عدالة انتقالية | 13 01 2026
لودي علي
اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع أعلنت قبل أيام عن إنجاز تسوية رسمية لحمشو، في إطار برنامج الإفصاح الطوعي الذي أطلقته اللجنة، والهدف بحسب تصريح رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع باسل السويدان لوكالة سانا، هو استرداد المال العام، وإعادته إلى الدولة السورية عبر مسار قانوني ومؤسسي منضبط، مع إعادة إدماج المال والأعمال الناتجة عن الكسب غير المشروع في الدورة الاقتصادية النظامية.
ليست حالة منفردة
وأكد السويدان أن تسوية محمد حمشو ليست حالة منفردة أو استثنائية، بل هي واحدة من عشرات التسويات التي تُنجز تباعاً ضمن هذا المسار، والتي تنتهي جميعها بـ إقرار طوعي من قبل رجال الأعمال المعنيين، يقضي بتسليم جزء كبير من أموالهم وأصولهم إلى لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، ليصار إلى تحويلها قانوناً إلى الدولة السورية، وتوجيهها لاحقاً نحو أغراض تخدم الاستقرار الاقتصادي، وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة.
السوريون وخاصة أولياء الدم منهم رفضوا التسوية مع حمشو بشدة ونظموا وقفة احتجاجية ليؤكدوا رفضهم أي تسويات غير عادلة أو مفتقرة للشفافية مع شخصيات اقتصادية كانت جزءاً بنيوياً من منظومة الاستبداد، وحمشو واحد منهم.
معبرين عن مخاوفهم من إعادة تعويم المتورطين في الجرائم وإعادة انتاج نظام اقتصادي غير عادل.

تجار الدم
في شهادات مؤثرة من ساحة الاحتجاج قالت إحدى السيدات: "اليوم محمد حمشو وغداً رامي مخلوف، وربما بعدها بشار الأسد خاصة انه أكثر من يمتلك المال!!"
وتؤكد أخرى:" نطالب الحكومة اليوم بالعدالة ولا نريد تسوية مع من نهبوا وسرقوا، فهؤلاء ليسوا رجال أعمال إنما رجال الدم، هم من تاجروا بدماء شهداء سوريا وتاجروا بالثورة"
"من باع ضميره لأجل المال.. لن أقبل أن يبني مستقبلي اليوم "
وتساءل أحد المشاركين: "كيف تسامح الدولة هؤلاء بعد أن دعموا هدم بيوتنا وقتل أولادنا.. نرفض أي تسوية تسبق مسار العدالة الانتقالية"
تجارب
التسويات مع رجال أعمال دعموا الأنظمة السابقة ليست جديدة فقد عاشت العديد من الدول تجارب مشابهة
فلم تنجح البوسنة في تمرير قوانين صارمة لمصادرة ثروات "أمراء الحرب" أو رجال الأعمال الذين استفادوا من السوق السوداء وتجارة السلاح والحصار. بدلاً من ذلك، تم دمج الكثير من هؤلاء في النظام الاقتصادي الجديد من خلال عمليات الخصخصة، حيث اشترى رجال أعمال مقربون من الأحزاب القومية المصانع والشركات الحكومية بأسعار زهيدة، مما اعتبره الكثيرون "غسيلاً شرعياً" لثروات الحرب.
وبعد الثورة التونسية واجهت الدولة مشاكل مشابهة.. رجال أعمال جمعوا ثروات طائلة بفضل قربهم من عائلة بن علي، وكان الحل بتقديم رجال الأعمال لـ "كشف طوعي" عن ثرواتهم ودفع مبالغ مالية لخزينة الدولة مقابل إسقاط الملاحقات القضائية، ما أثار جدلاً واسعاً في تونس آنذاك، حيث اعتبرها البعض "تبييضاً للفساد".
وحدث ذلك أيضاً في العديد من الدول الأخرى مثل مصر وجنوب أفريقيا وروسيا.
استقرار هش
تُظهر التجارب المقارنة في دول خرجت من النزاعات أو الثورات أن التسويات الاقتصادية مع رجال أعمال ارتبطت ثرواتهم بالأنظمة السابقة، غالبًا ما تُقدَّم بوصفها حلولًا سريعة لتخفيف الأزمات المالية، لكنها تحمل في طياتها مخاطر بعيدة المدى. ففي غياب المحاسبة والشفافية، تتحول هذه التسويات من أداة لاسترداد المال العام إلى وسيلة لإعادة إنتاج النفوذ نفسه، وإعادة دمج شبكات المصالح القديمة في النظام الاقتصادي الجديد، بما يقوّض الثقة العامة ويعمّق شعور الضحايا بأن العدالة قد جرى تجاوزها باسم الاستقرار.
تضع تسوية محمد حمشو الحكومة السورية اليوم أمام اختبارٍ بالغ الحساسية؛ فبينما تُقدَّم «برامج الإفصاح الطوعي» بوصفها ضرورة اقتصادية لدعم الخزينة وإعادة الإعمار، يراها كثير من السوريين التفافًا على تضحياتهم ومحاولةً لإضفاء شرعية قانونية على «أموال الدم». فالاستقرار الذي يُبنى على تسويات تسبق المحاسبة، ولا تُخضع جميع المتورطين للمساءلة، يبقى استقرارًا هشًا، مهددًا بالانهيار عند أول سؤال عن العدالة، وأول مطالبة بحقوق الضحايا.

