سوريا: شهادة تأدية الخدمة تحرم ممرضين من الاستمرار بعملهم.. ما القصة؟

سوريا: شهادة تأدية الخدمة تحرم ممرضين من الاستمرار بعملهم.. ما القصة؟

تقارير وتحقيقات | 10 07 2025

حبيب شحادة

لم تقتصر عمليات فصل الموظفين في وزارة الصحة السورية على الأطباء والإداريين، عقب سقوط النظام السوري السابق في 8 كانون الأول 2024، إنما تعدتها إلى فصل الممرضين الذين التحقوا بالخدمة الإلزامية أو الاحتياطية بقوات النظام المخلوع وهم على رأس عملهم.

وهذا ما حدث مع جمال، 31 عاماً، وهو ممرض في أحد مشافي طرطوس الحكومية. يقول لـ "روزنة": "التحقت بالجيش كي لا أفصل من الوظيفة الحكومية، وبعد سقوط النظام كان سبب فصلي هو الخدمة في قوات النظام"، إذ اشترطت وزارة الصحة الحصول على شهادة تأدية خدمة كشرط لعدم الفصل.

ويصف جمال هذا الشرط بـ "التعجيزي"، إذ "لا يمكن الحصول على شهادة تأدية خدمة من جيش منحل"، وفق قوله.

وثيقة تأدية الخدمة: شرط عدم الفصل

في أيار الفائت أصدر وزير الصحة مصعب نزال العلي، تعميماً بناء على كتاب موجه من الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية باعتبار الملتحقين بالخدمة الإلزامية الذين لم يتمكنوا من الحصول على شهادة تأدية خدمة بعد التحرير بحكم المستقيل.

يأتي ذلك، عملاً بأحكام المادة /135/ من القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم /50/ لعام 2004، وأنه لن يتم التغاضي عن تقديم تلك الوثيقة، وفق نص التعميم.

كذلك، لم يكن باستطاعة الممرضين التهرب من الالتحاق بالوظيفة زمن النظام السابق، نتيجة الغرامات المالية التي فرضها على من لا يلتحق (7 مليون ليرة سورية) إلى جانب تجريمه بجريمة ترك العمل.

ويأتي قرار فصل الممرضين في ظل واقع صحي مأزوم تعيشه البلاد، ومعاناة من نقص في الكادر التمريضي، إذ كشفت جريدة البعث الرسمية في 2023 عن تسرب وهجرة واستقالة 35 ألف ممرض وممرضة من القطاع العام والخاص خلال السنوات الخمس الأخيرة.

وكانت وثيقة قد نُشرت سابقاً على وسائل التواصل الاجتماعي، تشير إلى نية وزارة الصحة فصل 33 ألف موظف من أصل 69 ألف.

ووصل نقص عدد الكادر التمريضي وصل إلى 30 بالمائة في آذار 2024 وفق مدير مشفى الجلدية بجامعة دمشق علي عمار. وبعد أشهر أشار المدير العام بمشفى المجتهد بدمشق أحمد عباس لوجود نقص يتراوح بين 100 و150 ممرضاً في كل اختصاص.

اقرأ أيضاً: مشافي اللاذقية: تدني جودة الرعاية الصحية وسط معاناة المرضى

خدمة إجبارية

كان جمال دخل مدرسة التمريض لأنها تلتزم بالتوظيف بعد التخرج، قائلاً: "لم نوفر طريقة للتهرب من خدمة الجيش، ومنها التأجيل الدراسي عبر التسجيل في فروع التعليم المفتوح والتأجيل الإداري وغيره، و"كان علينا تدقيق وتشديد كبير بخصوص هذا الأمر، لدرجة أنّ المحاسب لم يكن يستطيع أن يعطينا الراتب الشهري إلا بإشهار ورقة التأجيل، ناهيك عن بيان الوضع العسكري الذي كان يطلبه مكتب الجاهزية في مديريات الصحة من فترة لأخرى"، كما أوضح في حديثه.

استنفذ جمال كل الفرص المتاحة للهروب من التجنيد، وفق روايته، واختار الالتحاق بها حفاظاً على مصدر دخله الوحيد "الوظيفة الحكومية"، واليوم تم فصله من وظيفته كممرض بذريعة الخدمة الإجبارية زمن النظام السابق.

ويؤكد أنه بعد التحرير بعشرة أيام أجرى مباشرته وقدم أوراقه إلى مديرية الصحة، وباشر عمله كممرض وتحمل كل المخاطر الأمنية في الأشهر الستة الماضية ليداوم في وظيفته، ليأتي الشرط الذي وصفه بـ "التعجيزي" وهو إحضار شهادة تأدية خدمة من الجيش المنحل ليستمر بعمله.

ويقول لـ "روزنة" متهكماً "بروح لعند بشار على موسكو بقله عطيني شهادة تأدية خدمة؟!".

وكانت مديرية الصحة بحسب الممرض جمال، قد استردت منه راتب الشهر السادس، مضيفاً أن "هناك أخبار وإشاعات حول استرداد جميع الرواتب التي قبضتها بعد سقوط النظام لأني بحكم القرار الجديد مستقيل منذ 8 ديسمبر، رغم أنني كنت على رأس عملي وفي أصعب الظروف".

حسان، ممرض آخر من اللاذقية حاول مراراً وتكراراً في عهد النظام السابق، استصدار شهادته الأصلية بعد تخرجه لكن دون جدوى، فقد اصطدم لأكثر من مرة ببيروقراطية لا نهاية لها.

يقول لـ "روزنة": "الدولة ملزمة بتوظيف الخريجين من مدرسة التمريض ونحن بموجب القانون ملزمون بالعمل الحكومي ضعفي مدة الدراسة، ولا نستطيع السفر خارج البلاد إلا بموافقة المشفى والمديرية التي نعمل من خلالها".

اقرأ أيضاً: ممرضون سوريون يشتكون من تدني أجورهم.. والاستقالات بالجملة

قرار تعسفي

أثار قرار فصل الممرضين استياء الكادر الطبي والتمريضي، إذ تقول منى (42 عاماً) ممرضة من طرطوس: "الجميع يعلم حيثيات وخلفيات هذا القرار، ولكن بصفتي ممرضة منذ أكثر من عشرين عاماً، فإننا نعاني دائماً من نقص في الممرضين الذكور ضمن المجموعة المناوبة.

وعبر عدد من الممرضين في حديثهم لـ"روزنة"، عن استغرابهم من قرار الفصل بناء على شهادة تأدية الخدمة، والذي شمل ممرضين وعاملين صحيين كانت خدمتهم الإلزامية ضمن مشافي عسكرية، أو مستوصف أو قسم طبي تابع للجيش، ولم ينخرطوا في أعمال عسكرية، إذ كان ضغط العمل الصحي ضمن القطاعات الصحية العسكرية أكبر بكثير من عدد الممرضين.

وتتوقع منى أنّ ما وصفته بالقرار "التعسفي" سيزيد من ضغط العمل باعتباره يستهدف فصل الممرضين الذكور، وقدّرت عدد المفصولين من مختلف مشافي محافظة طرطوس بحوالي 150 ممرض.

بحسب تقارير لمنظمات دولية، غادر سوريا حوالي 70 في المئة من العاملين في القطاع الصحي، وباتت النسبة الآن طبيب واحد لكل 10 ألف سوري. وفي محاولة لتعويض النقص، يضطر العاملون في هذا المجال للعمل أكثر من 80 ساعة في الأسبوع.

اقرأ أيضاً.. طبيب واحد لكل 10 آلاف سوري: هل تملك سوريا اكتفاء بالكوادر الطبية؟

قرار سياسي

يقول أحد العاملين في القطاع الصحي بحلب لـ"روزنة": "سألت في شعب التجنيد وقسم ميسلون عن موضوع شهادة تأدية الخدمة وكيفية الحصول عليها، ليتم تحويلي لفرع الأمن السياسي القديم، ثم تم تحويلي إلى القصر العدلي، ولم يستطع أحد أن يجاوبني".

ويبقى السياق القانوني موضوعاً مقلقاً بالنسبة للعاملين المشمولين بالقرار، إذ قالت إحدى الممرضات في طرطوس، إنّ ممثلين عنهم التقوا معاون وزير الصحة، ومدير التنمية الإدارية في وزارة الصحة وكانت خلاصة النقاشات أنّ القرار أتى من القصر الجمهوري وبحسب المعاون "القرار سياسي بحت"، وفق قولها.

وبعد فصل هؤلاء الممرضين، هناك تخوفات من تحريك دعوى قضائية بحقهم بتهمة "ترك العمل"، على أن يترك للقاضي تحديد مصيرهم، "إعادتهم أو فصلهم".

وعانى القطاع الطبي في اللاذقية كما غيرها من المحافظات الأخرى من تداعيات هجرة الكوادر الصحية من أطباء وممرضين وفنيين في ظل غياب الحوافز التي تدفعهم للبقاء في سوريا والاستمرار في ممارسة المهنة.

وكانت سوريا قد خسرت خلال العقد الفائت نصف كوادرها الطبية وفق أرقام نقابة الأطباء، نتيجة الاستهداف المباشر للمراكز الصحية، إضافةً إلى موجات الهجرة الواسعة، ما أثر سلباً على جودة الرعاية الصحية.

كيف دمرت روسيا القطاع الطبي في سوريا ثم عادت واشترته؟!

كيف دمرت روسيا القطاع الطبي في سوريا ثم عادت واشترته؟!

شهادة تأدية الخدمة: شرط غير قانوني

تعليقاً على قرار الفصل بذريعة عدم الحصول على شهادة تأدية الخدمة، يقول المحامي سميح "إنّ النص المعتمد في القرار يعتمد على المادة /135/ من قانون العاملين الأساسي رقم 50 لعام "2004.

وتنص تلك المادة: "يعتبر العامل مستقيلاً حكماً في حال انقطاعه عن العمل مدة تزيد عن 15 يوماً متصلة دون عذر مشروع، أو في حال عدم تقديمه الوثائق المطلوبة للتعيين ضمن المهلة المحددة"، واستند القرار إلى هذه المادة لفصل من لم يبرز شهادة تأدية الخدمة الإلزامية.

وأشار المحامي لنظرية "الظروف الطارئة في الفقه والقانون السوري"، إذ تنص المادة /371/ من القانون المدني السوري على أنه "إذا طرأت حوادث عامة لم يكن في الوسع توقعها، وجعلت تنفيذ الالتزام مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة، جاز للقاضي بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول".

يشرح سميح أنّ هذه المادة تمثل الأساس القانوني لنظرية الظروف الطارئة، والتي تعني أن القواعد العامة يجب أن تفسر وتطبق بشكل مرن في الحالات الاستثنائية، كالحروب أو الحصار أو الانقطاع الأمني، وهو ما ينطبق تماماً على من خدموا خلال سنوات الحرب دون إمكانية الحصول على وثيقة رسمية من مؤسسات شبه منهارة أو مناطق خارجة عن السيطرة.

ونوه إلى أن آلاف الشبان التحقوا بالخدمة الإلزامية أو الاحتياطية ضمن قطعات عسكرية متعددة في ظروف قاهرة، وبعضهم فقد وثائقه أو لم تصدر أصلاً بسبب الفوضى الإدارية أو انهيار البنية التنظيمية للمؤسسات العسكرية أو المدنية.

وأكد أن العديد من هؤلاء تم تسريحهم بصمت بعد انتهاء الحرب دون تسليمهم أي أوراق رسمية، "ما يجعل اشتراط تقديم شهادة تأدية الخدمة مستحيل التحقيق، ويفقد هذا الشرط طابعه المشروع"، حسب ما تحدث.

ويشير المحامي إلى ما اعتبره "عدم مشروعية القرار الإداري من منظور العدالة والمساواة"، موضحاً أنّ التمسك الحرفي بشروط لم يعد من الممكن تحقيقها يعد إخلالاً بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص المنصوص عليه في الإعلان الدستوري السوري المؤقت، الذي ينص على أن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات.

وأضاف: "تحميل الشاب الذي أدى خدمته فعلياً في ظروف كارثية مسؤولية عدم إبراز وثيقة تعذر عليه تحصيلها، يعد إخلالاً بالعدالة الوظيفية وخرقاً لمبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات".

"لا أخجل من طلب الإكرامية".. ممرضون سوريون يعانون: حقوقنا ضائعة!

ممرضون سوريون - روزنة

ما الحل؟

على ضوء ما سبق اقترح سميح بعض الحلول القانونية، ومنها تطبيق نظرية الظروف الطارئة كما وردت في القانون المدني السوري، وقبول البدائل مثل شهادات موقعة من قادة الوحدات أو وثائق إثبات ميدانية أو إفادات إدارية، ومنح مهلة إضافية مرنة للحصول على الشهادة عند الإمكان.

أيضاً، إعادة التعيين من دون شرط الشهادة لمن ثبت أنه خدم فعلاً ولكن لم يتمكن من إثبات ذلك لأسباب خارجة عن إرادته.

كما أشار سميح لوجود العديد من الاجتهادات الإدارية والقضائية، التي تم التوسع في تفسير شروط التعيين لصالح المصلحة العامة والعامل، خصوصاً عندما يكون هناك خلل إداري أو حالة حرب أو انقطاع مؤسسات.

وبحسب سميح، فإنّ "التمسك الحرفي بمادة قانونية دون الأخذ بالواقع الاستثنائي والإنساني الذي فرضته الحرب، يعد إجحافاً بحق فئة من الشباب سيقوا إلى خدمة إجبارية منصوص عليها في الدستور المعمول به حينها دون مقابل، ثم يُجازون على ذلك بحرمانهم من وظائفهم، ومن ثم، فإن إعادة النظر في هذا القرار، من خلال مراعاة الظروف الطارئة، تعد واجباً قانونياً وأخلاقياً وإدارياً على الدولة".

وشهدت مناطق عدة في سوريا منذ سقوط النظام السابق، احتجاجات من موظفين منحوا إجازات مأجورة لثلاثة أشهر، جرى التراجع عن بعضها لاحقاً، وسط نقاش بين سوريين عن ظاهرة "الموظفين الأشباح" ممن يتقاضون مرتبات دون الحضور والعمل، تقابلها اتهامات بقرارات "جائرة" غير مدروسة.

وتحدث وزراء في حكومة تصريف الأعمال، لرويترز، في شباط الماضي، عن خططهم لإزالة عدد كبير من "الموظفين الأشباح"، وهم الأشخاص الذين كانوا يتقاضون رواتب مقابل عمل قليل، أو لا شيء على الإطلاق خلال حكم النظام السوري السابق.

نقلت الوكالة عن وزير المالية محمد أبازيد في مقابلة، قوله "كنا نتوقع الفساد، ولكن ليس إلى هذا الحد"، مضيفاً أن 900 ألف فقط من أصل 1.3 مليون شخص يتقاضون رواتب حكومية يأتون إلى العمل بالفعل، مستشهداً بمراجعة أولية.

وأضاف وزير المالية: "هذا يعني أن هناك 400 ألف اسم شبح، وإزالة هذه الأسماء من شأنه أن يوفر موارد كبيرة".

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض