"رجعت لنقطة الصفر".. مراهقة الفتيات ذوات التوحد خارج حسابات الرعاية

نساء | 27 08 2026

داليا محمد

كانت آلاء عبد الصمد تعرف كيف تهدّئ ابنتها ميرا، وما الذي يزعجها، وأي روتين يجعل يومها أكثر استقراراً. ثم بدأت المراهقة تغيّر القواعد التي بنتها الأم طوال سنوات.

لم تعد ميرا، ذات اضطراب طيف التوحد، تتقبل وجود الآخرين كما في السابق. أصبحت أكثر حساسية، تنسحب أحياناً إلى غرفتها، وقد تقود كلمة "لا" إلى نوبة غضب. أما آلاء، فوجدت نفسها أمام ابنة تعرفها جيداً، لكن عليها أن تتعلم احتياجاتها من جديد.

تقول في حلقة من برنامج "أنتِ قدها" على هوا روزنة: "حسيت إني رجعت لنقطة الصفر. لازم أعرف كيف بدي أتعامل مع ميرا الجديدة".

لم تبدأ الدورة الشهرية لدى ميرا بعد، لكن آلاء بدأت الاستعداد لها. تسأل أطباء ابنتها عن التغيرات المقبلة، وكيف يمكنها مساعدتها على فهم جسدها والتعامل مع تقلبات المزاج. وتفتح المرحلة أسئلة أخرى تتعلق بالعناية بالنفس، وخصوصية الجسد، والقدرة على طلب المساعدة والقبول والرفض.

مع البلوغ، لا تكبر الفتاة ذات اضطراب طيف التوحد وحدها؛ تكبر احتياجاتها الصحية والنفسية والتأهيلية أيضاً. لكن بينما يتغير جسدها في موعده، لا تجد أسر كثيرة مساراً واضحاً يرافق الانتقال من خدمات الطفولة إلى احتياجات المراهقة.

حين يكبر الجسد قبل أن تتغير أدوات الرعاية

اضطراب طيف التوحد حالة نمائية عصبية تستمر مدى الحياة، وتختلف مظاهرها واحتياجات الدعم المرتبطة بها من شخص إلى آخر. وقد يؤثر في التواصل والتفاعل الاجتماعي وطريقة استقبال المثيرات الحسية وفهم العالم المحيط.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن احتياجات الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد تتباين وقد تتغير بمرور الوقت، ما يتطلب تعاون قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، بدلاً من حصر التدخل في سنوات الطفولة.

بالنسبة إلى ميرا، لا تعني المراهقة أن جسدها يكبر فقط، بل إن الطريقة التي اعتادت والدتها قراءة سلوكها من خلالها لم تعد تمنحها دائماً الإجابة.

تقول آلاء إنها كانت قد وصلت إلى مرحلة تعرف فيها كيف تساعد ابنتها عندما تغضب، وكيف ترتب روتينها، قبل أن تشعر بحدوث "تحول في الشخصية". ما كان مقبولاً في السابق أصبح يسبب التوتر، كما ازدادت حساسيتها الجسدية وظهرت تصرفات جديدة على الأم.

وتوضح الدكتورة أسمهان صالح خليل، الأستاذة الجامعية والمعالجة السلوكية لاضطراب التوحد، أن المراهقة لا تتوقف عند التشخيص. فجسد الشخص المصاب باضطراب طيف التوحد يكبر ويمر بالتغيرات الهرمونية والجسدية والاجتماعية نفسها، لكن طريقة استيعاب تلك التغيرات والتواصل بشأنها قد تكون مختلفة.

وبحسب أسمهان، يمكن للتغيرات الهرمونية أن تزيد الحساسية الحسية، فيما قد تكون الدورة الشهرية أكثر إرباكاً أو ألماً لدى بعض الفتيات، ولا سيما عندما تكون قدرتهن على وصف ما يشعرن به أو معرفة كيفية تهدئة أنفسهن محدودة.

وتقول: "الجسم عم يكبر بطريقة طبيعية... الهرمونات والتغيرات الجسمية والاجتماعية والعواطف كلها نفسها، ولكن طريقة استيعاب جسمي لهالمعلومات وقدرتي على التواصل تختلف".

وتنسجم هذه الملاحظات مع ما توصلت إليه دراسة نشرتها مجلة Archives of Women's Mental Health عام 2024، إذ خلصت إلى أن البلوغ لدى المصابين بالتوحد قد يسلك مساراً مختلفاً عن غير المصابين، ورصدت اختلافات في توقيت بعض مؤشرات النضج ومساره، كما ربطت تفاوت التطور البلوغي بارتفاع مشكلات الصحة النفسية، ما يعزز أهمية التعامل مع هذه المرحلة بوصفها مرحلة لها احتياجاتها الخاصة.

دورة شهرية تستعد لها الأم قبل أن تبدأ

لم تبدأ الدورة الشهرية لدى ميرا بعد. لكن آلاء بدأت تسأل أطباءها منذ الآن عما يمكن أن تفعله عندما تبدأ، وكيف تساعد ابنتها في التعامل مع تقلبات المزاج والتغيرات التي قد لا تفهم أسبابها.

تقول: "بلشت من هلا أتواصل مع دكتورها: أنا شو فيني أعمل في حال صار عندها الدورة الشهرية؟ شو فيني أعمل هلا مثلاً بتقلبات المزاج؟ كيف بقدر أساعدها لحتى تضل مرتاحة؟".

تزداد صعوبة المهمة لأن ميرا لا تستخدم الكلام في تواصلها، وتفهم، وفق والدتها، الجمل الأساسية والبسيطة. ولا تستطيع آلاء الاعتماد على حوار طويل تشرح فيه معنى النزف أو الألم أو كيفية استخدام الفوط الصحية، بل تحتاج إلى أدوات تناسب قدرة ابنتها على الفهم والتواصل.

وتشير أسمهان إلى أن بعض الفتيات قد يشعرن بالخوف من التغيرات التي تطرأ على أجسادهن عندما لا يفهمن ما يحدث. لذلك تدعو إلى شرح البلوغ بطريقة مبسطة ومرئية تتناسب مع احتياجات كل فتاة، بدلاً من تفادي الموضوع بسبب الحرج أو الاعتقاد بأن المعلومة لن تصل.

وتقول إن حساسية الحديث عن الجسد والدورة الشهرية تدفع بعض الأسر إلى تأجيله، لكن تجنب الموضوع لا يساعد الفتاة، ولا سيما عندما تكون فرص حصولها على المعلومات من الأصدقاء أو من التعلم الاجتماعي محدودة.

لا تتحدث آلاء عن برنامج تأهيلي واضح يهيئ ميرا لهذه المرحلة. ما تملكه حتى الآن هو أسئلتها، ومتابعتها مع الأطباء، ومحاولتها فهم كل تغير جديد في سلوك ابنتها.

التربية الجنسية تبدأ من كلمة "لا"

لا يقتصر الاستعداد للبلوغ على معرفة الدورة الشهرية. فمع نمو الجسد، تصبح العناية بالنفس والخصوصية وفهم حدود اللمس والقدرة على قبول تصرف ما أو رفضه جزءاً أساسياً من حماية الفتاة.

وتؤكد أسمهان أن التربية الصحية والجنسية لا تقتصر على الأطفال القادرين على الكلام أو ذوي احتياجات الدعم الأقل. فالمعلومات، بحسب قولها، يجب أن تقدم للجميع بما يلائم قدراتهم، وأن تبدأ من قواعد بسيطة مثل حماية الجسد، والقبول والرفض، ومهارات الاستقلال والعناية بالنفس.

تقول: "لو شو ما كانن قدراتهم، مهم نتطرق لموضوع التربية الصحية الجنسية... اللي بتبلش بحماية النفس، والقدرة على القبول والرفض، ومهارات الاستقلال".

وتربط أسمهان هذه المهارات بالشعور بالأمان، موضحة أن الاستقلال المستقبلي لا يبدأ من العمل أو الدراسة، بل من معرفة الشخص بجسده وقدرته على العناية به والتعبير عن احتياجاته.

وتقول: "بلا الشعور بالأمان ما فينا نكفي لمراحل أعلى"، مشيرة إلى أن الأسرة لن تتمكن من الوصول إلى استقلال الابنة مستقبلاً إذا لم تكن لديها مهارات مرتبطة بأمان الجسد والعناية به.

وبذلك لا تبقى مهارات مثل إغلاق باب الحمام، أو الاستحمام، أو تنظيف الجسد شؤوناً يومية فقط، بل تصبح جزءاً من حماية الخصوصية وتقليل الاعتماد الكامل على الآخرين.

وتدعو أسمهان إلى البدء بهذه المهارات مبكراً. وتقول إن تعليم مهارة مثل الاستحمام باستقلالية قد يستغرق عاماً، لكن البدء في الطفولة يمنح الفتاة وأسرتها وقتاً قبل أن يصبح الجسد أكبر والاحتياجات أكثر خصوصية وتعقيداً.

عندما يصبح السلوك لغة للألم

لا تعرف آلاء دائماً ما الذي يقف خلف غضب ميرا أو انسحابها. لذلك تقول إنها تبدأ بمحاولة فهم مشاعر ابنتها والتغيرات التي تمر بها، بدلاً من إجبارها على العودة إلى الطرق القديمة.

وتضيف: "ما بدي أخليها تعمل هيك أو أصلحها، بدي أفهم مشاعرها وأتقبلها، وألاقي طريقة تتماشى مع ميرا الجديدة".

أما أسمهان، فتوضح أن التمييز بين التغيرات المعتادة للمراهقة وبين مشكلة صحية أو نفسية أخرى يحتاج إلى معرفة دقيقة بتاريخ الفتاة وسلوكها: هل كانت نوبات الغضب أو العزلة موجودة من قبل؟ هل ظهر السلوك فجأة؟ وهل طرأ تغير غير مفسر يستحق البحث؟

وترى أن التغيرات المفاجئة لا ينبغي تجاهلها، حتى لو لم يظهر في النهاية سبب صحي واضح، لأن التغير السلوكي قد يكون طريقة الجسد في التعبير عن ضيق أو تجربة لا يستطيع الشخص وصفها بالكلام.

حين تتحول الأسرة إلى بديل عن نظام الرعاية

منذ تشخيص ميرا في الثانية من عمرها، تعلّمت آلاء أن تكون أماً ومعلمة وباحثة ومدافعة في الوقت نفسه. راقبت تعامل المعالجين مع ابنتها، وحاولت نقل ما تتعلمه إلى المنزل، ثم أدركت مع الوقت أن هدفها ليس تحويل ميرا إلى نسخة تشبه الآخرين.

تقول: "انتقل تفكيري من إني شايفتها شخص لازم أغيره، لشخص لازم أفهمه".

لكن كل مرحلة جديدة تعيد إليها عبء البحث. تقرأ المصادر، وتتواصل مع المختصين، وتتابع حالة ميرا مع طبيب نفسي وطبيب أعصاب وطبيبتها الأساسية، وتحاول التمييز بين التغير الطبيعي والحاجة إلى تدخل علاجي.

وتصف نفسها بأنها في حال تأهب مستمر: "ما في استراحة... دائماً عم حاول لاقي حلول، أحكي دكاترة، وأراعي المشاعر والتقلبات".

لا يتعلق الأمر بقوة استثنائية لدى الأم، بل بفراغ تضطر إلى ملئه. فعندما لا يوجد مسار واضح ينتقل بالفتاة من خدمات الطفولة إلى رعاية المراهقة، تصبح الأسرة هي من تجمع أجزاء الرعاية المتفرقة: طبيب للأعصاب، وآخر للصحة النفسية، ومعلومات عن الدورة، وتدريب على العناية بالجسد، ثم أسئلة عن التعليم والعمل والاستقلال.

تتحدث آلاء عن غياب مركز متخصص يمكنها العودة إليه مع ابنتها في حمص. وتقول إن نقص الخدمات يحوّل الأسرة إلى بديل عن المؤسسة: "أنت بدك تكوني المدرسة، وأنت بدك تجيبي الوسائل، وأنت بدك تكوني كل شيء. بس هي بالنهاية بحاجة لاختصاصي".

ولا تبدو تجربتها منفصلة عن واقع أوسع. ففي تقرير لروزنة شهر نيسان الفائت، وصف عضو الحراك السوري للإعاقة، مصطفى دنو، واقع الأطفال ذوي التوحد في سوريا بالصعب، رغم مصادقة الدولة على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2009.

وأشار دنو، استناداً إلى إجابات جُمعت بالتشاور مع عائلات في الحراك، إلى استمرار وجود فجوة كبيرة بين الالتزامات القانونية والتطبيق، ولا سيما في التشخيص المبكر والتأهيل والدعم النفسي والتعليم الدامج. كما تحدث عن محدودية الخدمات أو ارتفاع تكلفتها، واضطرار الأهالي إلى تحمل العبء الأكبر، وسط ضغوط الحرب والنزوح وضعف البنية الخدمية والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالتوحد.

ورغم افتتاح مراكز جديدة وازدياد الاهتمام الإعلامي، رأى دنو أن غياب خطة وطنية شاملة يحدّ من فعالية الجهود، مشيراً إلى أن وضع الخدمات في دمشق أفضل نسبياً من المحافظات والأرياف، حيث تزداد ندرة الموارد وصعوبة الوصول إلى المختصين، إلى جانب ضعف كفاءة بعض الكوادر العاملة مع الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد.

وأعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، في تصريح لوكالة "سانا" بالشهر نفسه، افتتاح مراكز بدعم من وزارة الصحة في دمشق وحماة، والعمل على تطوير المرافق وتعزيز الخدمات بما يحقق، وفق تعبيرها، تمكين أطفال التوحد وضمان عيشهم بكرامة.

كما قالت إن الوزارة تعمل على صياغة سياسات وبرامج داعمة تهدف إلى تعزيز استقلال الأشخاص المصابين بالتوحد واندماجهم في المجتمع، من دون الإشارة إلى افتتاح مراكز في محافظات أخرى، بينها حمص.

وتكشف الأرقام الرسمية المتاحة بدورها محدودية البيانات. ففي عام 2023، قالت مسؤولة برنامج الصحة النفسية في وزارة الصحة السورية أمل شكو إن عدد الحالات المسجلة سنوياً ازداد من 1130 حالة عام 2018 إلى 3803 حالات عام 2019، ثم إلى 4603 عام 2021 و5167 حالة عام 2022. لكن هذه الأرقام تجمع بين حالات التوحد والإعاقة الذهنية، من دون توضيح عدد الحالات الخاصة بالتوحد وحده.

وفي قطاع التعليم، تحدث وزير التربية محمد تركو عن وجود 359 مدرسة تستقبل نحو 240 طفلاً من المصابين بطيف التوحد، في وقت تشير فيه الأرقام المعلنة إلى تسجيل آلاف الحالات سنوياً.

لا تكفي تجربة آلاء وحدها لقياس انتشار الخدمات أو جودتها في البلاد، لكن اقترانها بغياب البيانات المفصلة والخطة الوطنية الشاملة يكشف ما يحدث عندما تصل الفتاة إلى مرحلة تتطلب خبرات متعددة، ولا تجد أسرتها مساراً واحداً يجمعها.

ماذا يحدث بعد الثامنة عشرة؟

لا تتوقف أسئلة آلاء عند الدورة الشهرية. فهي تفكر أيضاً في مستقبل ميرا: أين يمكنها أن تتعلم مهارات تساعدها على الاستقلال، وماذا سيحدث لها إذا غاب والداها؟

ما تخشاه ليس اختلاف ابنتها، بل مستقبلاً لا يوفر لها ما يكفي من الدعم والتعلم، ويترك حياتها مرتبطة بالكامل بوجود الأسرة.

لكن هذه الفجوة لا تبدأ عند الثامنة عشرة، بل قبل ذلك بسنوات، عندما يكبر جسد الفتاة ولا تكبر معه خطة الرعاية. بدأت آلاء بالفعل في تعلّم ميرا من جديد، لكن عودتها إلى نقطة الصفر لا ينبغي أن تعني أن تبدأ وحدها.

فإذا كان البلوغ مرحلة متوقعة من مسار النمو، فلماذا تصل إليه الفتيات ذوات اضطراب طيف التوحد وعائلاتهن كأنه مفاجأة لم تستعد لها أنظمة الصحة والتأهيل؟

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

بعد صدور الأحكام الأولى.. هل أنت راض عن مسار المحاسبة في سوريا؟

نعم
لا
إلى حد ما / لا أستطيع التقييم الآن
close icon