تقارير وتحقيقات | 7 03 2026
روزنة
يشهد اليوم 7 آذار/مارس 2026 ذكرى أحداث أليمة شهده الساحل السوري راح ضحيته نحو 1800 شخص، بدء بهجوم نفذته قوات عسكرية موالية للنظام السوري بحق عناصر من الأمن العام، تلاها هجمات انتقامية بحق سكان مدنيين من الطائفة العلوية في الساحل السوري.
وقصدت اليوم مئات الأمهات والأقارب مقابر الضحايا في مناطق عدة بالساحل لزيارة قبور ذويهم الذي قضوا في تلك المجازر.
وفي آذار/مارس 2025 شهد الساحل السوري موجة عنف دامية بعد هجوم نفذه مسلحون وصفتهم الحكومة الانتقالية السورية بأنهم "فلول موالون للنظام السابق"، وإثر ذلك عاشت اللاذقية وطرطوس وبعض قرى ريف حماه أياماً من القتل والانتهاكات العشوائية التي ترقى وفق توصيف منظمات حقوقية إلى جرائم حرب ذات خلفية طائفية.
وفي تقريرها الصادر في أغسطس/آب حول مجازر مارس/آذار، خلصت "لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة" إلى أن أفراداً من قوات الحكومة المؤقتة، وأشخاصاً مستقلين، فضلا عن مقاتلين موالين للنظام السابق، ارتكبوا انتهاكات جسيمة ومنهجية وواسعة النطاق، قد ترقى إلى مستوى جرائم حرب، شملت القتل والتعذيب والاختطاف والنهب وتدمير الممتلكات.
بعد ذلك شكلت الحكومة الانتقالية لجنة تحقيق في ما أسمته "أحداث الساحل"، وقدّر عدد الضحايا وفق توثيق عدة جهات حقوقية بحوالي 1400 قتيل من المدنيين، وحوالي 400 قتيل من عناصر الأمن العام.
وأتت تلك الانتهاكات ضد المدنيين في الساحل السوري بعد عمليات عسكرية قامت بها مجموعات مسلحة مرتبطة بـ "فلول النظام السابق" ضد مقرات حكومية أمنية وعسكرية في اللاذقية وطرطوس، كان من نتيجتها قتل عدد من عناصر الأمن العام والعثور على جثث آخرين مدفونة بريف جبلة.
بين 6 و 9 آذار/مارس
على مدى ثلاثة أيام متتالية عاش الساحل السوري انتهاكات متنقلة بين مدنه وحاراته ذات الغالبية العلوية، وذلك على خلفية هجوم شنه "فلول النظام" على نقاط للأمن العام.
وإثر ذلك أُعلن النفير العام وتحرك ما يقارب الـ 200 ألف مقاتل ما بين قوات حكومية وأمنية وعشائرية باتجاه الساحل السوري، وبدأ الهجوم في سياق ما سمي بـ "عمليات التمشيط الأمني"، على أكثر من 30 قرية وبلدة تقطنها غالبية علوية.
ورغم تبرير هذه العمليات بأنها تهدف إلى القضاء على "فلول النظام" ومصادرة الأسلحة المخزّنة، فإنها أسفرت عن انتهاكات جسيمة ومنهجية استهدفت المدنيين على أساس هويتهم، وفق تقرير أعدّته وأصدرته بشكل مشترك كلٌّ من "هيومن رايتس ووتش" و"سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" و"الأرشيف السوري"، بتاريخ شباط/فبراير 2026.
وبحسب التقرير اجتاحت القوات الحكومية، المكوّنة من وحدات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، إلى جانب جماعات مسلحة موالية ومتطوعين مسلحين، الأحياء والبلدات والقرى ذات الأغلبية العلوية في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، مخلّفة وراءها منازل محترقة، وجثثا مكدَّسة، ومقابر جماعية، ومجتمعات مدمرة.
ورافقت هذه العمليات مداهمات منهجية امتدت من منزل إلى آخر، وكان سؤال واحد يتكرر عند كل منزل: “هل أنت علوي؟”، وغالبا ما كانت الإجابة على هذا السؤال هي الفاصل بين حياة الشخص وموته بالإعدام الوحشي، وفق ما وثق التقرير المشترك.
واستند التقرير إلى أكثر من مئة مقابلة، ومئات الفيديوهات والصور التي تم التحقق منها، بالإضافة إلى صور الأقمار الصناعية، وقدم أدلة على أن "القوات المسلحة ارتكبت إعدامات تعسفية على نطاق واسع، ودمرت الممتلكات بشكل متعمّد، ومارست انتهاكات بحق المحتجزين".
وشملت الفظائع أيضا أنماطا ممنهجة من الإذلال والمعاملة القاسية؛ إذ أُجبِر رجال على الزحف والنباح مثل الكلاب قبل أن يُعدَموا رميا بالرصاص، فيما تعرّض محتجزون مسنّون للضرب المبرح أمام الكاميرات. وأكّد الناجون أنهم واجهوا موجات متعاقبة من المسلحين الملثَّمين، بعضهم يرتدي بزّات عسكرية وآخرون ملابس مدنية، اجتاحوا منازلهم وأحيائهم مرارا. وفق ما ذكر التقرير.
لجنة تحقيق حكومية
أكد تقرير اللجنة الوطنية للتحقيق في مجازر الساحل السوري والصادر في تموز/يوليو 2025، تورط 298 شخصاً في هجمات "فلول النظام السابق" التي أسفرت عن مقتل 1426 شخصاً، واصفاً الانتهاكات بأنها ذات خلفية "ثأرية وليست أيديولوجية"، وغير "متعمدة"، مع توجيهات بملاحقة الجناة وإجراء محاكمات علنية.
وشدد التقرير على مسؤولية مجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام السابق في بداية الأحداث، وأوصى التقرير بملاحقة الفارين من العدالة والمضي في إجراءات العدالة الانتقالية.
وسلّمت لجنة التحقيق الوطنية التي شكّلها رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع في 9 آذار/مارس تقريرها النهائي في 13 تموز/يوليو 2025، ملحقًا بأسماء المشتبه بارتكابهم انتهاكات، شملت 298 من المرتكبين المحتملين لانتهاكات ضد مدنيين علويين و265 من المهاجمين المحتملين ضدّ القوّات الحكومية.
وحتى اليوم لم تنشر لجنة التحقيق لوطنية تقريرها كاملاً، وإنما وزعت نتائج تقريرها ضمن مؤتمر صحفي عقده رئيس اللجنة والمتحدث باسمها ياسر الفرحان بعد 4 أشهر من تشكيل اللجنة في 9 آذار/مارس 2025.
ودعت منظمات دولية من بينها "منظمة العفو الدولية"، إلى التحقيق في المجازر المرتكبة في الساحل السوري باعتباره "جرائم حرب"، وفق توصيفها. وأن تضمن الحكومة السورية الانتقالية محاسبة مرتكبي موجة عمليات القتل الجماعي التي استهدفت المدنيين العلويين في المناطق الساحلية، وأن تتخذ خطوات فورية لضمان عدم استهداف أي شخص أو جماعة على أساس طائفتهم.
محاكمات علنية "شكلية"
في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عُقدت بحلب أولى المحاكمات العلنية للمتهمين بارتكاب انتهاكات خلال مجازر آذار/مارس ومثل بالقضية 14 متهما من عناصر النظام السابق والقوات الحكومية الحالية.
واستمرت تلك الجلسة قرابة ساعتين، برئاسة القاضي المدني زكريا بكار (وهو رئيس محكمة الجنايات الخامسة في حلب) وعضوية المستشارين العسكريين حسين الشريف وأحمد مخلص المحمود. وقد تمثّل بعض المتّهمين بمحامين منتدبين من قبل المحكمة. وتمحورت الجلسات حول استجواب المتهمين حول التهم الموجّهة إليهم، وفق ما نقلت "المفكرة القانونية".
كما عقدت جلسة ثانية في 18 كانون الثاني/نوفمبر 2025، ضمن مسار قضائي حسب السلطات الرسمية والتي قالت: "إنه يهدف إلى محاسبة المتورطين في الجرائم التي طالت مدنيين وعناصر أمن على حد سواء".
لكن حتى اليوم لم تعلن كذلك نتائج تلك المحاكمات والقرارات الصادرة بحق المتهمين، أو الإجراءات القضائية اللاحقة المتعلقة بسير الدعاوى ومصير الموقوفين.
يبقى أن تحقيق العدالة في سوريا "لا يحتمل التأخير"، وفق منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، التي أكدت أن حجم مجازر مارس/آذار والانتهاكات المستمرة على أساس الهوية وبشاعتها تتطلبان أكثر من إجراءات رمزية أو إصلاحات جزئية، ينبغي أن تكون العدالة شاملة، وسريعة، وثابتة في التزامها تجاه جميع الضحايا.