من الولاية العالمية إلى العدالة الوطنية.. كيف رسمت المحاكمات الدولية مستقبل المحاسبة في سوريا؟

من الولاية العالمية إلى العدالة الوطنية.. كيف رسمت المحاكمات الدولية مستقبل المحاسبة في سوريا؟

عدالة انتقالية | 7 05 2026

لودي علي

ومع غياب انعقاد محكمة دولية حول سوريا لأسباب سياسية يفرضها الفيتو، قامت عدة دول أوروبية مثل بممارسة "الولاية القضائية العالمية" لمحاكمة متهمين بارتكاب مثل هذه الجرائم أمام محاكمها، وتوسعت أعمال هذه المحاكمات بعد سقوط النظام السوري السابق وفتح مجال أوسع لجمع الأدلة.

350 قضية

تحركت عشرات المحاكمات المتعلقة بالجرائم المرتكبة في سوريا عام ۲۰۲۳ في العديد من الدول، وشملت مجموعة متنوعة من الجهات المتهمة بينهم مسؤولون حکومیون سوريون، وعناصر من الميليشيات الموالية للنظام ومقاتلو داعش، وحتى نهاية 2023 وصل عدد هذه المحاكمات إلى 300 محاكمة وفقا لتقرير "حالة العدالة في سوريا، 2024" وهو التقرير السنوي الخامس للمركز السوري للعدالة والمساءلة والذي يركز على انتهاكات حقوق الإنسان وجهود العدالة في سوريا عام 2023.

كما شهد عام 2024 الكثير من المحاكمات المماثلة، والتي بدأت أو استمرت خلاله، وفي نهاية هذا العام، تضمنت قاعدة بيانات المركز السوري للعدالة والمساءلة لتتبع القضايا أكثر من ٣٥٠ قضية من المحاكمات الجنائية المتعلقة بسوريا، وكثير منها لا يزال مستمراً، حسب تقرير المركز السوري للعدالة والمساءلة عام 2025.

ومن المرجح أن يتزايد هذا العدد في عام ٢٠٢٥، إذ قد يشعر مزيد من الشهود بالقدرة على الإدلاء بشهاداتهم.

محكمة كوبلنتس في ألمانيا

وعلى سبيل المثال بدأت ألمانيا في تشرين الثاني نوفمبر الماضي محاكمة خمسة متهمين بارتكاب جرائم القتل وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا، لتورطهم بأحداث حصار مخيم اليرموك في دمشق بين 2012 و2014، بصفتهم أعضاء في جماعات مسلحة موالية للنظام السوري آنذاك.

كما أضاف المدعي العام تهمة استخدام تجويع المدنيين أداةً للحرب بعد شهر من صدور لائحة الاتهام الأولية، ما جعل لهذه المحاكمة أهمية تاريخية لأن تهمة التجويع لم يسبق أن اتُّهم بها أحد بموجب القانون الألماني.

وسيكون تجريم تجويع المدنيين في مخيم اليرموك سابقة قانونية من الممكن البناء عليها لاحقا عند طرح قضايا مشابهة مثل حصار دير الزور والغوطة الشرقية، لتتجاوز أصدائها نطاق القضية الحالية..

كما أصدرت محكمة فرانكفورت في حزيران يونيو 2025، حكماً بالسجن مدى الحياة بحق الطبيب السوري "علاء.م" المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في مستشفيات عسكرية في سورية، وهي القضية الثانية من هذا النوع.


19 تحقيقاً ضد سوريين في بلجيكا

وفي الولايات المتحدة تعتبر قضية " محافظ دير الزور السابق ومدير سجن عدرا " هي القضية الأبرز في هذا السياق حيث وجهت له تهم "جرائم حرب" والإشراف على عمليات تعذيب ممنهجة، قتل معتقلين، وإصدار أوامر بقمع عنيف للمتظاهرين أدى لمجازر (مثل مجزرة الجورة والقصور في دير الزور).

وقد حدد موعد محاكمته الجنائية الكبرى في آذار مارس 2026.

وكذلك محاكمة "سامي جدو" في بلجيكا بتهمة الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين في سوريا ولاتزال التحقيقات جارية

كما كشف المدعي العام البلجيكي في كانون الأول ديسمبر 2025 عن وجود 19 تحقيقاً جنائياً مفتوحاً ضد سوريين مقيمين في بلجيكا يشتبه بتورطهم في جرائم حرب.

بالإضافة إلى مذكرات توقيف بشار وماهر الأسد في فرنسا أيلول سبتمبر 2025، حيث أصدر القضاء الفرنسي مذكرات جديدة تتعلق بقصف مدن سورية بالأسلحة الكيميائية (2013)، بعد تجاوز عقبات الحصانة الدبلوماسية إثر سقوط صفته كرئيس دولة.

الولاية القضائية العالمية

العديد من القضايا الأخرى في أوروبا تستند إلى جرائم قتل وشهادات متعلقة بالسياق السوري، تدعمها مجموعات حقوقية ومحامون متخصصون، وتستند هذه القضايا إلى مبدأ "الولاية القضائية العالمية"، الذي يسمح بمحاكمة الجرائم الدولية الجسيمة بغض النظر عن مكان وقوعها أو جنسية المتهمين.

وتوضح المحامية والناشطة الحقوقية شيرين سعيد أن الولاية القضائية العالمية من حيث المبدأ هي بديل عن المحاكمات الإقليمية أو الوطنية بسبب عدم كفأتها أو عدم رغبتها بالقيام بالمحاكمات، أما عندما يكون هناك ولاية وطنية في سوريا قادرة أو راغبة بإجراءات المحاكمات فهي تلغي الولاية القضائية العالمية.

من الممكن الاستناد إلى الولاية القضائية العالمية في التحقيق بالجرائم الدولية مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية والتعذيب وغيرها طالما هناك شخص متهم موجود على ارض البلد الذي يريد إجرء تلك المحاكمات.

وتضيف "في سوريا اليوم هذه المحاكمات ليست بديل حقيقي إنما يجب أن يكون هناك بدائل محلية لكنها بديل اضطراري وحالي بسبب ضرورة كسر حلقة الإفلات من العقاب الموجودة، خاصة مع عدم استكمال ملف الاصلاح القضائي في سوريا وعدم السير في ملف العدالة الانتقالية كما يجب".


توثيق

المحاكم الأوروبية عملت على توثيق الأدلة بشكل منهجي (شهادات شهود، تحليلات خبراء، مستندات)، وهو ما يُعد مرجعًا قيّمًا في حال إعادة النظر في الجرائم أمام نظام قضائي سوري يمكنه الوصول إلى هذه الأدلة لاحقًا.

وأحد أبرز هذه المبادرات هو قاعدة بيانات الأدلة على الجرائم الدولية التي أنشأتها هيئة التعاون القضائي الأوروبية Eurojust.

وترى المحامية أن من نقاط القوة اليوم وجود دعم شعبي يدعم هذه القضايا، فهي كانت تُرفع سابقا ولكن كان هناك صعوبة في جمع الأدلة وتوفر الشهود وغير ذلك، واختلف الوضع اليوم حيث أصبح الاثبات أكثر سهولة.

وتضيف: "استخدام هذه القضايا كسوابق قانونية في سوريا يشترط أن يكون هناك اتفاقيات بين سوريا والبلدان الي تقوم بهذه المحاكمات حيث يجب ان يكون هناك اتفاقيات مساعدة قانونية واتفاقيات تسليم مجرمين، وهذه الاتفاقيات ستسري على الطرفين أي أن على كل طرف أن يعترف بأحكام الآخر ويسلم المجرمين له وهذا يتطلب ان تكون المنظومة القضائية في سوريا موثوقة بالنسبة للدول التي ستقوم بهذه الاتفاقية وتتطلب التزام بحقوق الانسان ودمج القوانين الدولية بالقانون السوري وأن يكون في سوريا قانون خاص للجرائم ضد الإنسانية.

"بالإضافة إلى أن سوريا مصادقة على اتفاقية مناهضة التعذيب لكنها غير مصادقة على البروتوكول الاختياري الملحق الذي يضبط التزام الدولة في هذه الاتفاقية وهذا غير كافي."

وللوصول إلى قضاء نزيه مستقل يكيف قوانينه مع قوانين حقوق الانسان يجب أن يكون هناك ضغط من المجتمع المدني وأهالي الضحايا والناجين، ليسهم الجميع في محاسبة مرتكبي هذه الجرائم سواء عبر المحاكم الوطنية أو الخارجية.

محاكمة فوق الأرض التي شهدت الجريمة

اتساع رقعة المحاكمات السورية في الخارج، والتي تجاوزت 350 قضية بنهاية عام 2024، ليس مساراً بديلاً للعدالة الانتقالية في سوريا، بل تحول إلى خزان استراتيجي للأدلة والسوابق القانونية التي يجب أن تعتمد عليها سوريا في المستقبل.

فالمحاكمات الدولية كسرت حلقة الإفلات من العقاب، لكن تبقى المهمة الأكبر ملقاة على عاتق المنظومة القضائية الوطنية والمجتمع المدني، لتطوير القوانين وبناء اتفاقيات دولية تسمح باستعادة هؤلاء المتهمين ومحاكمتهم فوق الأرض التي شهدت جرائمهم، لضمان عدالة انتقالية شاملة تطوي صفحة الاستبداد.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض