نصف مليون سوري يغادرون لبنان... هل الوطن جاهز لاستقبالهم؟

نصف مليون سوري يغادرون لبنان... هل الوطن جاهز لاستقبالهم؟

تقارير وتحقيقات | 31 10 2025

باميلا صعب

انتقل ملف النازحين السوريين في لبنان إلى مرحلة حاسمة مع تزايد الضغوط المحلية والدولية لإنهاء الأزمة. فبعد نحو عام من العمل الحكومي، أعلن الأمن العام اللبناني عن تنظيم المرحلة السابعة من خطة العودة المنظمة التي تهدف إلى تشجيع العائلات على المغادرة.

وتُضاف هذه المشاهد إلى عودة تلقائية بدأت مع سقوط نظام الأسد، وحتى الآن تمكّن أكثر من 320 ألف نازح من العودة بعد شطب أسمائهم من سجلات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في لبنان. ومن المتوقع أن يغادر نحو نصف مليون سوري الأراضي اللبنانية حتى نهاية العام، بحسب وزيرة الشؤون الاجتماعية في لبنان حنين السيد.

وبذلك يعود المزيد من السوريين إلى بلاد تفتقر إلى أبسط مقومات العيش، كالكهرباء مثلاً والنظام الصحي والتعليمي، وإن كانت الحكومة اللبنانية تعمل على تسريع هذه العودة عبر تقديم حوافز مالية وتسهيلات حدودية، بالتزامن مع محاولات لتنظيم سوق العمل لضمان بقاء اليد العاملة السورية ضمن إطار قانوني. لكن ذلك لا يكفي، لتصبح سوريا بلداً قادراً على احتضان العائدين مرة أخرى.

تروي سيلفانا وهي لبنانية متزوجة من سوري أن العودة باتت حلماً يراود زوجها "لكن العين بصيرة واليد قصيرة" تقول، قبل أن تضيف: "زوجي يعمل في لبنان في ورش البناء مع متعهّد لبناني، ونحاول تدبر أمورنا، لكن في سوريا كل شيء مدمّر، وأخشى على أبنائي من أن يعيشوا أزمة نفسية ويواجهوا صعوبات في التعليم". لسيلفانا طفل يعاني من طيف التوحّد، وهو ما يقلقها بشكل كبير، "كيف سأتابع وضع ابني الصحي في سوريا؟ لقد أحرز بعض التقدّم في السنوات الأخيرة، ولا أريده أن يتراجع بسبب العودة".

فكّرت سيلفانا وزوجها بأن تنتقل هي والأولاد إلى سوريا، فيما يبقى زوجها محمد في لبنان من أجل عمله، كون الحياة في سوريا أرخص من لبنان، "لكن لديّ أولاد في المدرسة وطفل يعاني من التوحّد، لا أستطيع أن أرمي عائلتي في المجهول"، تختتم حديثها مع روزنة".

وليس وضع لبنان أفضل بكثير، إذ يعاني من أزمة اقتصادية وغلاء كبير في الأسعار إضافة إلى الخطر الأمني الداهم في الوقت الحالي، وقد ألقت أزمة النزوح السوري بثقلها على البلد في غياب السياسات والخطط وتراجع التمويل الدولي لا سيما في السنوات الأخيرة.

وبحسب تقرير للبنك الدولي فالأزمة السورية أثرت بشكل مباشر على الاقتصاد اللبناني، وقدرت كلفة الاستجابة للحاجات المباشرة فقط بنحو 1.55 مليار دولار.

الأمم المتحدة: عودة 115 ألف سوري خلال أقل من شهر

الأمم المتحدة: عودة 115 ألف سوري خلال أقل من شهر

دمار شامل وشروط دولية قاسية

برغم حماسة عدد كبير من السوريين الذين يزور كثر منهم سوريا للمرة الأولى منذ بدء الحرب، إلا أن واقع سوريا يظل غير جاهز لاستقبال هذا العدد الكبير. فمن أصل نحو 14 مليون سوري نازح حول العالم، اصطدم من عادوا بالفعل بواقع صعب يتمثل باستمرار العنف المتقطع وانهيار الخدمات الأساسية. وتُشدد المفوضية الأوروبية والاتحاد الأوروبي على أن التمويل لجهود إعادة الإعمار والتعافي في سوريا يظل مشروطاً بضمان سيادة القانون وحقوق الإنسان، ومكافحة الإفلات من العقاب، وإرساء أسس مستقبل سياسي مستدام. إلا أن الوضع الإنساني للعائدين لا يمكن أن ينتظر حتى تستتب الأمور كلها وتحل جميع أزمات البلاد، قبل تأمين أبسط حقوق الناس.

أربعة أعمدة مفقودة

في تحليل نشرته مجلة ناشونال إنترست الأميركية، حُددت أربعة أعمدة أساسية يجب أن تتحقق لضمان العودة الآمنة: الأمن وحماية الأقليات، إعادة بناء مرافق الصحة والخدمات، معالجة أزمة الألغام، وضمان حقوق الملكية. ويؤكد هذا التحليل أن النسيج الاجتماعي والسياسي الهش في سوريا يعني أن أي عودة متسرعة قد تؤدي إلى نزوح جديد.

وهو ما حصل فعلياً مع الكثير من العائلات التي عادت إلى سوريا، إلا أنها اصطدمت بالواقع الصعب، مثل صعوبة إيجاد سكن أو عمل، واستمرار مشكلات الإنترنت والكهرباء والتعليم والصحة وغيرها. وهو يرويه سعد، الذي عاد مع أخيه إلى حمص بعد سقوط النظام، وكان ذلك بعد 10 سنوات من العيش في لبنان.

يقول سعد الأحمد: "الحياة مستحيلة في سوريا، عليك أن تبدأ من الصفر. كان عندنا بيوت لكنها تدمّرت وترميمها يحتاج إلى أكثر من 15 ألف دولار، فيما استئجار بيت في سوريا أصبح أيضاً صعباً بظل الغلاء وقلة البيوت".

ويتابع: "قبل أن نترك سوريا كنت أملك محلاً للنجارة وتنجيد المفروشات، لمَ يبقَ منه إلا الحطام، والآن من الصعب أن أبدأ من جديد في بلد محطّم. لذلك قررنا أخي وأنا أن نعود إلى لبنان من أجل العمل والعائلة".

بحسب تقارير برنامج الأغذية العالمي والأمم المتحدة فالوضع الاقتصادي في سوريا كارثي؛ حيث يعيش أكثر من 80 في المئة من السوريين تحت خط الفقر، ما يجعل العائدين، الذين فقدوا كل شيء، يعتمدون على مساعدات إنسانية شحيحة.

وتُحذر "هيومن رايتس ووتش" من أن العائق الأكبر هو المخاوف الأمنية، حيث لا تزال ممارسات الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري مستمرة. يضاف إلى ذلك أن النظام الصحي السوري يعاني من نقص حاد في الأطباء والمعدات، وتزيد المشكلة تعقيداً أزمة ملكية المنازل، حيث يجد العائدون منازلهم إما مدمرة أو مصادرة.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض