تقارير وتحقيقات | 9 09 2025
حبيب شحادة
تجري سوريا خلال شهر أيلول/سبتمبر الجاري، "انتخابات" مجلس الشعب الانتقالي بطريقة غير مباشرة لأول مرة بعد سقوط النظام المخلوع، وانتهاء "اللجنة العليا للانتخابات" من تشكيل الهيئات الناخبة واللجان الفرعية في المحافظات وغيرها من ترتيبات العملية "الانتخابية".
وفي إطار "حرص اللجنة العليا للانتخابات على ضمان النزاهة والشفافية الكاملة للعملية الانتخابية"، وقعت مذكرة تفاهم مع خمس منظمات من المجتمع المدني، لتنفيذ برامج تدريبية وتوعوية مرتبطة بالانتخابات. وهي: حدة دعم الاستقرار (SSU) ومؤسسة اليوم التالي (TDA)، وحدة المجتمعات والوعي المحلي (LACU) منظمة النهوض بالمجتمع المدني (GLOCAL) ورابطة الشبكات السورية (SNL).
وتضمنت المذكرة، وفق ما نشرت اللجنة العليا للانتخابات على صفحتها بموقع فيسبوك، التزام المنظمات المذكورة بإجراء تدريبات وورش عمل لأعضاء اللجان الفرعية والهيئات الناخبة، إضافةً إلى حملات توعية لتعريف الناخبين بحقوقهم وآليات التصويت، وتقديم الخبرة الفنية في مجالات حل النزاعات البسيطة، وضمان سير العملية "الانتخابية" بشفافية.
وتأتي هذه "الانتخابات" المرتقبة بعد أكثر من عقد من الصراع الذي أعاد إنتاج الخارطة السياسية والمجتمعية للدولة تحت سلطة حزب البعث.
وأثار تدريب بعض منظمات المجتمع المدني لأعضاء اللجان الفرعية في المحافظات جدلاً حول شرعية هذه التدخلات ودور المجتمع المدني كطرف مراقب وليس كطرف سياسي.
يتناول هذا التقرير واقع تلك "الانتخابات"، ودور منظمات المجتمع المدني في العملية "الانتخابية"؟ وكيف يمكن للمجتمع المدني أن يكون مراقباً وليس منفذاً لتوجهات السلطة؟
سير العملية "الانتخابية"
بعد أداء اللجان الفرعية للقسم بدأت بتشكيل الهيئات الناخبة عبر مشاورات ضمن مناطقها، ومن ثم رفع القوائم المبدئية للمرشحين إلى اللجنة المركزية لتقر اللائحة الأولية التي تخضع لمرحلة الطعون والتي من المفترض أن تصدر بشكل نهائي في 18 أيلول/سبتمبر الجاري، وفق التعليمات التنفيذية لقانون الانتخابات المؤقت، وبعدها يبدأ عمل تلك اللجان في الإشراف على مراكز الاقتراع وتنظيم التصويت، ومن ثم فرز الأصوات وإعلان النتائج.
ويتألف المجلس من 210 أعضاء، ويتكون من فئتين: الكفاءات (70%) والأعيان (30%)، فيما يعين الرئيس الانتقالي أحمد الشرع 70 عضواً ممن اجمالي أعضاء المجلس.
ويُنتخب الأعضاء الباقون عبر هيئات ناخبة، تشكلها لجان فرعية تختارها لجنة الانتخابات العليا، بحسب مرسوم تشكيل "اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب" التي تنظم العملية الانتخابية، أصدره الشرع في 13 يونيو/حزيران الماضي 2025.
وكان الإعلان الدستوري قد نص على أنّ المجلس الجديد يمثل السلطة التشريعية حتى اعتماد دستور دائم وتنظيم انتخابات جديدة، وتكون ولايته من ثلاثين شهرا قابلة للتمديد.
لكن هذه العملية لم تشمل محافظات السويداء (3 مقاعد) والحسكة ( 10 مقاعد) والرقة (6 مقاعد) إلى أجل غير محدد، بسبب التحديات الأمنية التي تشهدها هذه المحافظات، وعملت "اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب"إلى تأجيل العملية "الانتخابية" فيها.
وجاء القرار وفق اللجنة العليا للانتخابات نتيجة عدم توفر الظروف المناسبة والبيئة الآمنة لإجراء الانتخابات، مؤكدةً أن مقاعد المحافظات المذكورة ستبقى محفوظة إلى حين إجراء "الانتخابات" فيها "في أقرب وقت ممكن".
تدريب اللجان الفرعية
دربت 5 منظمات مدنية أعضاء اللجان الفرعية في محافظات عدة، كي تتمكن تلك اللجان من العمل مع المجتمعات المحلية لاختيار الهيئات الناخبة، وفق ما قال مظهر شربجي، مسؤول ملف الانتخابات والإصلاح الانتخابي في مؤسسة اليوم التالي.
وأضاف شربجي: "أنّ دور المجتمع المدني رديف وداعم للعملية الانتخابية بالتشارك مع اللجنة العليا للانتخابات"، موضحاً في تسجيل مصور نشرته اللجنة العليا للانتخابات على صفحتها بموقع فيسبوك، أن هدف منظمته "تدريب وتأهيل وتوعية المجتمع المحلي بأهمية الانتخابات للوصول إلى مجلس شعب حقيقي يمثل الشعب"، وفق تعبيره.
ويوم (الاثنين) أنهت تلك المنظمات المدنية ورش التدريب التي أقامتها بإشراف "اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب" في كلٍ من إدلب وحمص وحماه ودرعا واللاذقية وطرطوس ودير الزور.
ويرى بعض الناشطين/ات، ومنهم فرح يوسف أنّ هذه التدريبات تمنح "شرعية مجانية لهذه المهزلة المسماة زوراً انتخابات مجلس الشعب"، كما علقت على صفحة "اللجنة العليا للانتخابات" والتي طرحت سؤال حول الهدف من التدريبات التي تجريها منظمات المجتمع المدني.

دور المجتمع المدني في الانتخابات السورية بين المراقبة والتنفيذ
أثارت مشاركة بعض منظمات المجتمع المدني في تدريب أعضاء اللجان الفرعية للانتخابات في عدد من المحافظات السورية، جدلاً واسعاً بين الناشطين والخبراء. ففي حين اعتبر البعض أن هذه الخطوة تعزز من نزاهة العملية الانتخابية، رأى آخرون أنها قد تقوّض استقلالية تلك المنظمات وتحوّلها إلى مجرد أداة بيد السلطة الانتقالية.
انتقادات لدور المنظمات: فقدان الاستقلالية
الصحفي والناشط المدني كمال شاهين كان من أبرز المنتقدين لهذا الدور، إذ يرى أن تدريب هذه اللجان من قبل بعض المنظمات يحوّلها إلى "ذراع تنفيذية للجنة الانتخابات"، ما يعني فقدانها القدرة على ممارسة الرقابة أو نقد العملية الانتخابية بشكل موضوعي.
ويؤكد شاهين أن الاستقلالية هي المعيار الأساسي لأي مشاركة مدنية، موضحاً: "إذا كانت المنظمات المشاركة مستقلة ومُنحت صلاحيات رقابية حقيقية، فإن مشاركتها تضيف شرعية للعملية الانتخابية. لكن، إذا اقتصر الأمر على منظمات مقربة من السلطة، ومنعت منظمات ناقدة من المشاركة، فهذا يعني منح شرعية شكلية لعملية تفتقر للمصداقية."
ويطرح شاهين تساؤلات حول مدى قدرة هذه المنظمات على إصدار تقارير نقدية علنية دون التعرض لضغوط أو عواقب، وكذلك حول وجود منظمات أخرى ربما مُنعت من المشاركة أو لم يُسمح لها بمراقبة الانتخابات.
موقف مغاير: المجتمع المدني شريك وليس طرفاً
في المقابل، يرى معتصم السيوفي، المدير العام لمؤسسة اليوم التالي، أن هناك خلطاً في فهم دور المجتمع المدني، مشيراً إلى أن كثيرين يعتقدون أن هذه المنظمات لا علاقة لها بالانتخابات، وهو ما يصفه بـ "الخطأ الشائع".
ويقول السيوفي في حديثه لـ"روزنة":"المجتمع المدني لا يجب أن يكون طرفاً في العملية الانتخابية، لكن من واجبه لعب دور رقابي، وتقديم الملاحظات على القوانين والمرشحين، ومراقبة الحملات الانتخابية، ويوم الاقتراع، وحتى إعلان النتائج."
ويؤكد السيوفي أن التدريب الذي شاركت فيه بعض المنظمات لم يكن تدخلاً في العملية الانتخابية، بل كان "مجرد شرح وتوضيح لواجبات اللجان الفرعية"، معتبراً أن المشاركة لا تعني بالضرورة الموافقة على كل تفاصيل الانتخابات.
ويضيف:"نسعى لتكريس فكرة أنه لا يمكن أن تجري أي عملية انتخابية من دون أن يكون للمجتمع المدني دور رقابي، حتى لو كان محدوداً."
انتخابات غير مباشرة: تعيين مقنّع؟
يشير السيوفي إلى أن الانتخابات الحالية ليست انتخابات عامة لمجلس الشعب، بل هي "عملية تعيين غير مباشرة"، حيث تقوم السلطة الانتقالية باختيار الهيئات الناخبة، وهذه الهيئات بدورها تنتخب أعضاء المجلس.
أما شاهين، فيرى أن هذا الأسلوب يعكس خوف السلطة من نتائج انتخابات حرة، ورغبتها في تمرير "مشاريعها الخاصة" من خلال انتخابات شكلية، مضيفاً:"ما يجري ليس انتخاباً حقيقياً، بل إعادة إنتاج لنمط قديم من السيطرة، مع بعض الأسماء الجديدة لإضفاء ستار ديمقراطي."
مراقبة أم تنفيذ؟
يؤكد شاهين أن دور المجتمع المدني يجب أن يكون مراقبة جميع مراحل العملية الانتخابية، بدءاً من توعية الناخبين، وصولاً إلى فرز الأصوات وإعلان النتائج. لكنه ينتقد اقتصار دور بعض المنظمات على التدريب، معتبراً ذلك "انتقاصاً كبيراً من الدور المطلوب ومخالفاً للمعايير الدولية".
ويحذر من أن يتحول المجتمع المدني إلى "منفذ لتعليمات السلطة" بدلاً من أن يكون رقيباً عليها.
مجلس شعب جديد وسط جدل قائم
من المتوقع أن تنتهي هذه العملية الانتخابية مع نهاية أيلول/سبتمبر الجاري، ليكون لدى السوريين مجلس شعب جديد يمثل 11 محافظة، فيما تُستثنى 3 محافظات لأسباب أمنية وسياسية، ويبلغ عدد النواب المستبعدين نحو 19 نائباً.
وبينما تتواصل الانتقادات والجدل حول دور المجتمع المدني، يبقى السؤال الأبرز: هل سيكون هذا المجلس تعبيراً حقيقياً عن إرادة السوريين، أم مجرد واجهة سياسية لشرعنة قرارات السلطة الانتقالية؟

