أحكام الإعدام في سوريا: بين مطالب المحاسبة وعقبات التسليم الدولي

أحكام الإعدام في سوريا: بين مطالب المحاسبة وعقبات التسليم الدولي

عدالة انتقالية | 13 08 2026

لودي علي

نطقت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، فكتبت في سجلّها القضائي أحكاماً بالإعدام على عدة أشخاص كانوا من أبرز قادة النظام السوري السابق. وسرعان ما تحوّل النقاش في الأوساط الشعبية والحقوقية، إلى التحديات القانونية التي من الممكن أن تحاصر الأحكام الصادرة، بين مطالب الضحايا بالمحاسبة من جهة، والعقبات القانونية المرتبطة بالتسليم الدولي من جهة أخرى.

في ظهيرة يوم 11 آب/أغسطس 2026، وقف القاضي فخر الدين العريان ليعلن حكماً غير مسبوق، في قاعة محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، بإعدام تسعة من قيادات النظام المخلوع، وهم: بشار الأسد (الرئيس المخلوع)، وشقيقه ماهر، وعاطف نجيب (رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا)، وجميل الحسن (الرئيس الأسبق لإدارة المخابرات الجوية)، وفهد جاسم الفريج (وزير الدفاع الأسبق)، ولؤي علي العلي (رئيس فرع الأمن العسكري السابق في درعا والمنطقة الجنوبية)، ووفيق صالح ناصر (رئيس فرع المخابرات العسكرية الأسبق في السويداء والجنوب)، وقصي إبراهيم ميهوب (معاون رئيس فرع المخابرات الجوية في حرستا سابقاً)، وطلال فارس العسيمي (رئيس وحدة المهام الخاصة في وزارة الداخلية سابقاً).

وقضت المحكمة بإدانة المتهمين بـجرائم شملت القتل العمد والقصد بحق أكثر من شخص، بينهم أطفال، والتعذيب والاعتقال التعسفي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية". وقال القاضي أن مساهمة بشار الأسد في الجرائم كانت بوصفه "صاحب القرار الأعلى"، وأنه سخّر أجهزة الدولة لتنفيذها.

لكن هذه الأحكام لا تصبح قابلة للتنفيذ مباشرة. فقد أوضح وزير العدل مظهر الويس أن القضية تمر أولاً أمام محكمة النقض، مع وجود طعن إلزامي من النيابة العامة في الأحكام الصادرة بالإعدام، إضافة إلى حق المحكوم عليهم بالطعن ضمن المهل القانونية.

وفي حال تثبيت الحكم، تُعرض القضية على لجنة العفو الخاص المؤلفة من خمسة قضاة من الدرجة الأولى، قبل رفع التوصية إلى رئيس الدولة للتصديق وإصدار الأمر بالتنفيذ.

وقال الويس إن الأحكام صدرت، بحسب تعبيره، بما يتوافق مع قانون العقوبات السوري والقانون الدولي الإنساني، معتبراً أنها تمهّد لقانون العدالة الانتقالية المرتقب.

اختبار المعايير الدولية

في ردّ فعل سريع، دعت منظمة العفو الدولية الحكومة السورية إلى إلغاء استخدام عقوبة الإعدام والمحاكمات الغيابية، مؤكدة ضرورة إجراء إصلاح قضائي شامل يضمن المحاكمة العادلة وفق القانون الدولي والمعايير الدولية. وقالت المنظمة إن ملاحقة المسؤولين يجب أن تتم "أمام محاكم مدنية عادية، وبمشاركة الضحايا، ومن دون اللجوء إلى عقوبة الإعدام".

غير أن وزارة العدل السورية ردّت في بيان رسمي، معتبرة أن عقوبة الإعدام "مقررة في القانون السوري، ولا تُفرض إلا بموجب حكم قضائي يستند إلى القانون والأدلة"، وأن المحاكمات الغيابية، "متى أجازها القانون وتوافرت شروطها، لا تعني بذاتها انتفاء ضمانات العدالة أو مشروعية الإجراءات". وأكدت الوزارة أن المحاكمات جرت "أمام محكمة جنائية مدنية مختصة، وبإشراف قضاة مؤهلين، وبمشاركة الضحايا وممثليهم".


عقبة التسليم الدولي

يكمن أحد التحديات الأبرز في كيفية تأثير أحكام الإعدام على تسليم المتهمين الفارين، خاصة أن بعضهم، كبشار الأسد، متواجد في روسيا التي تربطها بسوريا اتفاقية تسليم.

في هذا السياق، أوضح فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لـ"روزنة"، أنه "لا توجد قاعدة عامة تُلزم جميع الدول بتسليم المطلوبين إلى الدولة الطالبة. إذ تحكم التسليمَ المعاهدات الثنائية، والتشريعات الوطنية، ومبادئ حقوق الإنسان، وتقدير القضاء في الدولة المطلوب منها التسليم". غير أن "كثيراً من الدول التي ألغت الإعدام، ولا سيما الدول الأوروبية، لا تسلّم شخصاً إذا توافر خطر حقيقي بأن يُحكم عليه بالإعدام أو يُنفذ فيه، ما لم تقدم الدولة الطالبة ضمانات رسمية وموثوقة باستبعاد العقوبة". وأكد أن "الضمانات الدبلوماسية العامة لا تكفي"، بل يجب أن تكون محددة لكل متهم وقابلة للتحقق.

من جهة أخرى، يشير ياسر شالتي، محقق متخصص بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لـ"روزنة" إلى أن اتفاقية سان بطرسبرغ لعام 2022 بين روسيا وسوريا تنص في مادتها الخامسة على أن "عقوبة الإعدام تعد سبباً يمكن أن يؤدي إلى رفض التسليم ما لم تقدم الدولة الطالبة ضمانات بعدم تنفيذ عقوبة الإعدام". وهذا يعني، كما يرى شالتي، أن روسيا قد ترفض تسليم المتهمين ما لم تحصل على ضمانات رسمية في هذا الشأن.

من جهة أخرى، يشير شالتي إلى أن تأكيد السلطة السورية على استقلال ونزاهة المحكمة قد يعني، وفق المادة 20(3) من نظام روما، أن محاكمة بشار الأسد في المحكمة الجنائية الدولية أصبحت غير ممكنة، لأن هذه المادة تمنع المحكمة من محاكمة شخص حوكم أمام محكمة أخرى، إلا إذا كانت تلك المحاكمة "صورية" أو غير مستقلة.

أما المعتصم الكيلاني، المختص في القانون الدولي، فيلفت إلى أن غياب قانون متكامل للعدالة الانتقالية وقت المحاكمة قد يمنح "محامي المطلوبين والدول الأجنبية حججاً للطعن في وضوح الأساس القانوني وضمانات المحاكمة".


موقف الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية

خلافاً للتحليلات التي ترى في حكم الإعدام عائقاً، يرى رديف مصطفى، مدير إدارة المساءلة والمحاسبة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، أن "حكم الإعدام الغيابي لا يعني استحالة تسليمهم إلى سوريا، ولا يوجد في القانون الدولي حظر مطلق على التسليم في مثل هذه الحالات". وأوضح مصطفى أن الدول التي ألغت الإعدام قد تشترط "الحصول على ضمانات بعدم تنفيذ حكم الإعدام قبل الموافقة على التسليم"، مشيراً إلى أن "ملف تسليم المطلوبين يجب أن ينظر إليه وفق القوانين والضمانات والاتفاقات بين الدول، وليس باعتبار حكم الإعدام مانعاً تلقائياً من التسليم".


غياب قانون العدالة الانتقالية

الأحكام صدرت وفقاً لقانون العقوبات السوري، مع احترام القانون الدولي الإنساني، وفق ما كان يمليه القاضي، فيما أشارت وزارة العدل إلى أن ذلك "يمهد لقانون العدالة الانتقالية الذي سيصدر قريباً". لكن غياب هذا القانون أثار مخاوف حقوقية.

يرى ياسر شالتي أن الأهم ليس فقط العقوبة، بل "التوصيف الصحيح للجرائم"، مشيراً إلى أن "الإسناد القانوني خاطئ في جريمة القتل العمد". ويضيف أن القانون السوري الحالي "لا يمتلك توصيفاً يمكن أن يعرّف الأفعال الإجرامية المرتكبة" بحجم الانتهاكات التي شهدتها سوريا.

وفي السياق ذاته، يرى الكيلاني أن المشكلة الأساسية ليست في وجود مواد عامة عن القتل أو الإيذاء، بل في "غياب القدرة على توصيف الجرائم المركبة التي تميّز النزاعات الطويلة: التعذيب كسياسة دولة، والاختفاء القسري كجريمة مستمرة، والاضطهاد على أساس الهوية، والقتل كجزء من هجوم واسع أو منهجي على المدنيين".

دروس من التجارب المقارنة

هناك العديد من التجارب السابقة التي قد تكون مفيدة في السياق السوري:

رواندا: بعد الإبادة الجماعية عام 1994، نفذت رواندا عمليات إعدام علنية بحق بعض المتهمين عام 1998. وواجهت رواندا معضلة كبرى؛ حيث رفضت الدول الأوروبية، وأمريكا الشمالية، والمحكمة الجنائية الدولية تسليم كبار قادة الإبادة الجماعية الهاربين إليها، خشية تعرضهم لعقوبة الإعدام. فقام البرلمان بإلغاء عقوبة الإعدام تماماً عام 2007 واستبدالها بالسجن المؤبد.

سيراليون: خلال الحرب الأهلية، استُخدمت عقوبة الإعدام كأداة للتصفيات السياسية، وكان آخر تنفيذ لها عام 1998. عند تأسيس المحكمة الخاصة بسيراليون (SCSL) لمحاكمة كبار مجرمي الحرب، استبعدت المحكمة عقوبة الإعدام من صلاحياتها تماشياً مع معايير القانون الدولي، واكتفت بالسجن.

كولومبيا: تتميز كولومبيا بأنها ألغت عقوبة الإعدام دستورياً منذ عام 1910، وبالتالي لم تكن العقوبة خياراً مطروحاً إطلاقاً خلال تصميم مسار العدالة الانتقالية. عوضاً عن التفكير في الإعدام أو حتى العقوبات السجنية الطويلة، ركز نموذج كولومبيا عبر "الدائرة القضائية الخاصة من أجل السلام (JEP)" على العدالة التصالحية والبديلة.


بين العدالة المطلوبة والمعايير الدولية

تقف سوريا أمام معادلة معقدة تجمع بين مطالب الضحايا بالمحاسبة، والالتزامات والمعايير الدولية، والعقبات المرتبطة بتسليم المطلوبين الموجودين خارج البلاد. وتمثل أحكام الإعدام الصادرة محطة جديدة في مسار المحاسبة، لكنها تفتح في الوقت نفسه أسئلة قانونية وإجرائية بشأن تنفيذها ومدى تأثيرها على التعاون القضائي الدولي.

وفي هذا السياق، يبرز قانون العدالة الانتقالية المرتقب بوصفه أحد الملفات الأساسية، ولا سيما لجهة توصيف الجرائم، وضمانات المحاكمة، وتحديد مسارات المساءلة بما يعزز مصداقيتها داخلياً ودولياً.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

بعد تجدد أزمة البنزين.. هل تثق بقدرة الحكومة على حلها؟

نعم، بشكل مستدام
لا أثق بذلك
مؤقتاً فقط
close icon