تقارير وتحقيقات | 10 05 2026
حبيب شحادة
في بلدٍ يرزح أكثر من 13 مليون من أبنائه بين نزوح داخلي ولجوء خارج الحدود، ويعاني 14.5 مليون من انعدام الأمن الغذائي، تواصل الحكومة السورية الانتقالية تقليص ما تبقّى من دعم لرغيف الخبز.
وبعد يوم واحد من رفع أسعار المحروقات بنسبة 30 بالمائة، أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة قراراً يخفّض وزن ربطة الخبز من 1200 إلى 1050 غراماً، مع إبقاء سعرها ثابتاً عند أربعة آلاف ليرة — في ما يصفه اقتصاديون بـ"التضخم الخفي": رفع الأسعار دون أن يُسمَّى رفعاً.
وهذا التخفيض هو الثالث خلال عام ونصف، ويعكس استمرار الحكومة الانتقالية في سياسة تقليص الدعم العيني بشكل تدريجي بدلاً من تعديل السعر، ما يُحمِّل المواطن تكلفة إضافية غير مباشرة جراء تراجع كمية الخبز وبقاء سعره ثابتاً.
وجاء القرار الصادر يوم السبت 9 أيار/مايو بالتزامن مع تعديل المخصصات المسلمة للأفران من الطحين، بناءً على توجيهات وزارية خفضتها إلى 1.75 كيس لكل طن إنتاج.
القرار الجديد يصدر رغم توقعات الحكومة بالحصول على 2.8 مليون طن من القمح في حال زُرعت المساحات المخططة، والتي لم تتجاوز الـ 86% فقط، حسب تصريح حكومي من وزارة الزراعة لعنب بلدي.
مدير مديرية التخطيط والإحصاء الزراعي في وزارة الزراعة السورية، سعيد إبراهيم، إنه تم التخطيط للحصول على 2.8 مليون طن من القمح في حال زُرعت المساحات المخططة، ولكن ما زُرع منها هو 86% فقط، علمًا أن الموسم الزراعي الحالي سجل تحسنًا ملحوظًا مقارنة مع الموسم السابق نتيجة الهطولات المطرية التي شملت جميع المحافظات، ما سينعكس إيجابًا على الزراعات المروية والبعلية.
ثبات السعر وتأكل الوزن
كانت الحكومة السورية الانتقالية قد ألغت بيع الخبز بالبطاقة الذكية بعد سقوط النظام، ورفعت سعر ربطة الخبز من 500 إلى 4000 ليرة، مع رفع وزنها إلى 1500 غرام موزعةً على 12 رغيفاً. ثم خُفض الوزن إلى 1200 غرام في شباط/فبراير 2025، ليصل اليوم إلى 1050 غراماً — أي خسارة 150 غراماً بما يعادل 12.5 بالمائة خلال أشهر قليلة.
ويُعد هذا القرار نموذجاً لظاهرة "التضخم الخفي" في الاقتصاد، إذ يبقى السعر الاسمي ثابتاً عند 4000 ليرة، فيما تنخفض كمية السلعة فعلياً، ويرتفع السعر الحقيقي للمستهلك دون أن يبدو كذلك.
وأوضح المسؤول الإعلامي في الوزارة حسن الأحمد، في تصريح لمنصة "تأكد"، أن الربطة ستتضمن عشرة أرغفة بوزن إجمالي 1050 غراماً بدلاً من 1200 غرام المعتمد سابقاً، مؤكداً أن السعر سيبقى دون أي تعديل رغم خفض الوزن.
كما أصدرت الوزارة توجيهاً إلى دوائر حماية المستهلك بتخفيض مخصصات المخابز العامة والخاصة من الدقيق إلى 1.75 كيس لكل طن إنتاج.
زيادة 120 ألف ليرة شهرياً
تباينت آراء من التقتهم "روزنة" أمام فرن "الشيخ سعد الآلي" حول القرار، فمنهم من وجده "تخلياً عن دور الدولة في دعم ذوي الدخل المحدود"، ومنهم من وصفه بأنه "رفع سعر لمادة الخبز بطريقة احتيالية".
وخلال جولة لـ"روزنة" على عدد من الأفران في منطقة المزة، قال سامر، وهو موظف حكومي، إن جودة رغيف الخبز متوسطة وسعره مرتفع، مؤكداً أن تخفيض وزن الربطة يحمّله تكاليف مادية إضافية.
فبينما كان يشتري يومياً ثلاث ربطات، بات مضطراً اليوم لشراء أربع ربطات كي تكفي عائلته المكوّنة من خمسة أفراد. ما يعني أن فاتورة الخبز الشهرية ارتفعت عليه 120 ألف ليرة، إذ يدفع يومياً 16 ألف ليرة ثمن الخبز عند شرائه من بوابات الفرن.
ويتقاضى سامر راتباً شهرياً يبلغ مليوناً و100 ألف ليرة، سيذهب منه 500 ألف ليرة شهرياً ثمنَ "لقمة الخبز"، بعد أن كان يدفع نحو 360 ألف ليرة.

جوع بأرقام غير مسبوقة
سامر ليس حالةً فريدة؛ فوفق آخر تقارير الأمم المتحدة، وصل الجوع في سوريا إلى مستويات غير مسبوقة:
14.5 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي، من بينهم 9.1 مليون في حالة انعدام حاد، بينهم 1.3 مليون في وضع بالغ الخطورة،
ويواجه 5.4 مليون آخرون خطر الانزلاق نحو الجوع.
ولا يختلف وضع أم خالد عن ملايين غيرها؛ إذ قالت لـ"روزنة" أمام الفرن ذاته: "لم يعد رغيف الخبز شهياً كما كان"، موضحةً أن ملمسه تغيّر، وأن "خبزنا أصبح مراً وليس فيه بركة".
وختمت بأنها خفّضت حاجة أسرتها من ثلاث ربطات إلى اثنتين، بسبب وضعها المادي الصعب.
وبين تصغير الرغيف وزيادة سعره، لم يعد سامر كما غيره من السوريين يتناول جميع وجباته اليومية، "اختصرنا الطعام لوجبتين"، في وقت تتزايد فيه الفجوة بين الدخل الذي لا يتجاوز الـ 100 دولار أمريكي، ومستلزمات الحد الأدنى من العيش الكريم.
