نساء | 26 08 2026
روزنة
عندما تختصر مها سنوات زواجها العشر بعبارة "صعبة كثير"، فهي تذكر الضرب والإهانة والحرمان. لكن قرار الانفصال لم ينهِ ضغطها؛ خرجت مع أطفالها الخمسة لتسمع من محيطها أنها لا تستطيع تربيتهم أو الإنفاق عليهم.
تقول في إحدى حلقات برنامج أنت قدها على روزنة إن العبارات تكررت بعد الطلاق: "إنتِ ما فيك تربي أولاد"، و"بكرا بس يكبروا رح يرجعوا عند والدهم".
تجربة مها لا تختصر واقع جميع الأمهات بعد الطلاق، لكنها تطرح سؤالاً عن دور العائلة عندما تخرج امرأة من زواج مؤذٍ: هل تصبح شبكة دعم تساعدها على البدء من جديد، أم جهة أخرى تشكك في قدرتها على اتخاذ القرار؟
في تجربة أخرى، عادت ريتا إلى منزل أهلها وهي تحمل طفلة لم يتجاوز عمرها شهرين. لم يطلب منها أهلها أن تختار بين ابنتها وحياتها، بل ساعدوها على تربية الطفلة، ووقفوا إلى جانبها كي تستمر في عملها معلمة في إحدى المدارس.
اليوم، أصبحت ابنتها في العاشرة، لكن والدها لم يرها منذ خروجها من منزله، كما تقول لروزنة. يرسل نفقة شهرية لا تتجاوز 50 ألف ليرة سورية، ولا يسأل عن تفاصيل حياتها أو احتياجاتها.
بين مها التي اضطرت إلى الابتعاد عن أهلها لتحافظ على أطفالها، وريتا التي تمكنت من العمل لأن أهلها تقاسموا معها أعباء الرعاية، تظهر العائلة بوصفها عاملاً قد يغيّر حياة الأم بعد الطلاق إما أن تصبح المكان الذي تستعيد فيه قوتها، أو جهة أخرى تضغط عليها بعدما خرجت من علاقة مؤذية.
عشر سنوات من "لازم تتحملي"
لم تتخذ مها قرار الانفصال سريعاً. بقيت في الزواج عشر سنوات، لأن الرسالة التي سمعتها كانت واضحة: ما دامت تزوجت وأنجبت، فعليها أن تتحمل.
لم يقتصر الأمر على لومها بسبب الطلاق، بل امتد إلى التشكيك بقدرتها على الأمومة. وتقول إن شقيق طليقها عرض عليها مبلغاً مالياً مقابل أن تتنازل عن الأطفال، وهو ما رفضته.
اختارت مها الابتعاد عن أهلها والسكن مع أطفالها في مكان آخر. تعمل لتأمين احتياجاتهم، وأحياناً في مناوبات ليلية، فيما يبقى قلقها منصباً على من يرعاهم خلال غيابها.
وتقول إنها لم تطالب بنفقة حتى الآن، إذ كانت تريد الخروج من العلاقة والعيش مع أطفالها بهدوء. لكن الاستقلال يحتاج إلى دخل ثابت، وغياب هذا الدخل قد يعيد بعض الأمهات إلى بيت العائلة، حيث يمكن أن تتحول المساعدة إلى سلطة على قراراتهن.
أطفال مهددون بخسارة المدرسة
ظهر النزاع في أوراق أطفال مها أيضاً. تقول إنها لم تتمكن حتى الآن من استكمال تسجيلهم رسمياً، لأن والدهم يرفض التعاون في المعاملة، وتخشى أن يحرمهم ذلك من المدرسة للعام الثاني.
"بهذا الشي عم يأذي أولاده.. الطفل رح ينحرم من المدرسة. إنت عم تأذيه، ما عم تأذيني"، تقول مها.
لا يمكن تعميم حالتها على معاملات تسجيل جميع الأطفال، إذ تختلف الإجراءات بحسب تثبيت الزواج والوثائق المتوافرة ووضع كل أسرة. لكنها تكشف كيف قد يصل خلاف الوالدين إلى حق الطفل في التعليم والأوراق الرسمية.
دعم العائلة غير المسار
في تجربة أخرى، عادت ريتا إلى منزل أهلها وهي تحمل طفلة لم تتجاوز شهرها الثاني. كانت قد انفصلت عن زوجها بعد زواج دام نحو عام ونصف.
تقول إن زوجها اختارها لتكون "ست بيت"، وكان يضغط عليها للحمل مجدداً لأنه يريد ولداً، رغم أن طفلتهما لم تكن قد تجاوزت شهرين. وكان يعمل في محافظة أخرى ورفض أن يأخذها وطفلتها للعيش معه، قبل أن تكتشف أنه يعيش مع امرأة أخرى. وحين واجهته، قال لها: "هذا الموجود".
طلبت ريتا الطلاق، فعادت إلى منزل أهلها. هناك تقاسموا معها رعاية طفلتها، ما أتاح لها متابعة عملها معلمة في مدرسة.
اليوم وبعد نحو عشر سنوات على الطلاق، تقول إن والد الطفلة لم يرها منذ خروجها من منزله، ولا يسأل عن دراستها أو صحتها، ويرسل نفقة شهرية لا تتجاوز 50 ألف ليرة سورية.
لا تتعلق المقارنة بين مها وريتا بقدرة أي منهما على الأمومة، بل بالشروط التي واجهتها كل واحدة بعد الانفصال. فدعم عائلة ريتا منحها وقتاً للعمل ورعاية مشتركة لطفلتها، بينما دفعت مها إلى مواجهة الرعاية والإنفاق والضغط العائلي معاً.
حين تتحول العائلة من قاضٍ إلى سند
ترى المختصة الاجتماعية غدران النجم أن كثيراً من الضغوط على المطلقات ترتبط بنظرة تعتبر عودة المرأة مع أطفالها إلى بيت أهلها عبئاً اقتصادياً، أو تخشى من نزاعها مع عائلة الزوج بشأن الحضانة والنفقة.
وتقول في حلقة من برنامج أنتِ قدها على روزنة إن المطلوب أن تتحول العائلة "من قاضٍ إلى شبكة أمان"، فتدعم ابنتها في استرداد حقوقها، وتساعدها على العمل ورعاية أطفالها، بدلاً من التعامل مع الطلاق بوصفه عاراً.
وترى غدران أن الاستقلال المالي ضروري، لكنه لا يكفي دائماً؛ إذ قد تواجه المرأة ضغطاً جديداً حين تحاول اتخاذ قراراتها بعيداً من سلطة الزوج أو الأب أو الأخ.
الأم ترعى.. لكن من يملك القرار؟
يمنح قانون الأحوال الشخصية السوري الأم الأولوية في الحضانة، أي الرعاية اليومية، وقد وحّد تعديل عام 2019 سن انتهائها عند 15 عاماً للإناث والذكور. لكن الحضانة لا تعني امتلاك الولاية أو القدرة الكاملة على إنجاز الإجراءات القانونية المتعلقة بالطفل.
وعاد الجدل حول هذه الفجوة بعد تعميم أصدرته وزارة العدل في كانون الأول 2025، أكد ترتيب الولاية بدءاً من الأب ثم الأقارب الذكور من جهته. وقد أثار التعميم اعتراضات بسبب ما يخلقه من صعوبات أمام الأم الحاضنة عندما يكون الأب غائباً أو منقطعاً عن التواصل، بينما قال القاضي الشرعي الأول في دمشق إن الأم تستطيع استخراج جواز سفر للقاصر، لكن السفر يتطلب موافقة الوالدين أو من يحل محل الأب من العصبات عند غيابه.
كما يحمّل القانون الأب نفقة أطفاله إذا كان قادراً على الكسب، ولا تنتهي النفقة بانتهاء الحضانة، لكن حالة ريتا تطرح سؤالاً عن الفارق بين وجود النفقة وقدرتها الفعلية على تغطية احتياجات طفلة في العاشرة.
وتنص اتفاقية حقوق الطفل، التي صادقت عليها سوريا، على أن تكون مصلحة الطفل الفضلى اعتباراً أساسياً في القرارات المتعلقة به. إلا أن المصلحة لا تتحقق بمجرد تحديد من يحتفظ بالطفل؛ بل في ضمان أوراقه وتعليمه ونفقته واستقراره، وفي منح من يرعاه فعلياً القدرة على حماية هذه الحقوق.
في الحالتين مها وريتا، بقيت الأم مسؤولة عن الرعاية اليومية. لكن ما اختلف هو مقدار الدعم المتاح لها، وقدرتها على اتخاذ قرارات تخص أطفالها من دون أن تتحول حاجتها المادية أو الإجراءات القانونية إلى وسيلة ضغط جديدة.



