تقارير وتحقيقات | 16 10 2026
لودي علي
ينشر هذا التقرير في إطار الشراكة الإعلامية بين روزنة وملتقى خبز ونت ٢٠٢٦
في ظل الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي، لم تعد منظومات المعلومات كما كانت؛ فقد اختلّت المعادلة بين ما يُنشر وما يمكن الوثوق به، وبات الصحفيون في غرف الأخبار يواجهون سؤالًا مباشرًا: كيف نميّز الحقيقة من الزيف، لا سيما في زمن الحروب؟ في هذه السياقات، تتحوّل الصحافة القائمة على الأدلة إلى خط دفاع أخير في مواجهة توظيف المعلومات سلاحًا. لكن أدوات التحقق تتطلب معرفة تقنية وموارد لا تملكها معظم غرف الأخبار. ورغم ذلك، لا يزال صحفيو المنطقة العربية يقاومون ويبتكرون، وإن كان ذلك غالبًا من دون تنسيق إقليمي أو دعم كافٍ.
التكنولوجيا في توثيق جرائم الحرب
«في كثير من الأحيان، لا توفر الأدوات التقليدية أدلة دامغة لتوثيق الجرائم التي قد ترقى إلى جرائم حرب، وهنا نستخدم الأدوات التكنولوجية التي تساعد، على سبيل المثال، في تحديد المواقع والاستعانة بالخرائط». بهذه الكلمات تصف إيناس شري، الصحفية في «المفكرة القانونية»، لروزنة واقع العمل على توثيق الانتهاكات.
وتؤكد شري أن «استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي سيف ذو حدين. يجب أن يستفيد الصحفي من الأدوات التكنولوجية وأدوات الذكاء الاصطناعي، فهناك تقنيات ستفرض نفسها مستقبلًا في غرف الأخبار. لكن السؤال يتعلق بالعدالة بين المجتمعات التي تعاني من مشكلات في الاتصال بالإنترنت، وتلك التي لا يمتلك صحفيوها التدريب الكافي. هنا ستنشأ فجوة: فهل سيتمكن جميع الصحفيين من استخدام هذه الأدوات، التي من المؤكد أنها ستطوّر العمل وترفع مستوى الاحترافية فيه؟ إن غيابها قد يعيق العمل، لا سيما في ما يتعلق بالحصول على الأدلة اللازمة لتوثيق جرائم الحرب».
من جهتها، توضح المحامية غيدا فرنجية، من «المفكرة القانونية»: «نعمل على توثيق جرائم الحرب التي تحدث في لبنان، ونستند إلى التكنولوجيا التي تساعدنا على التحقق من صحة الأدلة، سواء في المصادر المفتوحة أو المغلقة».
وتضيف أن «استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي له تأثير كبير جدًا في العمل الصحفي؛ إذ يمكن أن يسهم، أولًا، في حماية الصحفيين والحفاظ على سلامتهم عندما يكونون في مواقع خطرة، خاصة في مناطق النزاع. لكنه، في الوقت نفسه، قد تكون له آثار سلبية، إذ يمكن أن يسهّل رصد الصحفيين واستهدافهم، كما حصل مؤخرًا مع الصحفية أمل خليل».
الذكاء الاصطناعي: وقت موفّر يُنفق على التحقق
«ساعد الذكاء الاصطناعي كثيرًا في عمل الصحفيين، ووفّر وقتًا طويلًا، سواء في تفريغ المقابلات أو الترجمة أو جمع البيانات الضخمة وتحليلها. لكنه خلق، في الوقت نفسه، تحديات ومشكلات أخرى؛ فالوقت الذي وفّره من جهة، نستهلك جزءًا منه في التحقق من المعلومات المضللة والمصادر والصور ومقاطع الفيديو، لأن الذكاء الاصطناعي قد يهلوس ويقدّم معلومات غير صحيحة».
بهذه الكلمات تختصر سجى مرتضى، مديرة الشبكة العربية لمدققي المعلومات، التابعة لشبكة أريج، في تصريح لروزنة، المفارقة التي يعيشها الصحفي العربي.
وتضيف أن «الذكاء الاصطناعي أسهم بشكل كبير في زيادة التضليل وانتشاره، كما أسهم في تراجع الثقة بالصحافة. وهناك أيضًا مشكلة تتعلق بحماية بيانات الصحفيين عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، فضلًا عن ضعف الوعي بكيفية استخدامها».
وتشير مرتضى إلى أن «العالم العربي متأخر عن بقية العالم في هذا المجال، ويواجه تحديات إضافية مرتبطة بالبنية التحتية والأوضاع الأمنية والسياسية، تعيق التطور. وهذا يفرض علينا بذل جهود أكبر حتى نتمكن من مواكبة هذه التحولات».
الحاجة إلى ضوابط وحماية للصحفيين
من جهتها، تقول لارا عاصي، الصحفية المتخصصة في التكنولوجيا في صحيفة «المدن»: «الصحفيون اليوم بحاجة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي، فهو يوفّر الوقت في جمع البيانات والوصول إليها».
لكنها تشير، في الوقت نفسه، إلى أن «الذكاء الاصطناعي لا يخضع اليوم لضوابط كافية، سواء على مستوى الحكومات أو داخل غرف الأخبار، وقد يستخدمه البعض بطرق غير أخلاقية. ويختلف الوضع في البلدان المتقدمة، حيث توجد ضوابط وقوانين واضحة. وهذا يفرض علينا بذل جهود على المستوى الفردي في البداية، ثم الضغط باتجاه دفع وسائل الإعلام والحكومات إلى اتخاذ خطوات لاحقًا. كما نواجه تحديات تتعلق بتدريب الصحفيين على استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة مفيدة ومنضبطة».
بين التسهيل ومخاطر التضليل
بين وعود التسهيل ومخاطر التضليل، يقف الصحفي العربي أمام تحدٍّ مزدوج: كيف يستفيد من الذكاء الاصطناعي من دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية والمهنية؟
لا تكمن الإجابة في التكنولوجيا وحدها، بل تتطلب تنسيقًا إقليميًا، وبناء القدرات، ووضع ضوابط واضحة تحمي الصحفيين وبياناتهم، وتضمن الاستخدام المسؤول لهذه الأدوات، بحيث تبقى الصحافة القائمة على الأدلة خط دفاع أساسيًا في مواجهة التضليل، وحماية الحقيقة في زمن الحروب.
و انطلقت فعاليات ملتقى «خبز ونت» في بيروت، يوم الأربعاء 14 تشرين الأول 2026، بسلسلة من الجلسات المرتبطة بالحقوق الرقمية، بمشاركة مهتمين وناشطين في هذا المجال. وكان استخدام الذكاء الاصطناعي، لا سيما في العمل الإعلامي، من أبرز الموضوعات التي ناقشها المشاركون في اليوم الثاني للملتقى، إلى جانب القوانين الناظمة للعمل الإعلامي وتلك التي تحكم الفضاءات الرقمية.
وتُعقد النسخة الثامنة من الملتقى تحت شعار «فضاءات نتخيلها»، بمشاركة عشرات الصحفيين والأكاديميين وصنّاع المحتوى، على مدى ثلاثة أيام، وتتضمن 90 جلسة تناقش السيادة الرقمية، وأثر التكنولوجيا على المجتمع والاقتصاد، والخصوصية وحرية التعبير، واستخدام الذكاء الاصطناعي، والقوانين الناظمة للفضاء الرقمي.
