تقارير وتحقيقات | 31 08 2024
عبد الله الخلف
ما إن وصل خبر مقتل الشاب العشريني ليث الكناص، لذويه وعشيرته في مدينة الرقة، حتى اجتمع عدد من أفراد العشيرة الغاضبين للأخذ بالثأر، ولكن المستهدفين فروا مع عائلاتهم، فكان حرق منازل ذوي المتّهمين بالقتل الشرارة الأولى لإشعال لهيب الانتقام.
حدث ذلك في حي نزلة شحاذة جنوبي مركز مدينة الرقة، الواقعة تحت سيطرة "الإدارة الذاتية"، يوم الأربعاء الماضي، إذ لقي الكناص حتفه بعد مشاجرة مع ثلاثة شبان آخرين استخدمت فيها الأسلحة البيضاء وراح ليث ضحية فيها.
وتلجأ العشائر للأخذ بالثأر من خلال التحريض عبر المجموعات الخاصة بها في وسائل التواصل الاجتماعي، ودعوة أفرادها لـ"الفزعة"، وهو ما يؤدي لارتكاب جرائم القتل وتخريب الممتلكات وحرق المنازل، إذ جرى تسجيل أكثر من 45 حريقاً بداعي الثأر منذ مطلع العام الجاري.
بسبب ملاحقة فتاتين!
أحد سكان الحي، فضّل عدم كشف اسمه، قال لروزنة، إن سبب المشاجرة يعود لملاحقة الشبان لفتاتين في الحي والتحرش بهن، ما دفع ليث للتشاجر معهم وحصل ما حصل على حد قوله.
ويكمل "أسعف ليث إلى المستشفى وفارق الحياة جراء تلقيه عدة طعنات بالسكاكين، انتشر خبر مقتله واجتمع عدد كبير من أفراد عشيرته من أجل الثأر".
ويتابع: "أحرق منزلان قرب مدرسة طارق بن زياد، وجانب ملعب نادي الفرات جنوبي المدينة (...) لم يكن هناك أحد في المنزلين واقتصرت الأضرار على المادية فقط".
اقرأ أيضاً: اقتتال واغتيال وقتلى وفاجعة عائلية.. بداية أسبوع دامية في الرقة!
الاقتراب ممنوع و45 حريقاً بداعي الثأر
يشير الشاهد من الحي إلى أن قوى الأمن الداخلي لم تتواجد في الحي أثناء حرق المنازل، كما أن فرق الإطفاء لم تصل إلا بعد انقضاء الحريق.
السبب في عدم وصول فرق الإطفاء في الوقت المناسب، تكرر الاعتداءات على آليات وعناصر الفريق في الآونة الأخيرة، وفق ما قال لروزنة، محمود عبده الإطفائي، في فريق الاستجابة الأولية بمدينة الرقة.
ويقول عبده: "نتوجه بعد أي بلاغ لموقع الحريق، ولكن نتفاجأ عندما يكون الدافع الثأر، وإذا حاولنا الاقتراب يتم الاعتداء على عناصر الفريق وتحطيم سيارات الإطفائية".
كان آخر هذه الاعتداءات في حي المشلب شرقي المدينة قبل ثلاثة أشهر، وعن هذه الحادثة يشرح عبده: "حطمت واجهة سيارة الإطفاء من قبل الأفراد الذين كانوا يحرقون أحد المنازل، كذلك اعتدوا على عنصر بالضرب وأسعفناه للمستشفى حيث أصيب بكسور في ذراعه".
وحالياً يجري التنسيق مع دوريات "الأمن الداخلي" التابعة لـ"الإدارة الذاتية" لمرافقتهم خلال أعمال إطفاء الحرائق الانتقامية خشية تكرر الاعتداءات.
ويشير عبده إلى أنه تم تسجيل أكثر من 45 حريقاً "بداعي الثأر" منذ بداية العام الجاري.
ويلفت عبده إلى أن هذه الحوادث تتكرر سنوياً، كان أكبرها في بلدة الكرامة بالريف الشرقي قبل أشهر، حيث أحرق نحو 20 منزلاً إثر اقتتال عشائري، واضطر أعضاء الفريق للتواجد رفقة قوى الأمن الداخلي على مدار أربعة أيام في البلدة لإطفاء الحرائق.
قد يهمك: الرقة.. تجدّد الاقتتال العشائري في الحمرات والأهالي: "خائفون على أرواحنا"
التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي
يجري استخدام مجموعات الواتساب وصفحات ومجموعات الفيس بوك الخاصة بكل عشيرة للتحريض على الانتقام والأخذ بالثأر، من خلال دعوة أفراد العشيرة "للفزعة" دون حتى ذكر الأسباب الدافعة لذلك غير الحمية العشائرية.
تنشر هذه الصفحات والحسابات صور وأسماء الضحايا أو الطرف المستهدف، وتدعو أفراد العشيرة لقتله في حال العثور عليه، وتقوم بنشر مقاطع الحرق والتجمعات وأغاني وأهازيج شعبية تسهم في رفع الحماس لدى أفراد العشيرة.
يقول أحمد الحسين، وهو إعلامي بمدينة الرقة، لروزنة، إن هذه الصفحات تقوم بتحريض مباشر، قد يؤدي لحوادث قتل وحرق منازل وتخريب ممتلكات، ويضيف: "هذه الوسائل عززت القدرة على الانتقام العشائري، ومع الأسف الرقابة غائبة عن هذه الصفحات".
ويشدّد الحسين على ضرورة وجود رقابة وقانون يردع الصفحات والأشخاص الذين يقومون بالتحريض من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارهم عامل رئيسي في تأجيج الصراعات العشائرية في المنطقة.

سياسة العقاب الجماعي
حرق منازل وممتلكات الطرف المتّهم بالقتل هي الخطوة الأولى في طريق الأخذ بالثأر في الرقة وغيرها من مناطق شرقي سوريا الخاضعة لسيطرة "الإدارة الذاتية"، حيث سادت الأعراف العشائرية فيها بشكل أكبر مما كانت عليه قبل انطلاق الثورة عام 2011.
ويرى، حسين الحسن، وهو ناشط مدني ومدير منظمة "التعاون الأهلي" بالرقة أن وتيرة الاقتتال العشائري وحرق البيوت تصاعدت منذ عام 2019.
ويوضح الحسن لروزنة: جرى تسجيل أكثر من 70 اقتتال منذ مطلع العام الحالي في شمال شرقي سوريا، منها 9 في الرقة أسفرت عن مقتل 15 شخصاً بينهم طفل.
ويقول الحسن: "تعتمد العشائر العقاب الجماعي المتمثل بحرق الممتلكات كوسيلة ضغط على العائلات المتخاصمة معها، وبهدف إيذاء العائلة بأكملها وليس فقط الجاني".

ويشير إلى أن الثأر جزء من ثقافة هذه المجتمعات وحرق المنازل جزء من ردات الفعل الانتقامية والتقاليد التي تمارس منذ زمن، "حيث تعد وسيلة لإظهار القوة والتفوق على الخصم" وفقاً لقوله.
وانتشرت العصبية القبلية بشكل واسع في المنطقة على حساب الهوية الوطنية أو الهوية الدينية خلال السنوات الماضية، بحسب الحسن، وهذا من شأنه أن ينتج آثاراً كارثية تتمثل بالتفكك العائلي والتراجع الاقتصادي ويؤثر على تنمية وتماسك هذا المجتمع.
ويتابع "أصبح أي خلاف عابر بين شخصين يتحول إلى نزاع جماعي يودي بحياة العشرات ويخلف خسائر اقتصادية كبيرة، إضافة إلى ذلك هناك الجلوة (التهجير) التي تطال عائلات بسبب ذنب اقترفه شخص واحد".
حملات وجهود مدنية للحد من آثار الاقتتالات
"منظمة التعاون الأهلي" أطلقت خلال العام الحالي حملة "بلا جلوة"، والتي تهدف لمنع إجلاء وتهجير الأشخاص الأبرياء بسبب جرم ارتكبه شخص.
و"الجلوة" هي عرف عشائري يتم اعتماده كحل لإيقاف حمام الدم من خلال تهجير أقارب القاتل أو الشخص المستهدف من منطقتهم لمنطقة أخرى ولا يسمح لهم بالعودة أبداً أو لسنوات محددة يتم الاتفاق عليها.
ويقول الحسن عن الحملة لروزنة: "نهدف للمساهمة في تخفيف حدة النزاعات القائمة على الثأر العشائري ضمن مجتمعنا وبالأخص جزئية الجلوة".
وتناولت الحملة عدة أنشطة، بحسب الحسن، بدءاً من ورش عمل تضم شيوخ ووجهاء عشائر ونشطاء وحقوقيين للبحث بأسباب الاقتتال، ووضع حلول وتوصيات سيتم مشاركتها قريباً مع كافة فئات المجتمع والتوقيع عليها ضمن عريضة إلكترونية.
كذلك تتضمن الحملة نشاطاً يتحدث عن ضحايا الثأر، وقصص الوجع والتهجير التي تطال الناس الأبرياء وآثارها على حياتهم الشخصية، وسيتم بث هذه الرسائل للتذكير بالآثار الناجمة عن الانتقام، يقول الحسن.
وأشار إلى أن القانون هو الحل وطالب بتعزيز سيادة القانون ودور السلطة في حماية الأفراد وفض النزاعات بطريقة عادلة ومتكافئة بعيداً عن الأعراف العشائرية.
ما بين القانون المدني والعرف العشائري
وفقاً لـ"قانون العقوبات السوري" المعمول به في المحاكم التابعة لـ"الإدارة الذاتية" لشمال شرق سوريا، فإن من أضرم النار قصداً في أبنية أو أية عمارات آهلة أو غير آهلة واقعة في مدينة أو قرية، عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة مدة لا تقل عن سبع سنوات وفقاً للمواد 573 و574.
وتؤكد المحامية ضحى الفتيّح، لروزنة، أن القانون يعاقب أي فعل يسبب ضرر للغير، بغض النظر عن الدوافع ما إذا كانت انتقام أو ثأر أو غير ذلك، وتضيف "هناك قانون يحاسب القاتل، ويحاسب من افتعل حريق بداعي الثأر، ولا توجد أي مبررات قانونية لافتعال الحرائق".
موضحة أنه القضية تسحب من المحكمة في حالة الصلح بين العشيرتين فقط، عندما يتم التوصل بين الطرفين لصك صلح يتم توثيقه بالمحكمة وتنتهي القضية مع الصلح العشائري.
ولكن غالباً لا يلجأ المتخاصمون إلى القضاء لتحصيل حقوقهم، وتجري محاولات الحل والصلح عن طريق التحكيم بالأعراف العشائرية أو الشريعة الإسلامية عن طريق محكمين ووجهاء عشائر ورجال دين.
ويبقى دور القانون حبراً على ورق، مع زيادة حدة الاقتتالات الأهلية خلال السنوات الأخيرة، وغياب سلطة قضائية فاعلة تعاقب كل من يرتكب أفعال انتقامية، وفق ناشطين.