تقارير وتحقيقات | 24 12 2025
محمد الحاج
"ماذا نفعل؟ وإلى أين ننزح؟ الحرب قادمة"، أسئلة ونقاش يومي حاضر في منازل مدينة الرقة، مع اقتراب انتهاء مدة تنفيذ اتفاق العاشر من آذار بين رئيس سوريا في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع وقائد "قوات سوريا الديمقراطية"، والحديث المتصاعد عن احتمالية مواجهة عسكرية بين الطرفين.
تحدثت روزنة إلى مدنيين في الرقة لرصد خياراتهم مع الاحتمالية المتزايدة لاندلاع مواجهات، وما إذا كانوا سيلجؤون للنزوح أو البقاء، كما نسلط الضوء على الوضع الأمني والعسكري في المدينة، خصوصاً انعكاسات الاشتباكات في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب.
النزوح خيار الجميع.. لكن إلى أين؟
ينقل سعيد عن محيطه أن الجميع يتحضّر لسيناريو واحد في حال اندلاع الحرب، إذ بدأت نقاشات داخل كل عائلة حول خيار واحد هو النزوح.
ويوضح قائلاً:"النزوح خيار الجميع، لكن إلى أين؟ هل ستبقى المعابر مفتوحة؟ هل نتجه نحو طريق دير الزور أم حلب؟ ومن لا يملك القدرة على النزوح إلى خارج المحافظة، يسأل أيّ ريف أكثر أماناً؟".
أما حسام، فيقول لروزنة إنه قرر النزوح إلى حلب أو دمشق في أي لحظة يشعر فيها بأن الحرب قد اشتعلت ضمن حدود المحافظة الإدارية، إلا أن هاجسه الأكبر يبقى مرتبطاً بإغلاق الطرقات وفتحها.
وجود منزل يستقبل حسام، امتياز لا يتوفر لدى شريحة واسعة من الأهالي، إذ يؤكد أن الوضع الاقتصادي الصعب يمنع كثيرين من خيار النزوح إلى مناطق سيطرة الحكومة، قائلاً: "لو العالم عندها مصاري، ما حدا يظل هين! لكن الوضع الاقتصادي صار صعب كثير، الكل يشتغل باليوميات، وين يروحون بحالهم".
من جانبه، لم يحسم فهد قراره بعد، فلا أقارب له في الريف ولا يسمح له وضعه المادي بالنزوح إلى خارج المحافظة.
ويضيف لروزنة: "حديثنا اليومي العائلي ومع أصدقائي في السهرة، عن خيارات النزوح! شنو نسوي؟ ننزح! نظل! لوين! ما عرفانين شنو نسوي ولا نرسى على بر. شي يحير، مرة تقول ما بي حرب ومرة اتفاق!".
وبعد نقاش عائلي مسائي لوضع خطة نهائية، قرر فؤاد مع عائلات أشقائه وشقيقاته، أن يتجهوا إلى الريف الغربي عند انطلاق شرارة الحرب، مع تحميل ما يعتبرونه ثميناً خوفاً من عمليات سرقة في حال أفرغت المدينة من سكانها.
وأكدت الشهادات لروزنة أن حاجز "دير حافر" في ريف حلب أو على طريق "أثريا"، مفتوح أمام حركة القادمين والمغادرين، في اليومين الماضيين، ذلك بعد فترة من الإغلاق والتشديد قبل شهرين.
اقرأ أيضاً: الحكومة تغلق الطرق من وإلى الرقة.. شهادات: "قسم بالله دمرونا"!

الساعة الأخيرة للنزوح من الرقة
بعد تردد طويل ونقاشات عائلية يومية، اتخذت أم سبع قرارها النهائي بالنزوح إلى منزل عائلة صديقة في حماة.
تقول: "لم يكن القرار سهلاً، كيف أترك منزلي؟ لم نعد نطيق تجربة النزوح، ولا أريد أن أترك كل ما أسسته بعد عودتي هنا عقب حرب داعش. بعد أن شعرت بالاستقرار وجهزت نفسي للبقاء في حال تصاعد الأمور، ضغط علي أبنائي وبناتي أن أنزح لفترة، يقولون اعتبريها سياحة أو نقاهة، لكن يجب أن تغادري!".
وتتقاطع شهادات الأهالي التي حصلت عليها روزنة مع مخاوفهم من الإغلاق المفاجئ للطرقات المؤدية إلى مناطق سيطرة الحكومة، أو من احتمال اتخاذ "قسد" قرارًا يمنع النزوح، مستذكرين تجاربهم السابقة خلال الحرب ضد تنظيم "الدولة" في 2017.
حول ذلك، يروي عادل أن عددًا من معارفه الميسورين خرجوا قبل أيام إلى محافظات مثل اللاذقية أو حماة أو دمشق، البعض لجأ إلى أبنائه في الجامعات هناك، أو إلى عائلات نزحت منذ سنوات، فيما اضطر آخرون لدفع مبالغ مالية مقابل أجارات أسبوعية أو شهرية.
ويتخوف أهالي الرقة الذين قرروا النزوح من تحكم المهربين وفرض مبالغ كبيرة قد تصل إلى ألف دولار عن الشخص الواحد إذا بدأت الحرب فعلاً. ويبتسم فهد قائلاً: "تعلمنا من تجربتنا السابقة في النزوح… هناك دروس مستفادة، أصبحنا خبرة هنا مع الأسف!".
وأدت الحملة العسكرية للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الرامية لطرد تنظيم "الدولة" من مدينة الرقة، إلى سقوط الآلاف من المدنيين بين قتيل وجريح، حسب منظمة العفو الدولية.
وقالت في تقرير مفصل يوثق عدد الضحايا وقصص بعضهم، أن القصف المستمر حينها "بلا هوادة طيلة أربعة أشهر، خلف دماراً واسعاً بالمدينة، وحوّل منازلها ومنشآتها ومرافقها الأساسية إلى أنقاض".
وذكرت أن "الأهالي وجدوا أنفسهم بين شقي رحى القتال الدائر بين الطرفين في مدينة صارت أشبه بمصيدة الموت؛ إذ تعذر عليهم الفرار بسبب نيران قناصة تنظيم "الدولة الإسلامية" وألغامهم الأرضية، بينما راحت نيران القصف الجوي والمدفعي المتهور من جانب قوات التحالف تحصد أرواحهم في بيوتهم".

الكل خائف في الرقة.. "ما حدا مرتاح"
تتقاطع الشهادات التي حصلنا عليها خلال إعداد المادة على أن الحركة في الأسواق ما تزال شبه طبيعية، لكن جميع من تحدث إليهم معدّ التقرير عبروا عن شعور واحد: "الكل خائف ومرعوب… وجوه الكل مو طبيعية، نفسيًا ما حدا مرتاح".
ويبقى خيار شراء مواد كمؤونة في حال إغلاق الأسواق واشتداد المعارك حاضراً لدى شريحة من العائلات، في حين تفكر عائلات أخرى بتوفير المبالغ التي ستدفع مقابل المواد التموينية لدفع تكاليف النزوح المحتمل.
ويرى سعيد، حسب مشاهدته، أن "الأوضاع والحركة طبيعية، لكن الأجواء على وسائل التواصل الاجتماعي توحي بأن (الدنيا خربانة). هناك رعب وخوف عندي شخصياً ولدى كل من أعرفهم، والجميع في حالة استنفار وتأهب".
ويشرح فهد بدوره: "الكل يعطي رأيه وقراءته، لكن لا أحد يستطيع أن يحلل أو يتوقع. عندما بدأت الحرب ضد داعش توقعنا أن تكون محدودة وأنهم لم يقاوموا، لكن المدينة دمرت بالكامل! اليوم لا ندري ما الذي سيحصل، وكل ما نناقشه لا قيمة له، لا نعرف ما الذي ستحمله لنا الأيام القادمة!".
ويخيم شبح تكرار سيناريو استخدام تنظيم "الدولة" المدنيين كدروع بشرية وسط الرقة في 2017، حيث قدرت الأمم المتحدة عددهم بين 10 و50 ألف شخص.
وترك القصف الذي نفذه التحالف الدولي و"قسد" المحاصرين في ما سمي بـ"تيه قاتل"، وفق تقرير لمنظمة العفو الدولية، التي نقلت حينها شهادة أحد المدنيين بأن القصف كان غالبًا غير دقيق، وكان كـ"الجحيم الذي لا يتوقف".

حفر الأنفاق لم يتوقف: "لن يسلّموا"!
أكثر ما يخيف جميع من تحدثنا إليهم، هو عملية حفر الأنفاق المستمرة منذ أشهر من قبل "قسد" في مختلف أرجاء المدينة، ويعتبرها الأهالي مؤشراً على قرب الحرب وخيار الانسحاب أو التسليم غير وارد لدى المسيطرين على الرقة.
ينقل حسام، حسب مشاهداته الشخصية: "وتيرة حفر الأنفاق لم تتوقف. يحفرون من الصبح حتى المساء! بعد الشهر العاشر صار الأمر مكثفاً في كل مكان بالرقة. الوضع مقلق ومرعب".
أما فؤاد فأكد لروزنة أنه شاهد عملية حفر الأنفاق المستمرة أمس الثلاثاء عند "بناية الجميلي" و"نادي الشباب"، معتبراً أن "حفر الأنفاق هذا ليس عبثًا، لن يسلمّوا".
وتبدي ليلى استغرابها من وجود 200 متر فقط بين عناصر "قسد" و"الأمن العام" التابع للحكومة عند حاجز دير حافر، شاهدتهم قبل يومين عند قدومها إلى الرقة، وتتساءل: "كيف يمكن أن تحصل معركة، عند الحاجز الرئيسي هناك، لا شيء يوحي بذلك! الوضع غريب ولا نعرف شيء".
وحسب من تحدثنا إليهم، توجد حركة أمنية وعسكرية مكثفة نسبيًا لعناصر "الشرطة العسكرية" و"قسد" واستخباراتها، ويمكن ملاحظة انتشار مدرعة وسيارات "بيك آب" عند دوار النعيم بعد "أحداث الشيخ مقصود"، مع رفع سواتر ترابية على الطرق العامة المؤدية للمدينة.
ونشرت منظمة العفو الدولية قبل سنوات في تقرير لها، أسماء وصور 1600 قتيل مدني، قضوا خلال حرب التحالف و"قسد" ضد تنظيم "الدولة" في الرقة.
وفي ظل هذه الأوضاع، يبقى أهالي الرقة أمام خيارات صعبة، البقاء وسط القلق المستمر والمخاطر المحتملة، أو النزوح إلى مناطق أخرى بحثاً عن الأمان، في ظل تقديرات غير رسمية بتواجد نحو 300 ألف مدني يسكنون المدينة الآن.
وتكشف شهادات من تحدثنا إليهم، حجم المخاوف النفسية والاقتصادية، وتسلط الضوء على واقع لا يمكن التنبؤ به، حيث يظل كل شيء رهينة التطورات العسكرية والسياسية القادمة، بينما يبقى الأهالي في حالة استعداد دائم، بانتظار ما ستجلبه الأيام القادمة لمدينتهم التي يصفونها بـ"المتعبة من الحرب".
*تنويه: حرصاً على سلامة المصادر، تم استخدام أسماء مستعارة لكل الأشخاص الذين وردت شهاداتهم في التقرير، بناءً على طلبهم.
