خدمي | 24 07 2026
يمثل الاستجواب إحدى أهم مراحل الدعوى الجزائية، لأنه قد يؤثر بشكل مباشر في مسار التحقيق والقرار القضائي النهائي.
ولذلك أحاط القانون السوري إجراءات الاستجواب بمجموعة من الضمانات التي تهدف إلى حماية حقوق المتهم، وضمان أن تكون أقواله صادرة بإرادته الحرة، بعيداً عن أي ضغط أو إكراه.
ورغم أن كثيراً من الأشخاص يعتقدون أن ما يقال في المخفر يحسم القضية، فإن الواقع القانوني مختلف، إذ يميز القانون بين الإجراءات الأولية التي تقوم بها الضابطة العدلية، والاستجواب القضائي الذي يجري أمام قاضي التحقيق، ويمنح الأخير سلطة واسعة في تقييم الأدلة والاعترافات.
ما هو الاستجواب قانوناً؟
الاستجواب هو إجراء قانوني يتمثل في توجيه أسئلة إلى المتهم بشأن الوقائع المنسوبة إليه، ومنحه فرصة للرد عليها وإبداء دفاعه.
ويختلف الاستجواب بحسب الجهة التي تجريه:
- أمام الضابطة العدلية (المخفر): يكون الهدف جمع المعلومات الأولية وتدوين أقوال المشتبه به، وتتمتع هذه الأقوال بقيمة استدلالية فقط.
- أمام قاضي التحقيق: يصبح الاستجواب أكثر تفصيلاً، ويستند إلى الأدلة الموجودة في الملف، ويشكل مرحلة قضائية أساسية في سير الدعوى.
هل يعتبر ضبط الشرطة دليلاً نهائياً؟
لا تعد الأقوال التي تُدون في المخفر ملزمة لقاضي التحقيق، وإنما دليل استدلالي يمكن للقاضي أن يأخذ به أو يطرحه جانباً بحسب الأدلة الأخرى الموجودة في القضية.
ولهذا كثيراً ما يعيد المتهم شرح الوقائع أمام قاضي التحقيق، وقد يغيّر أقواله إذا كانت قد انتزعت تحت ضغط أو خوف أو نتيجة سوء فهم.
وإذا أدلى المتهم باعتراف أثناء التحقيق الأولي ثم أوضح أمام قاضي التحقيق أن اعترافه كان نتيجة ضغط أو إكراه أو تعذيب، فإن للقاضي أن يتحقق من صحة هذا الادعاء، ولا يكون ملزماً بالأخذ بالاعتراف السابق.
كما أن الاعتراف وحده لا يكفي للإدانة، وإنما يجب أن تؤيده أدلة أخرى تتفق معه.
ما قيمة الاعتراف المنتزع تحت التعذيب؟
يحظر القانون انتزاع الاعتراف باستخدام العنف أو التهديد أو أي وسيلة من وسائل الإكراه.
وإذا ادعى المتهم تعرضه للتعذيب، يستطيع أن يطلب:
عرضه على الطبيب الشرعي لإثبات الإصابات.
توثيق آثار التعذيب بتقرير طبي رسمي.
ملاحقة المسؤولين عن التعذيب وفق القوانين النافذة.
ولا يجوز للقاضي الاعتماد على اعتراف ثبت أنه انتزع بالإكراه.
أما إذا ظهرت على المتهم آثار إصابات، يستطيع قاضي التحقيق:
إحالته إلى الطبابة الشرعية.
طلب تقرير طبي يبين طبيعة الإصابات.
ضم التقرير إلى ملف الدعوى.
التحقيق في أسباب هذه الإصابات إذا كانت مرتبطة بإجراءات التوقيف أو التحقيق.
هل وجود المحامي إلزامي أثناء الاستجواب؟
يختلف الأمر بحسب المرحلة:
- في المخفر
وجود المحامي ليس إلزامياً، لكن يحق للمتهم توكيل محام، كما يجوز للمحامي طلب مقابلة موكله وفق الإجراءات القانونية، مع مراعاة الضوابط المعمول بها.
- أمام قاضي التحقيق
يصبح حضور المحامي ضمانة مهمة لحماية حقوق المتهم، وإن كان القانون لا يبطل الاستجواب في بعض الجنح البسيطة إذا جرى دون حضور محامٍ ولم يعترض المتهم.
هل يحق للموقوف التواصل مع عائلته؟
الأصل أن تعرف عائلة الموقوف مكان وجوده، لأن القانون يحظر حالات الإخفاء القسري.
أما الزيارات أو التواصل المباشر فقد تخضع لقيود مؤقتة في بعض القضايا الحساسة إذا كان ذلك ضرورياً لحماية سرية التحقيق، على أن يكون المنع مؤقتاً ومبرراً قانونياً.
مذكرة التوقيف: متى تصدر؟ وما مدتها؟
مذكرة التوقيف هي قرار يصدر عن الجهة القضائية المختصة لإيداع المتهم في التوقيف الاحتياطي أثناء التحقيق.
وتختلف مدة التوقيف بحسب نوع الجريمة، ففي بعض الجنح البسيطة توجد مدد محددة لإعادة النظر في التوقيف.
أما في الجنايات فقد يمتد التوقيف الاحتياطي لفترات أطول بحسب ظروف الدعوى والإجراءات القضائية.
كما يملك القاضي سلطة إصدار مذكرة توقيف غيابية إذا كان المتهم فاراً من العدالة.
ويجوز لقاضي التحقيق أو المحكمة المختصة إصدار قرار بإخلاء سبيل المتهم إذا توافرت شروطه القانونية، وقد يكون ذلك مقابل كفالة مالية يحدد قيمتها القاضي.
وتعتبر الكفالة ضماناً لحضور المتهم جلسات المحاكمة، وترد إليه إذا انتهت الدعوى وفقاً للقانون.
ولا يجوز للضابطة العدلية إعادة احتجاز الشخص من تلقاء نفسها بعد صدور قرار قضائي بإخلاء السبيل، لأن قرار التوقيف أو الإفراج يبقى من اختصاص القضاء.
هل يحق للمتهم الحصول على نسخة من ملف التحقيق؟
يجوز للمتهم أو لمحاميه طلب صورة عن أوراق الدعوى وفق الإجراءات القانونية.
أما تصوير جلسة الاستجواب أو تسجيلها بشكل شخصي فليس حقاً مقرراً، نظراً لما قد يحيط بالتحقيق من اعتبارات تتعلق بسرية الإجراءات وحماية الأدلة.
وقبل التوقيع على محضر الاستجواب، يحق للمتهم:
قراءة أقواله كاملة.
طلب تصحيح أي عبارة غير دقيقة.
الاعتراض على أي معلومة لم يدل بها.
الامتناع عن التوقيع إذا لم يعكس المحضر أقواله الحقيقية.
كما يستطيع إثارة هذه المسألة لاحقاً أمام قاضي التحقيق.
ما الأخطاء التي ينبغي تجنبها أثناء الاستجواب؟
من أكثر الأخطاء شيوعاً:
الإدلاء بمعلومات غير صحيحة.
المبالغة أو إخفاء وقائع مؤثرة.
الاعتقاد بأن تغيير الوقائع قد يؤدي إلى البراءة.
التوقيع على محضر دون قراءته.
عدم إبلاغ القاضي بأي ضغط أو إكراه تعرض له المتهم.
والأفضل دائماً أن تكون الأقوال دقيقة ومتسقة مع الحقيقة، لأن القاضي لا يبني قراره على الاعتراف وحده، وإنما على مجمل الأدلة.
وإذا أخطأ المتهم في أقواله أو أدلى بمعلومات غير دقيقة، فلا يمنعه ذلك من تصحيحها في مرحلة لاحقة.
ويملك قاضي التحقيق سلطة تقدير جميع الأقوال والأدلة، ولا يعتمد على اعتراف منفرد، بل يقارن بين الوقائع والشهادات والتقارير وسائر عناصر الإثبات قبل إصدار قراره.
حقوق الشخص أثناء الاستجواب
يكفل القانون عدداً من الضمانات الأساسية، أبرزها:
عدم التعرض للتعذيب أو الإكراه.
الحق في الدفاع.
إمكانية الاستعانة بمحامٍ وفق القانون.
الاعتراض على أي محضر غير صحيح.
طلب عرض المتهم على الطبيب الشرعي عند وجود آثار اعتداء.
عدم اعتبار الاعتراف وحده دليلاً كافياً للإدانة.
حق القاضي في التحقق من جميع الأدلة قبل إصدار أي قرار.
تقوم العدالة على مبدأ أساسي هو أن الاستجواب وسيلة لكشف الحقيقة، وليس وسيلة للضغط على المتهم أو انتزاع الاعترافات.
ولذلك منح القانون السوري عدداً من الضمانات التي تكفل سلامة إجراءات التحقيق، وأعطى القاضي صلاحية التحقق من صحة الأقوال والأدلة وعدم الاكتفاء بالاعتراف المجرد.
ويبقى اطلاع الأفراد على حقوقهم القانونية أثناء الاستجواب من أهم وسائل حماية العدالة وضمان محاكمة عادلة، إذ إن معرفة الحقوق والإجراءات الصحيحة تساعد على تفادي كثير من الانتهاكات والأخطاء التي قد تؤثر في سير الدعوى ونتيجتها.
"القانون بقول" مع مارينا منصور، والمحامية نور الهدى البقاعي.