"زيزفونة الفرات" تطفئ آخر قناديلها.. رحيل الأديبة السورية فوزية المرعي

نساء | 18 03 2024

عبد الله الخلف

"لا البيت أصبح بيتي.. ولا الديار دياري"، كانت هذه آخر أبيات الشاعرة والأديبة السورية فوزية المرعي، التي رحلت عن عالمنا مساء أمس في مسقط رأسها بمدينة الرقة، عن عمر ناهز 76 عاماً، بعد وعكة صحية رافقتها في أيامها الأخيرة.

وشيع جثمان الراحلة من منزل أخيها الشاعر خير الدين المرعي، صباح اليوم الاثنين، ودفنت في مقابر تل البيعة، بحضور رسمي وشعبي وحشد من مثقفي محافظة الرقة.

وانطفأ آخر القناديل

"أم الجديلة" لقب أطلقه عليها الأديب الراحل عبد السلام العجيلي، و"قنديل الفرات" نسبة لأول دواوينها "قناديل الوجد"، وكما تعنون معظم قصائدها بكلمة "قنديل".

الراحلة فوزية المرعي مع الأديب العربي الراحل عبد السلام العجيلي - إنترنت

ولدت الراحلة فوزية المرعي عام 1948 في مدينة الرقة، هي عضو اتحاد الكتاب العرب، وكاتبة في القصة القصيرة والشعر والرواية والبحث، صدر لها ديوان "قناديل الوجد" – الجزء الأول، عام 1998 عن دار المقدسية في حلب.

والجزء الثاني من "قناديل الوجد" صدر عام 1999 عن دار الاتحاد بالرقة، وديوان "هدن الصمت" عام 2003، وعدد من القصص القصيرة ومنها: "مجموعة بحيرة الشمع، خلف ذاكرة الإبصار، الهباري، الرشفات، عفواً أيها اللصوص، هديل على مقام النوى".

وصدرت لها عدة روايات وأبحاث ومخطوطات، ومنها: "لباس المرأة الرقية، الموسيقى العربية وأثرها على الغرب، المطبخ الرقي، ندوة تراثية، قارب عشتار من توتول إلى ماري، الزرادشتية، الشركس، عناوين".

ونالت "المرعي" العديد من الجوائز وشهادات التكريم، منها جائزة البتاني للقصة القصيرة عام 2003، وتكريم من اتحاد الكتاب العرب عام 2000.

منتدى فوزية

كانت فوزية المرعي أول امرأة تؤسس وتدير منتدى ثقافي في محافظة الرقة عام 2005؛ المنتدى الذي كان في منزلها، واستضاف الكثير من الأدباء والمثقفين، وكان تجمعاً هاماً لمثقفي الرقة.

كان المنتدى يعقد كل أسبوع، استقبل مثقفين من كافة مناطق سوريا ومن دول عربية، ومن أشهر ضيوفه المفكر السوري الراحل الطيب تيزيني، وأبرز فعالياته كانت تكريم الشاعر الفلسطيني محمود درويش، ومحاضرات ودراسات عن عدد من الشخصيات مثل نازك الملائكة ومحمود درويش ونزار قباني.

وتصف فوزية المنتدى بالحلم الذي لطالما راودها وتمكنت من تحقيقه، ولكن حلمها لم يدم طويلاً، فبعد اندلاع الحرب في سوريا، وسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" على محافظة الرقة عام 2014.

نزحت الراحلة عن الرقة مثل معظم سكانها بعد اشتداد القصف الجوي عليها، وصادر عناصر التنظيم منزلها بعد نزوحها، وأحرقوا مكتبتها الشخصية التي أسستها طوال خمسة عقود، بالإضافة إلى صور ووثائق عمدوا إلى إحراقها وإتلافها.

كان ذلك قاسياً على المرعي، بعد أن طالت أيدي التنظيم معظم ذكرياتها.

من توتول إلى ماري

رواية "قارب عشتار.. من توتول إلى ماري"، التي تحتل مكانة هامة لدى المرعي، استلهمتها من الرحلات النهرية التي كانت تنطلق في نهر الفرات على متن قارب خشبي من الرقة إلى دير الزور.

ويشارك فيها مثقفون وصحفيون وأدباء، ومن ضمنهم فوزية، وفي رحلات "من توتول إلى ماري" كان يتم إلقاء محاضرات وندوات بين أحضان الطبيعة الفراتية، وزيارات للمواقع الأثرية.

الرحلات النهرية انطلقت لأول مرة عام 1997، وصارت تقليداً سنوياً اختفى بعد الحرب، ثم عاد من جديد عام 2019 ولكن الرحلة أصبحت مختصرة في أجزاء من نهر الفرات بالرقة فقط، بسبب التحديات الأمنية.


في رواية فوزية "قارب عشتار" يبحر 17 مغامراً، محامي وباحث أدبي، وصحفي ومصور، وروائية وشاعر ومهندس، وإطفائي ومعلم وممرض ومسرحي، تسرد فوزية في الرواية معلومات تاريخية وعلمية، عن أبرز الشخصيات والمواقع الأثرية في المنطقة عبر تاريخها.

رائدة الإبداع الرقي النسوي

في حديث مع روزنة يقول الشاعر أحمد رشاد عن الراحلة فوزية المرعي: "حين تذكر الرقة ويذكر أهلها وتفاصيلهم، وحين نتحدث عن الثقافة والإبداع الرقي النسوي، تأتي السيدة فوزية المرعي بالمقدمة"، مضيفاً أن "أم الجديلة: كما كان يناديها الأديب العجيلي لم تكن حالة طارئة، بل هي أصيلة ذات قلم متأصل.

ويتابع: "رقاوية بامتياز، عاشت ببساطة وأناقة عبر قلمها وتفاصيل حياتها اليومية، تكتب بروحها الزينة لا بقلمها، تنهل من فرات أوجاعها، مضت إلى عالم الأزل تاركة خلفها إرثاً أدبياً نفخر به، وسيبقى مكانها فارغاً، رحم الله أم هاجر وجعلها من أهل الفردوس".

ويقول الشاعر سعيد السراج إن ما يميز فوزية عن كثير من الأديبات والمثقفات أنها كانت صاحبة أول منتدى ثقافي تديره امرأة في المنطقة، وقدمت الكثير لثقافة وأدب الرقة.

وأضاف لروزنة: "خبر وفاتها كان مفجعاً بالنسبة للوسط الثقافي، هي السنديانة التي يستظل بظلها الكثير من أدباء ومثقفي الرقة، كانت رائعة مع الجميع وابتسامتها لا تفارق وجهها، لروحها السلام".

ونعى أدباء ومثقفون وأهالي الأديبة المرعي عبر صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، وكتب الكاتب عبد الرحمن مطر عبر صفحته: "ليس ثمة عبارة أو رثاء تفيك بعضاً من حقك فما قدمته للثقافة العربية ولمدينتنا الرقة لا يقدر بثمن ولا يمكن نسيانه أو تجاوزه".


كذلك، نعت الكاتبة شهلا العجيلي الراحلة، عبر حسابها في فايسبوك: "رحم الله الأستاذة فوزية وأسكنها فسيح جناته، سيّدة رائدة، ونبيلة، وكريمة. كانت علامة مميزة من علامات الحياة الثقافية والاجتماعية في الرقة، ستظل في الذاكرة والوجدان".

وقال الكاتب جمال سعيد: "في اللقاءات القليلة التي جمعتني بها، أعجبت بسعة عقلها وبكونها تحمل، وعلى نحو أصيل دون تصنع أو ادعاء، هماً عاماً يرتبط بضرورة العقلانية والحداثة والديمقراطية بما هي ممارسة لا بما هي مفاهيم أو شعارات. وقد سمعت الكثير عن كرمها ونبلها ورزانتها واحترام أهل مدينتها، بل وأهل بلادها لها".

بودكاست

شو الحل؟ - الموسم الثالث

شو الحل؟ - الموسم الثالث

بودكاست

شو الحل؟ - الموسم الثالث

شو الحل؟ - الموسم الثالث

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض