مع غياب النتائج والمعلومات.. أهالي المفقودين يغرقون في رحلات البحث الفردية

مع غياب النتائج والمعلومات.. أهالي المفقودين يغرقون في رحلات البحث الفردية

عدالة انتقالية | 6 07 2026

لودي علي

تشير تقديرات الهيئة الوطنية للمفقودين إلى وجود ما يصل إلى 300 ألف مفقود في سوريا. ورغم مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد وما تبع ذلك من آمال كبيرة بكشف المصير، لا تزال العائلات غارقة في مستنقع بيروقراطي، وتتنقل بين اليأس والأمل الزائف في غياب أي آلية واضحة.

عندما تحل وسائل التواصل الاجتماعي مكان المؤسسات

في ظل ضعف وصول القنوات الرسمية، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى سوق سوداء للمعلومات. تشرح دانا شركس، من مؤسسي مبادرة «خيام الحقيقة»، التي فقدت شقيقها عام 2013، المشهد القائل: «الناس تصل للمعلومات بشكل شخصي من معارف أو أشخاص حصلوا على ملفات بشكل عشوائي عند سقوط النظام. هناك ناشطون نشروا أوراقاً رسمية وتقارير أمنية، وآخرون نشروا كتابات على جدران الزنازين.»

وتضيف: «الطرق المتبعة حالياً عند الأهالي ليست ضمن الهيئات المعنية، ولا توجد أدوات أو قنوات وصول رسمية كافية. أعرف عائلات ذهبت إلى محافظات أخرى للتحدث مع عناصر أمن مرتبطين بالنظام السابق، وشابة جاءت من ألمانيا للبحث عن ضابط قال إنه شاهد والدها في المعتقل.»

وتلفت شركس إلى أن نجاح قضية رانيا العباسي جاء «بعد انتشارها ورواجها على وسائل التواصل بفضل الأهل، وليس عبر آليات رسمية متبعة مع الجميع».

 البيانات الدولية وأرقام اللجنة الدولية للمفقودين

تشير تقديرات اللجنة الدولية المعنية بالمفقودين (ICMP) إلى أن 77,600 فرد من العائلات سجلوا حوالي 30,000 مفقود عبر نظام إدارة البيانات المتكامل التابع لها، في حين أُبلغ عن 70 موقعاً لمقابر جماعية.

وقدمت اللجنة الدولية (ICMP) واللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) ورقة مشتركة إلى اللجنة الوطنية المعنية بالأشخاص المفقودين في سوريا توضح دعمها لعملية بحث بقيادة سورية.



بين التأسيس البطيء وفقدان الثقة في الهيئة الوطنية

تأسست الهيئة الوطنية للمفقودين في مايو/أيار 2025، وتعمل على إنشاء قاعدة بيانات وطنية لكن الأهالي يتهمونها بالتقصير. المستشارة الإعلامية للهيئة زينة شهلا قالت في أيار 2026 لوكالة رويترز: «ربما فعلاً نحن بطيئون، لكن هذا الملف يحتاج إلى السير فيه بتأنٍ بطريقة علمية ومنهجية وليس بتسرع»، مؤكدة أن الهيئة تأمل بإطلاق قاعدة بيانات للمفقودين خلال عام 2026. وتضيف أن عمليات نبش المقابر الجماعية قد لا تبدأ قبل عام 2027 بسبب الحاجة إلى خبرات تقنية متخصصة.

لكن هذا التباطؤ، مهما كان مبرره علمياً، يبدو بعيداً عن إلحاح العائلات التي تنتظر منذ أكثر من عقد. تصف دانا شركس: «كان هناك الكثير من الإحباط خاصة بعد انتشار التحقيقات الصحفية التي تحدثت عن وجود عشرات آلاف الوثائق. من الممكن استيعاب أن الموضوع يحتاج سنوات، لكن كان لا بد من نشر خطة زمنية وشفافية أكبر بآلية العمل. لا توجد آلية واضحة للتواصل مع الهيئة والحصول على معلومات».

أما أم محمد، والدة المغيب قسراً فادي غبيس، فتقول بمرارة: «أخبروني بعد التحرير بفترة قصيرة أنه استشهد عبر تطبيق إلكتروني. لا أعلم إن كانت هيئة المفقودين موجودة حينها أم جهة أخرى. وحتى الآن لا توجد أي معلومة أخرى على الإطلاق. لازلنا ننتظر أن يخبرونا أين دُفن على الأقل».

انتقادات لمركزية الملف واتهامات باحتكار المعلومات

وجهت العديد من المنظمات الحقوقية انتقادات للحكومة السورية، متهمة إياها باتباع نهج مركزي أدى إلى استبعاد المنظمات التي طورت خبراتها في توثيق حالات الاختفاء أثناء وجودها في المنفى.

في سبتمبر/أيلول 2025، أوقفت السلطات السورية الناشط عامر مطر، مؤسس متحف لتوثيق تجارب المعتقلين، بتهمة «الوصول غير القانوني إلى وثائق رسمية لأغراض شخصية».



وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، حذرت الهيئة العائلات من تصديق أي وثائق تُنشر على منصات غير رسمية، مهددة باتخاذ إجراءات قانونية ضد تلك المنصات.



الأهالي لن يتوقفوا عن البحث 

تعكس شهادات الأهالي واقعاً أكثر تعقيداً. تقول ربيعة حمادة: «أهالي المفقودين من المستحيل أن يتوقفوا عن البحث. رغم أنهم يقولون أحياناً بأنهم يعتبرونهم شهداء، لكن عندما يسمعون بأي شيء بسيط يعيد الأمل، سيعودون للسؤال بنفس اللهفة. طالما لم يعرف المصير أو يتأكدوا بالدليل القاطع أنه استشهد، سيظل الأمل يلاحقهم».

وتضيف ربيعة:

«كثير من الأوقات أسأل نفسي: معقول هربان وعايش حياته بمكان تاني؟».

وتلفت دانا شركس إلى إشكالية أخرى: «الحراك الذي يقوم به أهالي المغيبين قسراً للأسف يكون غالباً مدفوعاً من أشخاص يسعون للحصول على مناصب أكثر من القضية نفسها. نرى أسماء مكررة في هيئة المفقودين والعدالة الانتقالية رغم وجود عدد كبير من ذوي المغيبين».

«أما بالنسبة للمقيمين في الخارج، فالتواصل مع الهيئة منقطع. الهيئة تتواصل مع بعض ذوي المغيبين وتقوم بجلسات تشاور معهم عبر روابط معينة، قد لا يعلم بها بعض الأهالي لا سيما في الخارج».



 جهود فردية – حسان العباسي نموذجاً

وسط هذا الفراغ المؤسسي، تبرز جهود فردية في مقدمتها ما قام به حسان العباسي، الذي تمكن من إعادة إحياء قضية المغيبين قسراً عبر البحث عن شقيقته رانيا وأطفالها. تصف شركس هذه الجهود بأنها «جبارة»، مضيفة: «هناك من انتقد فكرة نشره معلومات خاطئة أو أنه خلق فوضى، لكنه استطاع على الأقل أن يفعل شيئاً، ولولا متابعته لما حصل على أي معلومة».

وتلفت إلى أن : «تعامل السلطة الحالية مع القضايا: إذا لم تنتشر القضية على وسائل التواصل الاجتماعي وتُحدث ضجة وتحرك الرأي العام، لن يكون هناك أي أثر».

نموذج لم يُستنسخ بعد 

تمكن معهد المفقودين في البوسنة والهرسك من تحديد مصير وهوية حوالي 80% من المفقودين البالغ عددهم 30 ألفاً خلال حرب التسعينيات. هذا النجاح لم يأتِ صدفة؛ فقد اعتمد على قاعدة بيانات مركزية وتقنيات متطورة لتحليل الحمض النووي (DNA)، وإشراك أهالي الضحايا في صميم العملية.

اللافت أن اللجنة الدولية المعنية بالمفقودين (ICMP) التي قادت هذه التجربة، وقعت مذكرة تفاهم مع الهيئة الوطنية السورية للمفقودين في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بهدف نقل هذه الخبرات. لكن حتى الآن، ورغم مرور أشهر على التوقيع، لم تلمس العائلات أي تغيير يُذكر على الأرض.



 طريق طويل نحو العدالة 

تبقى قضية المفقودين اختباراً حقيقياً لمصداقية المرحلة الانتقالية في سوريا. فالتجارب الدولية أثبتت أن معالجة هذا الملف هي خطوة مفصلية في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وتقول أغنيس كالامار، رئيسة منظمة العفو الدولية: «أهم ما يمكن أن تفعله الهيئة الوطنية حالياً هو ضمان شعور العائلات بأنها مسموعة ومدعومة».

أما ربيعة حمادة، فتبدو إجابتها أكثر وضوحاً: «أكثر ما يهمني أن أعرف مصير زوجي. هل قتلوه يومها؟ أم رحلوه إلى صيدنايا؟ وماذا كان السبب؟ ومن الذي قتله؟».

أسئلة صغيرة لجروح كبيرة، تنتظر إجاباتها في بيانات لم تُعالج، أو في مقابر جماعية لم تُنبش، أو في ذاكرة شاهد لم يتحدث بعد.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل تعتقد أن مجلس الشعب سيحدث فارقاً؟

نعم
لا
ربما
close icon