطولات العالمية، ومن آراء الجماهير إلى حصاد المراكز، ننقل لك كل ما يجري خلف الأرقام والنتائج، بأسلوب شيق وسريع الإيقاع.

سمعني سبورت

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل الإجراءات الحكومية كافية لمنع تكرار أضرار ارتفاع منسوب الفرات؟

نعم
لا
لا أعرف
close icon