تقارير وتحقيقات | 14 06 2024
إيمان حمراوي
يتوجّه عدد كبير من الأطباء السوريين خلال الدراسة أو في فترة التخصّص لدراسة اللغة الألمانية، كأولى الخطوات الضرورية على درب الهجرة إلى ألمانيا.
حصلت روزنة على شهادات عدد من الأطباء داخل سوريا، ممن يتحضرون للهجرة إلى ألمانيا بحثاً عن حياة كريمة وراتب معيشي يستطيعون من خلاله بناء عائلة ومستقبل مستقر.
التركيز على دراسة اللغة الألمانية، ترك أثراً على أداء الأطباء خلال فترة التخصص، إذ يصف أحدهم أن الأمر "يكون شكلياً والتفكير والتفرغ فقط لتعلم الألمانية"، ما قد يعرّض المرضى لمخاطر صحيّة بسبب انعدام الخبرة وتنمية المهارات والمعارف.
"كل طبيب يحلم بالهجرة"
"هناك أطباء عمرهم 45 و50 سنة هاجروا إلى ألمانيا. كل طبيب في سوريا يفكر بالهجرة لهناك، المهم هو تأمين الكفالة في ألمانيا البالغة 13 ألف يورو، وتعلم الألمانية،"، يقول الطبيب محمد، 46 عاماً، (اسم مستعار) طبيب في جامعة حلب، لروزنة.
وأضاف: "نسبة من يهاجرون إلى أوروبا من الأطباء، كبيرة ومرعبة. الجميع يهاجر بسبب الوضع الاقتصادي المتردي، والنسبة الباقية التي لا تهاجر هي غير القادرة على تأمين مبلغ الكفالة إلى ألمانيا".
ويشير إلى أنه لاحظ مؤخراً إقبال عدد من الأطباء الذين تجاوزوا الخمسين عاماً، على الهجرة، بعد أن كانوا يفكرون بها خلال السنوات الفائتة، وفق قوله.
ويتابع: "أنا من بين هؤلاء الأطباء (الفئة العمرية) أتعلم حالياً اللغة الألمانية، وسبق أن قدمت للهجرة إلى ألمانيا لكن جاء طلبي بالرفض، ولا زلت أحاول مجدداً".
وعن سبب اختيار ألمانيا، يقول الطبيب محمد: "العديد من الدول ترفض السوريين، مثل أميركا إسبانيا بريطانيا، لكن ألمانيا تقبل الخبرات السورية، وهو ما يدفع الكثيرين للإقبال عليها".
المديرة الإقليمية لشرق المتوسط في "منظمة الصحة العالمية" حنان بلخي، حينما زارت سوريا الشهر الفائت، قالت لوكالة "فرانس برس": "إنهم يتعلمون اللغة الألمانية إلى جانب دراستهم الطب ليكونوا مستعدين للرحيل، وهذا أمر مخيف بالنسبة إلى المنطقة".
وتحدثت بلخي أنّ نحو نصف القوى العاملة في مجال الصحة فرت من سوريا التي تواجه "أزمات متعددة الطبقات" مع 13 عاماً من الحرب، موضحة أنه تعمل 65 بالمئة من المستشفيات فقط و62 بالمئة من مراكز الرعاية الصحية الأولية بكامل طاقتها، وتعاني نقصاً حاداً في الأدوية والمعدات.
اقرأ أيضاً: الأطباء السوريون خسرتهم بلادهم ولم تكسبهم بلدان اللجوء
دورات مستعجلة
أما دانيال طالب طب أسنان في اللاذقية على وشك التخرج، يوضح لروزنة، بأن لا مستقبل له في سوريا، "لا أستطيع افتتاح عيادة ولا أستطيع الزواج"، يقول.
لذلك لجأ دانيال والكثير من طلاب الطب إلى دراسة اللغة الألمانية من أجل تأمين فرصة عمل في ألمانيا، لاحقاً عند التخرج والانتهاء من الألمانية.
ويوضح: "الأطباء السوريون تسهل هجرتهم إلى ألمانيا والعمل فيها (...) جميع من أعرفهم من طلاب الطب إلا قلة، يتعلمون الألمانية، وأنا منهم".
وحول تعلم اللغة الألمانية، تحدث لروزنة، بأنها 8 مستويات، وكل مستوى ما بين 300 و500 ألف ليرة سورية، كذلك هناك دورات مستعجلة مكثّفة لمدة 3 شهور.
ويضيف: "هناك في ألمانيا الرواتب مرتفعة ألفان أو ثلاثة آلاف يورو، حسب ما سمعت" لافتاً إلى أن الطالب في حال تخرج ولم يختص، يكمل اختصاصه في ألمانيا".
اختصاص شكلي!
الطبيب أحمد، المختص في التخدير، هاجر مؤخراً إلى بلد عربي، وتحدث لروزنة قائلاً: "نسبة كبيرة من الأطباء مقيمي التخدير، الموجودين في المستشفيات الحكومية التابعة لوزارة الصحة والتعليم العالي والدفاع بهدف دراسة الاختصاص، يتعلمون اللغة الألمانية من أجل الهجرة إليها مباشرة".
ويضيف: "العام الفائت كان لدي نحو عشرة طلاب دراسات عليا من المقيمين في اختصاص التخدير، سافر منهم سبعة (...) والآن في مستشفيات طرطوس هناك عدد من المقيمين ينتظرون التأشيرة من أجل السفر إلى ألمانيا وذلك بعدما قدّموا على امتحانات القبول في بيروت والأردن".
ويشير الطبيب أحمد، إلى أنّ "الوضع كارثي"، لأن "الحكومة تسّهل هجرة الأطباء، فهي تعرف أن الكثيرين يعملون على ملفات هجرتهم، دون الاكتراث لدراسة الاختصاص".
وتابع: "هناك أطباء مقيمون يبقون عامين في المستشفى، لكن لايفقهون شيئاً من اختصاص التخدير".
كذلك تساءل الطبيب: " كيف لهم أن يتعلموا الاختصاص وأخصائي التخدير لا يأتي سوى مدة نصف ساعة، ومن المفروض أن يتواجد 24 ساعة، في وقت هناك على القائمة 20 عملية تحتاج إلى أطباء تخدير، وهو ما قد يعرّض المرضى لمخاطر صحية لانعدام الخبرة".
ويلفت الطبيب أن هناك توجيهات مشددة من وزارة الصحة ونقابة الأطباء ورابطة أطباء التخدير بأن أخصائي التخدير "يجب أن يكون موجوداً بشكل دائم لمتابعة حالة المريض، ولا يتركه أبداً، وهذا ما لا يحصل في الكثير من المستشفيات التي أعرفها".
لماذا؟
سبب تغيّب أخصائي التخدير عن المستشفى العام، هو تواجده للتخدير في المستشفى الخاص، بسبب الأجر المرتفع نوعاً ما مقارنة مع المستشفى العام، وفق الطبيب أحمد.
"عمليتا تخدير في مستشفى خاص لمدة ثلاث ساعات، توازي راتب الطبيب الشهري في المستشفى العام"، يوضح أحمد، قائلاً بأن كل عملية تخدير يحصل الطبيب في المستشفى الخاص على 200 ألف ليرة سورية، بينما الراتب الشهري قد يصل إلى 400 ألف في المستشفى العام.
وفي أيار العام الفائت، كشف المسؤول العلمي في رابطة أطباء التخدير، لدى حكومة النظام السوري، فواز هلال، لصحيفة "تشرين"، أنّ هناك نقصاً مرعباً في أعداد أطباء التخدير.
ولفت "هلال" إلى أن الأطباء يهاجرون حتى إلى البلدان الفقيرة في حين يعيش القطاع الصحي بين "ندرة وكبر سن أطباء التخدير".
وأشار حينها إلى أنّ معظم أطباء التخدير مسنين، وأصغرهم في عمر الـ50 عاماً، وإن وجد جيل شاب فهم معدودون على الأصابع، ومعظمهم مشاريع سفر إلى الخارج.
اقرأ أيضاً: "واسطات وراتب 40 دولار".. حلب: أطباء يتحدثون عن دوافع الهجرة
أسباب هجرة الأطباء
وحول الأسباب، تحدث الطبيب أحمد لروزنة: "عدم وجود خطة واضحة للحفاظ على الأطباء في وقت أصبح التفاوت هائلاً في الأجور ما بين سوريا والدول الأخرى".
ويضيف: "كان راتبي في سوريا قبل أشهر 400 ألف ليرة سورية أي ما يعادل 29 دولاراً، أما هنا مكان عملي الجديد في الدولة العربية، يبلغ أكثر من 2200 دولار أميركي، أي أن يوميتي 74 دولار".
الهجرة وفق أحمد، هي "اختصار للوقت"، لأن ما يجنيه في بلد الاغتراب في شهر، يعادله في سوريا أربعين شهراً، وفق قوله.
وكانت المديرة الإقليمية لشرق المتوسط في "منظمة الصحة العالمية"، حنان بلخي زارت سوريا ما بين 11 و16 أيار الفائت، وذلك بعد توليها منصبها في شباط الفائت، وبعد عودتها وصفت الوضع في سوريا بأنه "كارثي"، وحثّت على تفكير جديد لوقف نزوح الطواقم الطبية إلى الخارج.
وقالت: "نحن بحاجة إلى التفكير خارج الصندوق عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على القوى العاملة الصحية واستقطاب الشباب وإبقائهم منتظمين ومشاركين" في العمل، لافتة إلى أنّ العاملين في مجال الرعاية الصحية يتقاضون أجوراً "منخفضة جداً جداً" إذا تمكنوا من الحصول على راتب.
واقترحت "بلخي" إشراك الأطباء الشباب في مشاريع بحثية ومنحهم إمكان النشر، حتى "يشعروا بأنهم يقومون بعمل جدير بالاهتمام" والتأكد من أنهم "يمتلكون في الأقل الأدوات" اللازمة للعمليات الجراحية.
وشددت على أن الأطباء في سوريا بحاجة للوصول إلى منصات افتراضية للبقاء على اتصال مع المجتمع الصحي الدولي لأنهم لا يستطيعون السفر لحضور مؤتمرات.
وكان نقيب الأطباء، غسان فندي، كشف في حزيران العام الفائت، أن هناك عزوفاً من العديد من الأطباء عن التعاقد مع القطاع العام الصحي بسبب الرواتب القليلة، لافتاً إلى وجود أعداد كبيرة من الأطباء يتقدمون بطلبات إلى النقابة للحصول على وثائق خاصة بالسفر خارج البلاد، وفق صحيفة "الوطن".
وسلطّت "روزنة" الضوء في تحقيق لها تحت عنوان: "الأطباء السوريون خسرتهم بلادهم ولم تكسبهم بلدان اللجوء"، عن هجرة الأطباء السوريين إلى الخارج لإيجاد فرص عمل أو مزاولة مهن أخرى أو حتى ممارسة سرية للطب، ولكن لم يتمّ إدراجهم واحتسابهم مطلقاً كأطباء.
وبحسب لجان الصليب الأحمر الدولي يعيش 90 بالمئة من السكان في سوريا تحت خط الفقر، ما جعل عملية تهجير الأطباء عملية منظمة ومسكوتاً عنها تحت أعين السلطات الرسمية، فالمؤتمرات التعريفية وإعلانات شركات خدمات السفر للخارج وخصوصاً ألمانيا، تقام في العلن.
ووفق تحقيق روزنة، فإن الأطباء السوريين هاجروا بالآلاف خلال السنوات الماضية، إلى الأردن ولبنان وتركيا ودول الخليج، وأوروبا وأميركا الشمالية والقوقاز، وبلدان ومناطق أخرى حول العالم.