بعد عودتهم إلى سوريا... لبنان يواجه أزمة عمالة في الزراعة والبناء

بعد عودتهم إلى سوريا... لبنان يواجه أزمة عمالة في الزراعة والبناء

تقارير وتحقيقات | 3 11 2025

باميلا صعب

بعد ضغوط لسنوات عاشها لبنان بسبب توافد السوريين منذ اندلاع الثورة، ظن البعض أن عودة قسم كبير إلى بلدهم منذ سقوط النظام أواخر العام الفائت، يعني تنفس لبنان الصعداء، لكن قطاعات مختلفة بدأت تكشف عن جانب "مظلم" لهذه العودة، التي خلقت فراغاً مؤثراً لا يسهل تعويضه. 

وبحسب بيانات تقييم الفقر والضعف للاجئين السوريين "VASYR"، فإن الزراعة تشكّل نحو 22 في المئة من مصادر الدخل الرئيسة للأسر اللاجئة العاملة، والبناء نحو 15 في المئة في عام 2023، ومع معدل تشغيل يُقارب الـ41 في المئة للسوريين، عام 2024.

هذه القطاعات تعتمد بشكل أساسي على العمال السوريين، خاصة أن القانون اللبناني يسمح لـ"الأجنبي" القيام بهذه الأعمال.

غياب العمال السوريين.. كيف أثر؟

يتحدث جورج بو غصن وهو أحد مزارعي الزيتون في بلدة دربعشتار الكورة، عن صعوبات اصطدم بها موسم الزيتون هذا العام، فمن جهة كان المحصول ضعيفاً، ومن جهة أخرى كان هناك نقص في اليد العاملة.

قال "بو غصن" لروزنة نسب اليد العاملة السورية في قطاع الزراعة "كانت متدنية جداً"، حسب تقديره، إذ يرى أن السوريين الذين كانوا يعملون في قطاع الزراعة عاد معظهم إلى سوريا، بينما يعاني آخرون من تضييقات أمنية حكومية قد تعيق مشاركتهم في موسم قطاف الزيتون.

وأدى هذا الغياب إلى ارتفاع أجرة اليد العاملة المتاحة والتي تفوق إمكانية المزارع في بعض الأحيان، لكنه يضطر إلى دفع المطلوب خوفاً على موسمه، الذي تأثر إنتاجه بفعل الطقس وعوامل طبيعية أخرى "بشكل سلبي جداً".

"العودة المنظمة" للسوريين من لبنان، والتي أصبحت في مرحلتها السابعة، تُضاف إلى العودة التلقائية التي بدأت مع سقوط نظام الأسد.

وبحسب وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية فقد تمكّن حتى الآن أكثر من 320 ألف نازح سوري من العودة إلى بلدهم، بعد شطب أسمائهم من سجلات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بالتنسيق مع الأمن العام اللبناني.

توقعات أممية بعودة 1.5 مليون لاجئ ومليوني نازح سوري نهاية 2025.. إليك الأرقام كاملة

توقعات أممية بعودة 1.5 مليون لاجئ ومليوني نازح سوري نهاية 2025.. إليك الأرقام كاملة

غياب العمال السوريين.. مشكلة حقيقة

أبو دعاء سيار، من منطقة البيرة في عكار، يعمل في تأمين اليد العاملة الزراعية في منطقته، يتحدث بدوره عن مشكلة حقيقية في إيجاد عدد عمال يكفي لتغطية الحاجة.

وأوضح أبو دعاء لروزنة، أن أغلب السوريين الذين كانوا يعملون في الزراعة معه قد عادوا إلى بلادهم، ويقتصر عدد العمال الذين استطاع تأمينهم هذه السنة على العشرين عاملة، وأغلبهن بدأن العمل مؤخراً، ولا يملكن الخبرة الكافية.

وأشار أبو دعاء إلى أن موسم الزيتون المنخفض في بعض المناطق هذه السنة، أدى لعدم الحاجة إلى عدد كبير من اليد العاملة الزراعية، لكن بالنسبة للمزروعات الأخرى ومواسم الزيتون اللاحقة "فبالفعل هناك أزمة، في السنوات السابقة كنت أستطيع تأمين أكثر من مئة عامل وعاملة للموسم"، يقول.

في السياق نفسه تشير عمشة وهي سيدة سورية تعمل في الزراعة الموسمية في سهل البقاع، إلى أن هناك تراجعاً في اليد العاملة السورية التي تعمل في الزراعة بنسبة 60 في المئة، حسب تقديرها.

وقالت عمشة لروزنة أن العامل السوري يعمل ب350 ألف ليرة يومياً (نحو 4 دولار بسعر صرف اليوم)، أما العامل اللبناني فيأخذ أضعاف أجرة العامل السوري أي حوالي الـ15 دولار يومياً.

شكوى عمشة وجورج وغيرهما من أصحاب الأراضي، هي ذاتها، فمع رحيل أعداد كبيرة من العمال ذوي الخبرة والذين كانوا يضطرون للقبول بأجور زهيدة، يعاني لبنان من أزمة في تأمين عمال جدد، وسط صعوبات تأمين عمالة محلية بذات الأجور.


الأمن اللبناني يخلي بلدتين ومدينة من السوريين "المخالفين"

الأمن اللبناني يخلي بلدتين ومدينة من السوريين "المخالفين"

ليست مشكلة جديدة

يعتبر أنس الحناوي وهو باحث اجتماعي في قضايا العمال المهاجرين واللجوء، أن القطاع الزراعي يعتمد بشكل كبير على العمال السوريين المقيمين في المخيمات.

ويرى في حديث لروزنة أن معالجة مشكلة الوجود السوري عبر حملات الترحيل القسري والتضييق على النازحين في المخيمات، يؤدي الى الإضرار بالقطاع الزراعي من حيث ترحيل العمال الزراعيين ويؤدي إلى نقص العمالة عوضا عن تنظيم العمالة.

وقال "الحناوي" إن مشكلة نقص العمالة في قطاعات حيوية بدأت تظهر منذ موجة الترحيلات في نهاية عام 2023، وكانت هذه الأزمة أكثر وضوحا في المناطق التي تشهد عمليات ترحيل السوريين، إذ يتوقف العمل أحيانًا بسبب عدم توفر العمال.

وتقول المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين إن "للاجئين الحق الأساسي في العودة إلى بلدهم الأصلي في الوقت الذي يختارونه (...) ومن الضروري أن يستمر حصول اللاجئين على اللجوء والحماية في البلدان المضيفة".

وأضافت في تقرير لها قبل أشهر: "وبينما لا تشجع المفوضية على العودة إلى سوريا، فإنها تُسهّل الآن العودة الطوعية والآمنة والكريمة استجابةً للطلبات المتزايدة من اللاجئين أنفسهم (...)".

نصف مليون سوري يغادرون لبنان... هل الوطن جاهز لاستقبالهم؟

نصف مليون سوري يغادرون لبنان... هل الوطن جاهز لاستقبالهم؟

قطاع البناء يتأثر أيضاً بغياب السوريين

يشير ربيع الأشقر وهو متعهد ورش بناء في شمال لبنان أن العمال الذين كانوا يعملون معه في السنوات السابقة قد عاد قسم منهم إلى سوريا بعد سقوط النظام السابق، لكنه استطاع سد النقص الحاصل بالاستعاضة عنهم بعمال سوريين نزحوا من مناطق الساحل السوري إلى لبنان وتحديداً عكار.

ويقدر الأشقر عدد العاملين معه في قطاع البناء بحوالي ال23 عاملاً، ومعظم هؤلاء العاملين هم من الجنسية السورية، نظراً لخبرتهم وكفاءتهم في هذا القطاع.

أما أدهم المحيميد وهو متعهد ورش دهان فيقول إن العمل قد تأثر كثيراً بعد عودة السوريين الذين كانوا يعملون معه إلى بلادهم، وبسبب هذا النقص اضطر إلى إيقاف عدد من الورش التي كان يعمل بها بسبب صعوبة إيجاد عمال سوريين آخرين.

وفي ظل دفع أجور متدنية للعمال السوريين، اضطر  إلى الاعتذار عن تعهد بعض الورش، بسبب النقص الحاد في اليد العاملة الأجنبية وعدم القدرة على دفع تكاليف للمحلية.

اقرأ أيضاً: 15 ألف نازح سوري نحو شمال لبنان... ظروف إنسانية صعبة ومأساة

أحمد إدريس، عامل سوري في ورش البناء بلبنان، قرر العودة منذ حوالي الخمسة أشهر إلى مدينته حمص، يقول لروزنة إنه يتلقى يومياً عروض عمل في ورش البناء، لكنه يعتذر من أصحابها بسبب صعوبة العودة إلى لبنان والاستقرار فيه مرة أخرى.

وقرر أحمد الاستقرار إلى جانب عائلته ولا يفضل العودة بسبب التضييقات الحاصلة من قبل الحكومة اللبنانية على السوريين الذين لا يملكون إقامة.

في هذا الإطار، يرى الحناوي، ضرورة النظر إلى تأثير رحيل السوريين من زوايا مختلفة "أولاً، كعمال في قطاعات أساسية مثل الزراعة والأفران والبناء. ثانياً، كمستهلكين يساهمون في تنشيط المناطق التجارية وقطاع الخدمات".

ومن الآثار التي يجب التعامل معها من قبل الحكومة اللبنانية في ملف العمالة السورية وعودتها، يشير الباحث إلى المناطق التي احتضنت البرامج التي يقدمها قطاع المساعدات، والتي كانت تهدف لدعم اللاجئين والمجتمع المحلي على حد سواء.

وبحسب وزارة الشؤون اللبنانية، فإن أكثر من 110 آلاف نازح إضافي أبدوا رغبتهم بالعودة، ما يجعل العدد الاجمالي المتوقع للنازحين السوريين العائدين إلى بلدهم حوالي النصف مليون سوري حتى نهاية العام.

وجاء في تقرير المفوضية السنوي "الاتجاهات العالمية" الذي نشر في حزيران/يوني الماضي، أن العام الفائت شهد عودة 1.6 مليون لاجئ إلى أفغانستان وسوريا وجنوب السودان وأوكرانيا، وهي العودة الأعلى للاجئين منذ عقدين.

وفي مسح حول نوايا العودة لـ3368 لاجئ سوري في مصر والعراق والأردن ولبنان في كانون الثاني الماضي، أشار 80 بالمئة منهم إلى أنهم يأملون بالعودة يوماً إلى سوريا، وهي نسبة أعلى من تسعة مسوحات سابقة أجرتها المفوضية، آخرها كان 57 بالمئة في نيسان العام الفائت.

27 بالمئة من الذين شملهم المسح، قالوا إنهم ينوون العودة إلى سوريا في 2026.

حسب الأرقام والإحصاءات للنازحين السوريين قسراً، استضافت الدول المجاورة نحو 80 بالمئة من اللاجئين وطالبي اللجوء، النسبة الأكبر منهم في تركيا وصل عددهم حتى نهاية 2024 إلى 2.9 مليون شخص، إضافة لوجود 755 ألف سوري في لبنان و611 ألف في الأردن و304 ألف في العراق.


بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض