تقارير وتحقيقات | 11 08 2025
حسن حسين
تعيش مدينة القامشلي، شمال شرق سوريا، منذ أكثر من ثلاثة أشهر انقطاعاً مستمراً لمياه الشرب الرئيسية، ومرد ذلك أعطال الشبكة وازدياد نسبة الهدر وتهالك الأنابيب، إلى جانب الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي والتوسع العمراني والسكاني.
هذه الأزمة المتكررة سنوياً بوتيرة متصاعدة أجبرت السكان على قطع عشرات الكيلومترات لتأمين كميات قليلة وسط غياب أي حلول قريبة. وبحسب شهادات الأهالي، فإن بعض الأحياء تعاني من انقطاع المياه منذ أكثر من عام، مثل حيي الزهور والموظفين، إلى جانب أحياء أخرى تعاني من انقطاع جزئي أو متكرر يتفاقم صيفاً ولا يغيب شتاءً.
وعليه، يلجأ شراء السكان هناك إلى شراء مياه الصهاريج التي غالباً ما تكون غير صالحة للشرب، والتي تعبأ من آبار غير معقمة بأسعار مرتفعة تصل إلى 60 ألف ليرة سورية لكل 10 براميل، وهو مبلغ لا يتناسب مع دخل معظم الأسر، ما يدفع الكثيرين إلى استخدامها للشرب رغم مخاطرها والتي منها انتشار أمراض معوية خاصة بين الأطفال.
انقطاع مستمر والأزمة تتفاقم
شوكت مصطفى من حي الكورنيش، وسط القامشلي، شمال شرق سوريا يعاني من انقطاع المياه في حييه منذ أكثر من شهر ونصف ويضطر لشرائها من الصهاريج بسعر يتراوح بين 50 إلى 60 ألف ليرة سورية". موضحاً في حديثه لـ "روزنة"، أن أغلب الناس لا تملك القدرة على تحمّل هذه التكاليف".
ويتابع: "راجعنا دائرة المياه في القامشلي عدة مرات لكن كل ما تلقيناه هو الوعود فقط دون أي تنفيذ".
أما، أمينة، وهي أم لخمسة أطفال، فتقطع مسافات طويلة عدة مرات في اليوم لتأمين مياه للشرب والطهي والغسيل، وتقول لـ "روزنة": "لا خيار أمامنا سوى تحمل هذا العناء".
ارتفاع سعر مياه الصهاريج
نتيجة الانقطاع المستمر للمياه، ارتفعت أسعار صهاريج المياه بشكل ملحوظ كونها المصدر الوحيد لتأمين المادة خاصة خلال أشهر الصيف، وبينما كانت الأسعار قبل الأزمة تقدر بـ 25000 ليرة ارتفعت إلى 60000 ليرة في بداية الصيف الحالي وسط عدم التزام أصحاب الصهاريج بتسعيرة بلدية الشعب بالقامشلي التي حددت سعر الـ 5 براميل بـ 3500 ليرة سورية.
"شراء المياه يزيد العبء الاقتصادي علينا"، كما قال مصطفى، موضحاً أنه يضطر لتعبئة خزان منزله بشكل شبه أسبوعي مع إجراء عائلته لتقنين ذاتي للمياه. على أنّ مصدر مياه الصهاريج غير مضمون وفق مصطفى، الذي حذر من انتشار الأمراض في المدينة.
من جانبه، يوضح الطبيب خير الدين حسين، أخصائي الأمراض الهضمية، أن من أبرز الأمراض التي قد تنتقل عبر المياه الملوثة هي الإنتانات الجرثومية والفيروسية، مبدياً تخوفه من خطورة انتشار مرض الكوليرا في حال وجود كمية صغيرة من الماء الملوث بجرثومة الكوليرا، والتي قد تؤدي إلى حدوث جائحة تمتد إلى عدة أحياء ضمن المنطقة الواحدة.
وأضاف في حديثه لـ "روزنة"، أن من الأمراض الشائعة نتيجة استخدام المياه غير النظيفة، جرثومة المعدة التي غالبا ما يكون سببها انتقال المياه الملوثة، ويمكن أن تنتقل من شخص لآخر، منوهاً، أن جميع الأمراض الفيروسية التي تسبب حالات إنتانية شديدة قد تستدعي الدخول إلى المستشفى.
عدالة التوزيع: غائبة
لا عدالة في توزيع المياه في القامشلي، فهي "ليست مضمونة"، حسب تعبير الأهالي، إذ يعاني سكان بعض الأحياء بشكل أكبر من غيرهم لناحية الانقطاع المستمر للمياه وسط ضعف دور الجهات المسؤولة في مراقبة التوزيع وغياب المحاسبة ما فاقم المشكلة.
وتعتمد القامشلي على محطات عدة منها الهلالية، وعويجة، جقجق، وذلك، بعد تكرار توقف محطة علوك بهدف تخفيف الضغط وتأمين المياه لسكان القامشلي، لكن هذه المحطات الثلاث تعاني من مشاكل في جودة المياه، وفق ما قال عدد من سكان القامشلي لـ "روزنة".
كما أنّ المشكلة الرئيسية في محطة الهلالية ليست في انخفاض منسوب المياه بل في تقنين الكهرباء وضعف القدرة التشغيلية للمضخات التي تعتمد على الكهرباء، فالانقطاع المتكرر أو التقنين الطويل يؤثر على رفع المياه من الآبار وضخها إلى الخزانات ومن ثم إيصالها إلى الشبكات التي تخدم المنازل.
ما جذور المشكلة؟
تعتمد القامشلي على 52 بئراً في محطة مياه الهلالية و16 بئراً في محطة العويجة و6 آبار في محطة جقجق، ورغم ذلك فإنّ شبكات المياه تعاني من قِدم البنية التحتية التي لم تستبدل منذ عقود. إضافةً إلى التعديات الحاصلة على شبكات المياه لصالح المزارع الخاصة التي انتشرت خلال السنوات السابقة، عدا عن انخفاض منسوب المياه الجوفية.
وأرجع نائب الرئاسة المشتركة لبلدية قامشلو مسعود يوسف أزمة المياه التي تعاني منها المدينة إلى الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي، حيث تنقطع الكهرباء عن محطات المياه يومياً لمدة 12 ساعة متواصلة، من الساعة 11 ليلاً حتى 11 صباحاً، ما يؤدي إلى توقف عمليات الضخ خلال هذه الفترة ويؤثر سلباً على تغذية أحياء المدينة.
وقال يوسف، في تصريح صحفي، أن محطة الضخ في الهلالية تُعد من النقاط الأساسية في شبكة المياه، حيث تغذي نحو 70٪ من المدينة، لكن ضعف الكهرباء وعدم انتظامها يحول دون تشغيلها بكفاءة، ما يؤدي إلى تراجع الضخ في أغلب الأحياء، خاصة تلك الواقعة في الأطراف أو المناطق المرتفعة.
وفي بيان صادر عن بلدية الشعب في القامشلي بتاريخ 13 تموز 2025، أوضحت فيه أن من أبرز أسباب تفاقم الأزمة انخفاض غير المسبوق في منسوب المياه في "سد تشرين"، نتيجة حجز تركيا لجريان نهر الفرات، ما أدى إلى توقف عنفات التوليد الكهربائي عن العمل.
تبقى أزمة المياه في القامشلي جرس إنذار يستدعي تحركاً عاجلاً وجاداً من جميع الجهات المعنية، إذ لم تعد مجرد مشكلة خدمية بل تحولت إلى معاناة يومية تمسّ أبسط حقوق الإنسان وتهدد صحته وسلامته في ظل غياب الحلول المستدامة وتكرار الوعود غير المنفذة.
