تحديث العملة السورية: تضارب الأرقام يربك السوق ويحجز نصف السيولة

تحديث العملة السورية: تضارب الأرقام يربك السوق ويحجز نصف السيولة

تقارير وتحقيقات | 15 05 2026

حبيب شحادة

في ظل ترقّب حذر يسيطر على الأوساط الاقتصادية السورية، تفجّرت أزمة أرقام متباينة حول عملية استبدال العملة السورية الجديدة بالقديمة، التي انطلقت في الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، لتعيد إلى الواجهة التساؤلات حول جدول زمني متقلّب وسياسات نقدية لا تزال بانتظار الوضوح.

البداية كانت مع المرسوم الرئاسي رقم 293 لعام 2025، الذي فوّض مصرف سوريا المركزي بتنفيذ عملية استبدال العملة، بحذف صفرين من القيمة الاسمية للعملة القديمة واستبدالها بأخرى جديدة.

وخلال أقل من ستة أشهر على انطلاق العملية، قال حاكم المصرف، عبد القادر حصرية، في الثالث من أيار/مايو الجاري: إن نسبة الاستبدال بلغت 56 بالمائة فقط، وسط تدفقات يومية وُصفت بأنها "أعلى من المتوقع"، لكنها لم تكن كافية.

التفاوت اللافت بين المحافظات في عمليات الاستبدال دفع المصرف المركزي إلى اتخاذ قرار تمديد المهلة حتى نهاية حزيران/يونيو المقبل، لمنح المواطنين فرصة إضافية لاستبدال ما بحوزتهم من عملة قديمة.

وفي منشور على صفحة المصرف الرسمية في فيسبوك، أوضح حصرية أن عملية الاستبدال بعد الأول من حزيران/يونيو القادم ستقتصر على فروع المصارف العامة حصراً، وفق شروط وضوابط سيُعلن عنها لاحقاً، في مؤشر على دخول العملية مرحلة جديدة أكثر تشدداً.

تعليقاً على ذلك قال الاقتصادي إيهاب اسمندر لـ "روزنة" "إن منح مهل متعددة لاستكمال استبدال العملة يدل على مرونة في إدارة عملية الاستبدال التي يجري التمديد لها بموجب القانون".

56 بالمائة لا تعكس الواقع

في الثالث من أيار الجاري، قال حصرية: إن نسبة الاستبدال بلغت 56 بالمائة، واصفاً التجربة بـ"الناجحة بكل المقاييس" ومُعرباً عن فخره بها، معتبراً إياها من أبرز "إنجازات العهد الجديد"، بحسب تعبيره. وأرجع قرار تمديد المهلة إلى ضمان سلاسة العملية ومنح المواطنين وقتاً كافياً، مشيراً إلى أن المصرف استردّ أكثر من نصف الكتلة النقدية المتداولة بوتيرة فاقت التوقعات.

في المقابل، تظهر نسبة 56 بالمائة بطئاً واضحاً بعملية الإحلال قياساً بحجم الكتلة النقدية المتداولة وحاجة السوق إلى سيولة مرنة ومتوازنة، وفق خبراء اقتصاد.

وبافتراض أن هذه النسبة صحيحة وأنه اُستبدال 56 بالمائة من العملة السورية القديمة من 1 كانون الثاني/يناير وحتى 13 أيار/مايو الجاري، فهذا يمكن اعتباره نجاح للمصرف المركزي في تنفيذ خطة الاستبدال لعدة أسباب وفق ما قال الاقتصادي إيهاب اسمندر لـ "روزنة": ومن بينها:

تحقيق أكثر من نصف الهدف من الناحية الكمية في غضون أقل من 5 أشهر، وأنه جرى استبدال ما يقارب 12 مليار ليرة سورية وهذا إنجاز كمي كبير، وفق تعبيره.

لكن في المقابل، هذه النسبة 56 بالمائة لا تعكس الواقع العملي، بحسب اسمندر، موضحاً أن العملة المسيطرة على التداول في السوق هي العملة القديمة، وبالتالي من الصعب قبول فكرة أنه تم التخلص من هذه النسبة الكبيرة منها، كما قال.

أرقام متضاربة

أما الحاكم السابق لمصرف سوريا المركزي، دريد درغام، فيرى أن نسبة إنجاز عملية الاستبدال غير دقيقة خصوصاً في ظل التباين بين تصريحات الحاكم، والبيانات المنشورة على الموقع الرسمي للمصرف.

وأضاف أنه بمقابلة للحاكم مع "الإخبارية السورية" في 28 شباط/فبراير الفائت، أعلن استبدال 35% من الكتلة النقدية ما يعادل 4 مليارات قطعة من أصل 14 ملياراً، في 8 أسابيع فقط، واصفاً إياه بـ"الإنجاز المهم"، مع احتمال وجود نسبة من القطع المُتلفة.

لكن المفارقة أنه قبل هذه المقابلة بخمسة أيام فقط، في 23 شباط/فبراير صدر بيان رسمي للمركزي يفيد بسحب واستبدال أكثر من 13 تريليون ليرة قديمة من أصل 42 تريليوناً مصدرة سابقاً.

واعتبر البيان أن بلوغ نسبة 35% من الاستبدال يُثبت سلامة المسار التنفيذي، متعهداً بمواصلة العمل بالوتيرة نفسها لإتمام العملية بسلاسة وكفاءة، تحقيقاً للمصلحة الوطنية العليا.

ويتساءل درغام في منشور له بموقع فيسبوك، من أين أتت نسبة 35%؟ ويشرح الأمر أنه في حال حساب النسبة بعدد الأوراق، كما قال الحاكم، أي 4 مليارات قطعة من أصل 14 ملياراً، فالناتج 28.57 بالمائة.

أما في حال حساب النسبة بالمبالغ، كما ورد في بيان المصرف، أي 13 تريليوناً من أصل 42 تريليوناً، فالناتج 30.95 بالمائة.

وبحسب درغام، في الحالتين: الرقم لا يصل إلى 35 بالمائة.


المصارف ونقص الـ 50 بالمائة

وفق عدة مصادر مصرفية بدمشق سحبت الكتلة النقدية من العملة القديمة من المصارف الحكومية والخاصة بنسبة 100 بالمائة، ولم يجرِ تزويدها بالعملة الجديدة سوى بنسبة بلغت 50 بالمائة فقط من القيمة المسحوبة، ما أدى إلى عجز في السيولة لدى المصارف واستمرار تقييد السحوبات النقدية للمواطنين.

وقالت تلك المصادر المصرفية في ثلاثة مصارف بدمشق لـ "روزنة"، شرط عدم ذكر أسمائهم: "إنّ المصارف تعاني من نقص سيولة شديد نتيجة عدم تعويضها للمبالغ التي سحبت بما يخالف تعليمات المصرف المركزي المتعلقة باستبدال العملة القديمة بالجديدة بذات قيمة الكمية المسحوبة".

وتساءلت تلك المصادر المصرفية، هل الـ 50 بالمائة المحتجزة من النقود التي يجب تسليمها لها هي إجراء تقشفي غير معلن لمحاربة التضخم أم أنها ناتجة عن سوء تخطيط في طباعة وتوزيع العملة الجديدة؟ دون وجود إجابات واضحة من المصرف المركزي حتى الآن.

من جانبه أرجع الخبير الاقتصادي سمير العيطة في مقابلة صحفية عدم تسليم المصارف الـ 50 بالمائة المتبقية من العملة الجديدة لسياسة المصرف المركزي الهادفة إلى "تثبيت سعر الصرف قسراً من خلال حبس السيولة". مؤكداً أن آليات المصرف المركزي لدفع عجلة الاقتصاد لم تحصل بشكل حقيقي.

ويتفق الاقتصادي إيهاب اسمندر مع رأي العيطة، في أن امتناع المصرف عن تزويد المصارف بالـ 50 بالمائة المتبقية هو من أشكال حبس السيولة، التي تعد سياسة نقدية معروفة عن المصرف المركزي، هدفها منع المضاربة على الليرة السورية و"تقليل مكبوت للطلب على الدولار ومواجهة التضخم"، وفق قوله.

ويقول اسمندر لـ "روزنة": ربما يسعى المصرف المركزي إلى محاولة ضبط الرصيد النقدي وحصره بالقنوات الرسمية، وتقليله قدر الإمكان خارجها. مشيراً إلى أنه رغم إيجابية هذه الإجراءات، لكنها قد تسبب بعض النتائج السلبية، ومن بينها: خوف الناس من التعامل مع المصارف، وتفضيل التعامل غير الرسمي وتقليل الثقة بالمصارف السورية وإضعاف دورها عبر تشجيع اقتصاد الظل، وازدياد التعامل النقدي بعيداً عن المصارف.

وشدد على أن ترافق عملية الاستبدال مع حبس السيولة يضعف الثقة بالمصارف السورية ويزيد التحديات أمامها ويعيق تطوير دورها الاقتصادي.

العملة القديمة مرفوضة

بينما يؤكد المصرف المركزي أن عملية استبدال العملة تسير بوتيرة جيدة، وأن نسبة الاستبدال تجاوزت نصف الكتلة النقدية المتداولة يروي الشارع السوري قصةً مختلفة تماماً.

في دمشق لا تزال الليرة القديمة هي سيدة الموقف، وتهيمن فئاتها القديمة على التداول اليومي، بينما تكاد تكون العملة الجديدة غائبة عن مشهد البيع والشراء، بل وعن تعاملات الصرافة والحوالات أيضاً.

هاني هو واحد من هؤلاء الذين يعانون من عدم توفر العملة الجديدة، إذ رفضت شركة كهرباء دمشق قبض فاتورة منزله بالعملة القديمة في البداية، ونتيجة إلحاحه على أنه لا يملك عملة جديدة وافق الموظف على استلام القديمة فقط هذه المرة، مشترطاً في المرات القادمة عملة جديدة للتسديد، كما قال لـ "روزنة".

ويوضح هاني وهو موظف حكومي أنه قبض راتبه عبر تطبيق "شام كاش" واستلمه عملة قديمة من شركة الهرم.

كذلك، تلجأ شراكات الحوالات المالية إلى تسليم الحوالات الواردة للمستفيد كنصف عملة قديمة ونصف آخر جديدة، وفق رصد "روزنة"، رغم حديث المصرف المركزي عن استبدال أكثر من نصف الكتلة النقدية المتداولة.

يبقى السؤال القائم: هل ما يجري هو خطأ تقني فني في إدارة عملية الاستبدال أم أنها استراتيجية متعمدة لامتصاص السيولة تحت غطاء تحديث العملة، إذ ما زال المصرف المركزي يلتزم الصمت حيال هذا التضارب الذي يدفع ثمنه المواطن من قوت يومه وقدرته على الوصول إلى مدخراته.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض