عدالة انتقالية | 8 04 2026
لودي علي
هذه البنية التحتية التي تشكل العمود الفقري لأي مجتمع أصبحت اليوم واحدة من أكبر التحديات أمام تعافي البلاد.
ولا ترتبط إعادة الإعمار فقط بتحسين الخدمات أو تحريك الاقتصاد، بل تُعد أيضاً جزءاً من مسار العدالة الانتقالية، باعتبارها تسهم في إصلاح الأضرار الجماعية التي خلّفتها الحرب وإعادة الحياة إلى المجتمعات المتضررة.
حجم الدمار في البنية التحتية
تشير تقديرات دولية إلى أن حجم الدمار في سوريا كبير وغير مسبوق في تاريخ البلاد الحديث.
وبحسب تقرير صادر عن البنك الدولي حول تقييم الأضرار واحتياجات إعادة الإعمار بين عامي 2011 و2024:
تضرر نحو ثلث الأصول الإنتاجية في سوريا مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
بلغت الخسائر المادية المباشرة حوالي 108 مليارات دولار.
كان قطاع البنية التحتية الأكثر تضرراً بقيمة تقارب 52 مليار دولار.
تضررت المباني السكنية بنحو 33 مليار دولار، والمنشآت غير السكنية بحوالي 23 مليار دولار.
وتقدّر الدراسة أن عملية إعادة الإعمار قد تحتاج إلى نحو 216 مليار دولار، مع احتمال أن تتراوح الكلفة بين 140 و345 مليار دولار بحسب السيناريوهات المختلفة.
وتُعد مدن حلب وريف دمشق وحمص من بين المناطق الأكثر تضرراً، نتيجة المعارك الطويلة التي شهدتها، والتي أدت إلى دمار واسع في الأحياء السكنية وشبكات الخدمات.
كما انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في سوريا بنحو 53% بين عامي 2010 و2022.
هيئة للبنية التحتية
عادة ما يُربط مفهوم العدالة الانتقالية بالمحاكمات أو لجان تقصي الحقائق، إلا أن إصلاح الأضرار الجماعية التي خلفتها الحرب يُعد أيضاً جزءاً أساسياً من هذا المسار.
وفي هذا السياق أعلنت الحكومة السورية مؤخراً إنشاء هيئة متخصصة تعنى بملف البنية التحتية، بقرار من الرئيس السوري أحمد الشرع، على أن يرأسها وزير الطوارئ وإدارة الكوراث رائد الصالح.
ويرى مختصون أن وجود هيئة متخصصة قد يساعد في تنسيق جهود إعادة بناء الطرق وشبكات الكهرباء والمياه والمرافق العامة، وهي قطاعات تُعد أساساً لأي تعافٍ اقتصادي أو اجتماعي بعد النزاعات.
لكن نجاح أي مؤسسة جديدة في هذا المجال سيعتمد على عدة عوامل، أبرزها وضوح التخطيط، والشفافية في إدارة المشاريع، إضافة إلى إشراك الخبرات الهندسية والاقتصادية في تحديد أولويات إعادة الإعمار.
الحاجة إلى رؤية تخطيطية
توضح الدكتورة لجين سليمان، الحاصلة على دكتوراه في الهندسة المدنية وهندسة الأنفاق والبنى التحتية من جامعة تشونغتشينغ في الصين، أن أحد أبرز التحديات التقنية أمام إعادة بناء البنية التحتية في سوريا يتمثل في غياب الإحصاءات الدقيقة والتخطيط الاستراتيجي.
وتقول إن عدم توفر بيانات واضحة حول نوع البنى التحتية المطلوبة أو حجمها أو أولوياتها الجغرافية يجعل الحديث عن التقنيات أو أدوات التنفيذ غير مكتمل دون وجود رؤية تخطيطية شاملة.
وتضيف أن إعادة الإعمار لا تعني بناء أبنية مرتفعة أو مشاريع شكلية، بل تبدأ أولاً بتطوير بنية تحتية قوية تشمل شبكات النقل والمواصلات العامة، والطرق السريعة، وتمديدات الكهرباء، إلى جانب استخدام تقنيات حديثة تعزز متانة المنشآت وتتيح تسريع عمليات البناء، رغم الكلفة العالية لهذه المشاريع.
كما تؤكد أن عدالة إعادة الإعمار مسألة أساسية، إذ ينبغي أن تصل المشاريع إلى جميع المناطق المتضررة، لا أن تتركز في المناطق الغنية فقط، لأن إهمال المناطق الفقيرة أو المدمرة قد يؤدي إلى تعميق التهميش وخلق أزمات اجتماعية مستقبلية.
تحديات إعادة الإعمار
رغم الحاجة الملحة لإعادة البناء، تواجه سوريا عدة تحديات رئيسية، من بينها:
الكلفة المالية الضخمة التي قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات.
ضعف المؤسسات والاقتصاد بعد سنوات من الحرب.
الحاجة إلى تخطيط عمراني جديد بدلاً من إعادة بناء الدمار كما كان سابقاً.
ضمان توزيع مشاريع الإعمار بشكل عادل بين المناطق المختلفة.
وفي هذا السياق تشير سليمان إلى أن هوية الاقتصاد الذي ستتبناه سوريا مستقبلاً ستنعكس مباشرة على شكل العمران والتنمية، لذلك لا يمكن فصل التخطيط العمراني عن التوجه الاقتصادي العام للدولة.
تجارب دولية
تظهر تجارب دول أخرى خرجت من النزاعات أن إعادة بناء البنية التحتية يمكن أن تلعب دوراً أساسياً في التعافي والاستقرار.
في البوسنة والهرسك، ساعدت برامج دولية لإعادة بناء الطرق والجسور والمساكن بعد حرب التسعينيات على عودة مئات الآلاف من النازحين وربط المناطق التي مزقتها الحرب.
أما في رواندا، فقد ركزت الحكومة بعد الإبادة الجماعية عام 1994 على إعادة بناء المدارس والمرافق الصحية بسرعة، إلى جانب إطلاق محاكم العدالة الانتقالية المحلية، ما ساهم في استقرار البلاد.
وفي كولومبيا، تضمّن اتفاق السلام مع حركة فارك عام 2016 برامج لتطوير المناطق الريفية المتضررة من الحرب، بما في ذلك تحسين الطرق والخدمات العامة، كجزء من معالجة المظالم التاريخية.
البنية التحتية والعدالة الانتقالية
الطرق والجسور وشبكات الكهرباء ليست مجرد منشآت هندسية، بل تشكل أساس الحياة اليومية وشرطاً لعودة المجتمعات إلى الاستقرار.
وفي سياق ما بعد النزاعات، يمكن أن تكون إعادة بناء المدن المدمرة وإصلاح الخدمات الأساسية أحد أشكال العدالة الانتقالية، لأنها تعيد للناس ما فقدوه وتمنحهم القدرة على العيش بكرامة في مدنهم وقراهم.
لذلك، يرى مختصون أن إعادة الإعمار في سوريا يجب أن تكون من الأولويات الوطنية، على أن تقوم على تخطيط دقيق ورؤية تنموية طويلة الأمد، تضمن تنفيذها بشكل عادل ومستدام.