تقارير | 25 05 2020
شَكّلَ مقتل زعيم تنظيم "داعش" الإرهابي، أبو بكر البغدادي، فجر يوم أمس الأحد، نقطة تحول في مسار مكافحة الإرهاب وقتال التنظيم في سوريا، في الوقت الذي رأته بعض الأطراف الفاعلة في الشأن السوري أن مقتل البغدادي كان ضربة موجعة للتنظيم الإرهابي، ولكن ذلك لا يعني أن الحرب على "داعش" انتهت فعلياً.
العملية الأمنية والعسكرية الخاطفة التي قادتها واشنطن؛ كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد كشف أولى ملامحها عندما أعلن على صفحته الخاصة على موقع "تويتر" ليلة السبت الأحد بأن شيئاً كبيراً للغاية قد حدث، لتتوالى بعد ذلك العواجل الإخبارية التي تفسر وتوضح بشكل جليّ ما عنته تغريدة الرئيس الأميركي.
لقد حدث شيء كبير جدًا للتو! https://t.co/8vbxRjY1Jd
— ترامب بالعربي (@ArabicTrump_45) ٢٧ أكتوبر ٢٠١٩
كيف قُتل البغدادي؟
العواجل التي أفادت بمقتل البغدادي كانت أولها فجر يوم أمس عبر مجلة "نيوزويك" الأميركية الذي أكد تنفيذ الولايات المتحدة عملية استهدفت زعيم تنظيم "داعش" أبو بكر البغدادي.
حيث نسبت المجلة الأميركية إلى مسؤول بالجيش جرى اطلاعه على نتائج العملية قوله إن البغدادي قُتل خلالها، في قرية "باريشا" في محافظة إدلب السورية على بعد بضعة كيلومترات من الحدود التركية.
وفي خطاب متلفز من البيت الأبيض أوضح الرئيس الأميركي تفاصيل العملية التي أدت إلى إنهاء خطر متزعم التنظيم الإرهابي وإلى الأبد، حيث قال: "تابعت كل شيء تقريبًا.. كنا نراقبه منذ أسابيع كنا نعرف إلى أين كان يتجه.. تم إلغاء إجراءين أو ثلاثة إجراءات لأنه كان يغير رأيه باستمرار وأخيراً علمنا بمكانه، كانت لدينا بعض المعلومات حول المباني وعن الأنفاق تحت الأرض معظمها كانت من دون مخرج إلا نفق واحد راقبناه لأي طارئ".

وفي إطار الخطة لضرب البغدادي كان على الولايات المتحدة ضمان الحصول على إذن من روسيا للطيران فوق مجالها الجوي، وحول ذلك لفت ترامب إلى إن البيت الأبيض لم يبلغ روسيا بطبيعة العملية ولكنه أبلغ المسؤولين الروس إنهم سيعجبون بها فقط.
أوضح ترامب بداية تفاصيل العملية حيث قال أنه عقد اجتماعا في غرفة العمليات الخاصة بالبيت الأبيض عند الساعة الـ11 مساء بتوقيت سوريا، حيث ضم الاجتماع نائبه مايك بنس ووزير الدفاع مارك إسبر ومستشار الأمن القومي روبرت أوبراين ومسؤولين آخرين في المخابرات.

ويتبع هؤلاء العسكريين قوة "دلتا" وهي إحدى وحدات القوات الخاصة الأميركية التي تركز بشكل أساسي على مكافحة الإرهاب وغالبا ما يتم إرسالها لاعتقال أهداف ثمينة، و أوضح ترامب إنه لدى الاقتراب من مجمع البغدادي تعرضت الطائرات الهليكوبتر لإطلاق نار، إلا أن القوات الأميركية تمكنت بشكل سريع من وقف الهجوم المضاد والهبوط بسلام.
اقرأ أيضاً: "حراس الدين" التنظيم الذي دافع قائده عن البغدادي حتى الموت!
دخلت القوات المبنى خلال ثوان بتفجير الجدران بسبب تأكدها من أن البوابة الرئيسية للمجمع كانت مفخخة، حيث طهرت المجمع بسرعة إما باستسلام الناس أو إطلاق النار عليهم وقتلهم، وفق ترامب، بينما تم إخراج 11 طفلا سالمين وتم تسليمهم لرعاية طرف ثالث، فيما اعتقل الجنود الأمريكيون عدة مقاتلين من تنظيم "داعش".
وبالنظر إلى تشوه جثة البغدادي من جراء التفجيرات استخدمت القوات الأميركية اختبار الحمض النووي في نفس الموقع للتأكد من هويته خلال 15 دقيقة تقريبا، وقال ترامب حول ذلك "نتائج التحليل أعطت تحديدا مؤكدا وفوريا وإيجابيا تماما لهويته. كان هو"، في إشارة منه للتأكيد على مقتل البغدادي.
البغدادي قُتل في مكان لم يكن متوقعاً..
تقارير استخباراتية إقليمية وغربية كانت ترجح تواجد البغدادي -قبل مقتله- ما بين البادية السورية؛ أو في صحراء الأنبار بالعراق، وهو الأمر الذي يثير التساؤل حول مدى قدرة البغدادي على تخطي الحواجز العسكرية والأمنية التي كانت تحيط بآخر معاقله في الشرق السوري؛ ومن ثم استطاعته اختراق مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً)؛ وهو التنظيم الذي يسيطر على معظم محافظة إدلب.
التقارير التي استبعدت خروج البغدادي عن هاتين المنطقتين، تناولت أيضاً الحالة الصحية الحرجة التي يمر بها البغدادي، وهو ما أكدته الاستخبارات العراقية نهاية تموز الماضي حينما قالت أن البغدادي أصيب بقصف عراقي استهدف مكان إقامته، وبأن القصف حينها أدى إلى إصابة البغدادي بشلل في الأطراف، بحسب العراقيين.
قد يهمك: تحذيرات من عودة ظهور "داعش" في الشمال السوري
محافظة إدلب وتحديدا قرية باريشا (شمال المحافظة) كانت المستقر الأخير للبغدادي، وهي القرية التي تكاد تكون معروفة، وباتت الآن الحديث عنها يشغل الوكالات الإخبارية.
و تقع باريشا على مسافة تقل عن 5 كيلومتر عن الحدود التركية، و أما المنزل الذي كان يقطنه البغدادي و استهدفته غارة للقوات الأميركية الخاصة فيقع على أطراف القرية المحاطة ببساتين الزيتون.
كما تقع هذه المنطقة الجبلية على بعد 25 كلم شمال مدينة إدلب، عاصمة المحافظة، ويعيش في القرية نحو 7 آلاف نسمة، وتبعد القرية نحو 5 كيلومترات شرق بلدة قلب لوزة التي تعد واحدة من نحو 40 قرية مدرجة على لوائح منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونيسكو" للتراث العالمي، وفيها كنيسة بيزنطية يقال إنّها ألهمت باني كاتدرائية نوتردام في باريس.

والمنطقة تعتبر بعيدة عن مناطق سورية انتشرت فيها قوات أميركية دعما لوحدات حماية الشعب الكردية ضمن إطار الحرب على تنظيم "داعش"، حيث اختبأ العديد من مقاتلي التنظيم خلال العمليات العسكرية التي دعمتها واشنطن للقضاء عليهم، وشكّلوا خلايا نائمة.
و روى سكان من قرية باريشا، ما شاهدوه ليلة قتل البغدادي، ومن بين السكان جيران للمنزل الذي استهدفته القوات الأميركية، والذي الذي كان يعيش فيه البغدادي.

وكان أبوأحمد نائماً بهدوء في منزله الواقع على بعد بضعة أمتار من الموقع الذي نفذ فيه الإنزال، حينما استفاق على صوت طلقات نارية على بعد عشرات الأمتار.
وقال الرجل الخمسيني لوكالة الأنباء الفرنسية: "سمعنا بعد ذلك شخصاً يتكلم بالعربية مردداً أبومحمد سلم نفسك». وأضاف أنه سمع «صوت أشخاص يتكلمون بلغة أجنبية" أيضاً، ودامت العملية نحو ثلاث ساعات ثم انتهت بعد قصف جوي، وفق ما أوضح شهود، وأكد أبوأحمد سماعه لأصوات طائرات حربية.

ويقول الجيران إن البيت الذي اُستهدف بالعملية كان يعيش فيه رجل شديد التكتم، قدّم نفسه باسم أبومحمد، يعمل "موزعاً لمواد غذائية"، وقال إنه نازح من ريف محافظة حلب المجاورة.
ويروي أبوأحمد، وهو أيضاً نازح من محافظة حمص، أنه لم تجمع بينهم وبين هذا الجار سوى "التحية"، وأضاف: "نحن بطبيعتنا أشخاص اجتماعيون، كنا نحاول أن نبني علاقة معه وندعوه لزيارتنا لكن لم ننجح في ذلك"، وأشار إلى أن جاره كان يغادر بيته منذ الصباح حتى وقت متأخر ليلاً، ولم ير الجيران أطفالاً أو نساء في منزل أبومحمد.