من الشارع إلى الهاتف.. حين يلاحق التحرش النساء والقاصرات

من الشارع إلى الهاتف.. حين يلاحق التحرش النساء والقاصرات

نساء | 21 07 2026

داليا محمد

في خضم حديث عادي مع صديقها، وسط شارع مزدحم في دمشق، تجمّدت الناشطة منار شعبان للحظات. لم تستوعب فوراً ما حدث. رجل اقترب منها، لمس جسدها بشكل منتهك، ثم تابع طريقه ببرود، "ولا كأنو عامل شي".

حين استعادت منار قدرتها على الرد، بدأت بالصراخ مشيرة إلى المتحرش. لكن أحداً لم يتحرك. لم ينظر الناس إليه، بل إليها.

تقول منار، وهي ناجية وناشطة، في حلقة من برنامج أنتِ قدها على روزنة، إن "دماغها توقف عن العمل" في تلك اللحظة، قبل أن تدرك أنها تعرّضت للتحرش. لكن الصدمة لم تكن في الفعل وحده، بل في ردّ الفعل المحيط بها: "ما حدا وقف معي.. الكل تطلع فيني أنا".

لا تبدو تجربة منار معزولة. فالتحرش، كما تكشف شهادات ناجيات ومختصات، لا يحدث فقط في الشوارع أو المواصلات أو الأماكن العامة، ولا يتوقف عند اللمس أو الكلام أو الإشارات، بل بات يمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث يمكن لصورة عادية أن تتحول إلى أداة تهديد وابتزاز، خصوصاً ضد الفتيات القاصرات.

الصمت ليس خياراً دائماً

لا تفصل منار ما حدث معها عن تربية اجتماعية طويلة تدفع الفتيات إلى الصمت، لا لأنهن لا يعرفن الأذى، بل لأنهن يتعلمن منذ الطفولة أن المواجهة قد تجرّ أذى أكبر.

تقول: "نحنا من صغرنا بينقال لنا: إذا حدا ضايقك لا تردي.. امشي وطنشي".

بهذا المعنى، لا يكون الصمت ضعفاً أو قبولاً، بل نتيجة خوف متراكم من اللوم، ومن سؤال يتكرر بعد كل حادثة: "شو كنتِ لابسة؟ ليش كنتِ هناك؟".

حتى في حالة منار، التي كانت في مكان عام وبرفقة صديقها، لم يمنع ذلك وقوع التحرش، ولم يمنع أيضاً ارتداد النظرات إليها بدلاً من الجاني.

وتشدد منار على أن التحرش لا يرتبط بسلوك الضحية أو لباسها أو مكان وجودها، بل بالفعل نفسه وبمرتكبه، فالمتحرش قد يستهدف "طفل، سيدة، رجل". لذلك ترى أن كسر الصمت ضروري، لكنه لا يجب أن يتحول إلى عبء جديد على الناجيات، بل يحتاج إلى مساحات آمنة تحميهن من التشهير واللوم والأذى اللاحق.

حين يدخل التهديد إلى هاتف طفلة

في حالة أخرى، لم يكن الشارع هو مكان الخطر. تروي لينا، وهو اسم مستعار، تجربة ابنتها البالغة 14 عاماً، بعدما تعرّفت إلى شاب عبر إنستغرام.

تقول الأم إن الحديث بدأ بأسئلة عادية: "شو عملتي اليوم؟ شو درستي؟". كانت تراقب ابنتها من دون أن تمنعها، إلى أن انتقل التواصل إلى واتساب، وطلب الشاب صورة عادية لها.

بعد حصوله على الصورة، بدأ التهديد. تقول الأم: "أخذ الصورة وصار يهددها أنه رح يطبقها على الذكاء الاصطناعي ويخليها بلا تياب ويفضحها وينشرها باسمها ورقمها".

لم يتوقف الأمر عند التهديد بنشر صورة مفبركة، بل اشترط إرسال صور لجسد الطفلة العاري مقابل عدم النشر.

أخبرت الطفلة والدتها فوراً. حاول الأهل مواجهته وتذكيره بأنه يتحدث مع قاصر، لكنه كرر طلبه بوضوح للأب: "صورلي بنتك بلا تياب.. صورلي مرتك".

حين وصلت المواجهة إلى طريق مسدود، حظرت العائلة حساباته من تطبيقات التواصل. لكن الأثر النفسي لم يُحظر بالسهولة نفسها.

تقول الأم: "انهارت.. كانت تفيق بالليل عم تصرخ"، مضيفة أن ابنتها عانت من كوابيس وتراجع دراسي لنحو أسبوعين، قبل أن تبدأ بالتعافي بدعم العائلة.

وتضيف: "الصورة موجودة عند كتير بنات على السوشال ميديا، هي مو جريمة. الجريمة أنه متحرش يظهر باسمه الحقيقي ويهدد فيها".

تكشف هذه الجملة جوهر المشكلة الخطر لا يكمن في أن تملك فتاة صورة على هاتفها أو حسابها، بل في ثقافة وقانون وبيئة رقمية تسمح لمتحرش بتحويل صورة عادية إلى أداة ترهيب.

الدعم أولاً.. والأدلة لا تُحذف

في حالات مشابهة، تشير المختصة الاجتماعية غدران نجم، في حديثها عبر برنامج "إنتِ قدها" على روزنة، إلى أن أول ما يجب فعله عند التعرض لتهديد رقمي هو عدم حذف الرسائل أو الصور أو المحادثات، بل الاحتفاظ بها كأدلة يمكن استخدامها لاحقاً.

وتؤكد أن كسر الصمت لا يعني البوح فقط، بل يشمل التبليغ أيضاً، سواء عبر الجهات المختصة، أو من خلال مسارات واضحة داخل المدارس وأماكن العمل، عندما تكون موجودة.

لكن المختصة الاجتماعية غدران تشدد في الوقت نفسه على أن التبليغ لا يمكن أن يكون آمناً من دون دعم أسري ومجتمعي. فحين تقف العائلة إلى جانب الناجية، كما حدث في حالة الطفلة، يصبح الضرر أقل، وتزداد فرص الحماية النفسية والقانونية.

وتدعو إلى تفعيل آليات واضحة للتعامل مع العنف الرقمي، من بينها خطوط ساخنة لتلقي البلاغات، ومسارات حماية داخل المؤسسات التعليمية، وتطبيق فعلي لقوانين الجرائم الإلكترونية بما يضمن التعامل الجدي مع هذا النوع من التهديدات.

حين تصطدم الشكوى بالقانون

على المستوى القانوني، توضح المحامية خلود مبارك، في حديثها لبرنامج "إنتِ قدها" على روزنة، أن القانون السوري لا يقدّم تعريفاً جامعاً وواضحاً للتحرش، بل يترك توصيفه لتكييف الفعل وظروفه.

تقول مبارك إن التحرش قد يكون "قولاً أو فعلاً أو إشارة ذات طبيعة جنسية بهدف انتهاك خصوصية الضحية أو إهانتها"، لكنها تشير إلى أن النصوص القانونية لا تستخدم تعريفاً ثابتاً، بل تربط التوصيف بطبيعة الفعل ومكانه ونتائجه.

فالكلام أو الإشارة في مكان عام قد يصنّفان ضمن "مخالفة الآداب العامة"، بينما قد يُكيّف اللمس الجسدي، خصوصاً في أماكن حساسة، باعتباره "هتك عرض"، وهو توصيف أشد.

وترى مبارك أن المشكلة لا تقف عند غياب التعريف الواضح، بل تمتد إلى طريقة النظر إلى التحرش قانونياً، إذ يُعامل غالباً كمساس بالحياء العام، لا كانتهاك مباشر لجسد الضحية وخصوصيتها.

وتبقى العقبة الأكبر هي الإثبات. تقول المحامية: "إذا ما في كاميرات أو شهود، إثبات الواقعة بيكون كثير صعب"، مشيرة إلى أن غياب الأدلة التقنية يحد من إمكانية تطبيق القانون فعلياً، خاصة في الأماكن العامة.

أما في التحرش الرقمي، فيصبح الاحتفاظ بالمحادثات والرسائل والصور جزءاً أساسياً من حماية الضحية، لا مجرد تفصيل تقني.

وتلفت مبارك إلى أن العقوبات الحالية، خصوصاً في الحالات المصنفة كجنح، لا تشكل دائماً رادعاً كافياً، إذ قد تتراوح في بعض الحالات بين شهر وستة أشهر وغرامة مالية، بينما ترتفع في الظروف المشددة، مثل تكرار الفعل أو وقوعه على قاصر أو ضمن علاقة سلطة.

ورغم وجود حماية خاصة للأطفال، مثل عدم مواجهتهم بالمعتدي وسماع شهاداتهم في ظروف مناسبة، يبقى إثبات الجريمة مرتبطاً بالأدلة المتاحة، وهو ما يجعل التحرش الرقمي تحدياً إضافياً عندما لا يرد ذكره بوضوح في النصوص القانونية.

في تحقيق لراديو روزنة بالتعاون مع شبكة المرأة السورية عام 2018، أظهر استبيان شمل 118 سيدة داخل سوريا وخارجها أن التحرش في الشارع جاء في صدارة الأماكن التي تتعرض فيها النساء للتحرش، تليه بيئات العمل، ثم المنزل، فالمدرسة أو الجامعة، وأكدن جميعهنّ تعرضهنّ للتحرش.

كما بيّن التحقيق أن 83 في المئة من النساء ضمن الفئة العمرية بين 18 و50 عاماً لا يعرفن القوانين التي قد تحميهن من التحرش، وهو ما يعكس فجوة بين انتشار الظاهرة من جهة، وضعف المعرفة القانونية وآليات الحماية من جهة أخرى.

بين شارع مزدحم لم يحمِ منار، وهاتف صغير فتح باب الرعب أمام طفلة، تبدو الحاجة واضحة: لا يكفي أن يُطلب من النساء والفتيات كسر الصمت، إن لم تكن هناك عائلة تصدّق، ومجتمع لا يلوم، وقانون يسمّي التحرش بوضوح، وآليات حماية لا تترك الناجيات وحدهن بعد الصرخة الأولى.

يشير UNFPA في موجز عام عن العنف القائم على النوع الاجتماعي في سوريا (2024) إلى أن التحرش الجنسي والعنف الجنسي في تصاعد في مختلف أنحاء البلاد، خاصة في سياقات النزوح والأزمة الإنسانية، إلا أنه لا يقدم نسبة وطنية مئوية للتحرش.

تؤكد UN Women أن سوريا تعاني نقصًا واضحًا في البيانات المقارنة حول التحرش الجنسي والعنف ضد النساء، وأن العديد من مؤشرات أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بهذا المجال غير متوفرة.

في التقارير الإنسانية، يُعتبر التحرش أحد أكثر مخاطر الحماية التي تواجه النساء والفتيات، خصوصًا أثناء التنقل، وفي مراكز الإيواء، وأماكن العمل والأسواق، لكن معظم هذه التقارير تعتمد على بيانات مقدمي الخدمات وليس على مسوح سكانية تمثل جميع النساء في سوريا.

الاقتباس:

"لا توجد حتى الآن إحصاءات وطنية موثوقة حول نسبة تعرض النساء للتحرش الجنسي في سوريا، إلا أن وكالات الأمم المتحدة تؤكد أن التحرش والعنف الجنسي يشهدان تصاعدًا في ظل الأزمة، مع استمرار وجود فجوات كبيرة في جمع البيانات والإبلاغ."

رابط (UNFPA)

وفق خطة الاستجابة الإنسانية لسوريا، يحتاج ملايين النساء والفتيات إلى خدمات الوقاية والاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي سنوياً، ويُعد GBV من أبرز مخاطر الحماية في البلاد.

دراسة مهمة للمراجعة ( 2024)

العنف ضد النساء في سوريا

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض