تقارير | 29 06 2023
أحمد خضور
"كنت في أحد المخيمات قبل أشهر قليلة، فوجئت بصبي عمره نحو 13 سنة، لم يستطع كتابة اسمه"، هكذا يروي الناشط السوري بداية مشروعه، بناء خيم نموذجية للتعليم في مخيمات اللاجئين السوريين شمال لبنان.
هذا النوع من المبادرات شهدته مناطق عدة في لبنان، حيث مخيمات اللاجئين، إذ حاول النشطاء بث بعض الأمل والمعرفة، فآلاف الأطفال السوريين يعانون من التسرب المدرسي ومن صعوبة ارتياد المدارس، إن كان لبعد المسافة أو الكلفة أو بسبب الثقافة السائدة التي تعتبر أن التعليم ليس أولوية، لا سيما أن أولويات اللاجئين تتمحور حول تأمين لقمة العيش، ليبدو التعليم رفاهية بعيدة.
وأضيف إلى ذلك كله الإضرابات التي شهدها التعليم الرسمي في لبنان، والتي أدت إلى إقفال المدارس وحرمان التلامذة من التعليم لأسابيع.
"قررت جمع تبرعات لأجل بناء خيم نموذجية مع أساتذة من مختلف الاختصاصات، بدأنا في خيمة واحدة والآن أنشأنا 5 خيم في شمال لبنان لتعليم الأطفال، وتسجّل معنا 150 طالباً حتى الآن"، يشرح الناشط السوري خضر الضبي عن المبادرة التي قام بها لتخفيف حدة الأمية وتأمين ما يمكن من التعليم للطلاب السوريين.
ويضيف خضر: "أحاول أن أفعل ما بوسعي حتى أساعد هؤلاء الأطفال الذين لا ذنب لهم بكل ما يحدث ومن حقهم أن يتعلموا ويحققوا أحلامهم"، معرباً عن سعادته بأن الطلاب يتطورون ويتعلّمون مهارات ومعارف جديدة.
تسرب مدرسي وأطفال في سوق العمل
تحتضن المدارس الرسمية في لبنان أكثر من 170 ألف لاجئ سوري مسجلّين في نحو 350 مدرسة رسمية في الدوام المسائي، في مقابل 235 ألف طالب لبناني.
نصف الأطفال السوريين، بحسب «يونيسف»، خارج المدارس؛ سواء في الداخل السوري أم في بلدان اللجوء.
وبحسب ليزا أبو خالد، المتحدثة باسم «مفوضية اللاجئين» في لبنان، 30 في المئة من الأطفال السوريين الموجودين في لبنان لم يذهبوا إلى المدرسة إطلاقاً، وانخفض الالتحاق بالمدارس الابتدائية بنسبة 21 في المئة على الأقل عام 2022 وحده.
كما أظهر تقييم الضعف السنوي للاجئين السوريين، الذي أجرته مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي و"اليونيسف"، أن عدد الأطفال السوريين اللاجئين الذين يعملون ارتفع أكثر من الضعف بين عامي 2019 و2021 ووصل إلى 82527 طفلاً، أغلبهم ذكور. وهو تحقيق عملنا عليه في وقت سابق وأظهر حجم مأساة الأطفال السوريين الذين ينغمسون في سوق العمل اللبناني وسط ظروف قاسية، ويتعرضون للعنف والتهميش لتأمين قوتهم وقوت عائلاتهم.
اقرأ أيضاً: عنف واعتداءات جنسية… 85000 طفل سوري يطحنهم سوق العمل اللبناني!
وفقاً للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بلغ عدد التلاميذ اللاجئين في عمر الدراسة (3-18 سنة) خارج أي نوع من أنواع التعليم 300 ألف عام 2020 وحده.
وتعطلت فرص حوالى 30 ألف طفل ممن كانوا يحصلون على تعليم غير رسمي بسبب جائحة "كورونا"، فيما تمكن عدد قليل جداً من متابعة التعليم من بعد.
شمعة صغيرة
وسط هذه العتمة تحاول جورية أن تشعل شمعة صغيرة في مخيمات البقاع عبر مبادرة لتعليم الأطفال.
وجورية حرمت من إكمال تعليمها الجامعي في لبنان، لأن شهادتها بقيت في سوريا، ومن هذه المعاناة شعرت أن من واجبها مساعدة أطفال المخيمات ومحاولة تأمين الحد الأدنى من التعليم لهم.
"كان في كتير أطفال محرومين من التعليم بسبب أوراقهم الثبوتية وبسبب عادات وتقاليد الأهل لأن هني من فئة مجتمعية ترفض تعليم البنات وما عندهن أي دافع يعلموا أطفالهن لأن مقتنعين انو ما في فايدة من التعليم"، هكذا تصف جورية الوضع والنمطية السائدة داخل المخيم والتي تنعكس سلباً على مستقبل الأطفال التعليمي ومن هنا بدأت فكرة إنشاء مدرسة صغيرة داخل المخيم لتعليم الأطفال.
اقرأ أيضاً: أزمات لبنان الاقتصادية تؤثر على تعليم الأطفال السوريين
بدأت مبادرة جورية الربيع في مخيم المرج في البقاع عام 2017 بعدد قليل من الأطفال ومن ثم بدأ العدد يتزايد شيئاً فشيئاً، فكان على جورية أن تبحث عن مساحة أكبر لتستوعب أكبر عدد من الأطفال.
تضم المدرسة حالياً حوالى 110 أطفال، 80 من هؤلاء لا يذهبون إلى المدرسة إطلاقاً لأسباب كثيرة منها عدم تسجيل أهل هؤلاء زواجهم وبالتالي عدم امتلاكهم أي وثيقة تعرف عنهم أو بسبب إهمال الأهل وعدم اهتمامهم بتعليم أطفالهم، وأخيراً بسبب الانقطاع عن التعليم خلال فترة "كورونا"، ما دفع المدارس لوضع قيود متعلقة بتسجيل الأطفال تتعلق بالعمر والمواليد.
تحرص جورية على تعليم هؤلاء الأطفال اللغة العربية والإنكليزية، إلى جانب بعض النشاطات الترفيهية وتشدد جورية على اللغة العربية بشكل كبير لأنها تعتبر أن تعلمها هو "السبيل إلى محو الأمية وتمكين الأطفال من القراءة والكتابة وهو أمر مهم جدا" بالنسبة لهم.
عن الأمل.. ومدرسة الأمل..
في إحدى القرى العكارية في شمال لبنان الواقعة على تخوم الحدود السورية، يقع مخيم الحيصة والذي يضم حوالى 40 عائلة معظمهم نزحوا من مناطق الرقة ودير الزور.
في ظل الظروف الإقتصادية التي تمر بها البلاد وارتفاع كلفة التنقل بسبب الغلاء الكبير في سعر المحروقات إضافة إلى الإضرابات المستمرة في المدارس الرسمية، بات الكثير من الأطفال في هذا المخيم عاجزين عن متابعة تعليمهم، ومن هنا بدأت فكرة تعليم الأطفال داخل المخيم عن طريق تخصيص خيمة لذلك وقد أطلق عليها اسم "مدرسة الأمل".
تحتوي المدرسة على عدد من المقاعد الخشبية إضافة الى لوح كبير يتخلل جوانبه رسومات صنعتها أيدي الأطفال في مناسبات متفرقة كعيد الأم وعيد الطفل وغير ذلك…
يحرص شاويش المخيم صاحب فكرة "مدرسة الأمل" على تأمين اللوازم التي تحتاجها عملية التعليم هذه إيماناً منه بضرورة التعليم وأهميته.
تضم المدرسة حوالي الـ80 تلميذاً منهم من يذهب الى المدرسة الرسمية عندما تفتح أبوابها ومنهم من لا يذهب بتاتاً.
يتعلّم الأطفال في هذه المدرسة اللغة العربية والإنكليزية إضافة إلى الرياضيات والعلوم الدينية. يتولى تدريس الأطفال الأستاذ معروف خلف وهو أيضاً لاجئ سوري، يقيم في مخيم الحيصة.
اقرأ أيضاً: تقرير: معظم أطفال اللاجئين السوريين يرفضون العودة رغم المعاناة
مبادرة أخرى..
بسبب حاجة الأطفال للتعليم والتسرب المدرسي بحجة الإفادات والأعمار وبسبب لجوء أهل بعض الأطفال إلى تعليمهم صنعة بعد رفض المدارس استقبالهم، قرر سليمان الحسن أستاذ اللغة العربية أن يطلق مبادرة تعليم الأطفال من خيمته الخاصة.
بدأت مبادرة سليمان عام 2017 في مخيم بر الياس في البقاع وعندما نقل مقر سكنه إلى زحلة أخذ مبادرته إلى مخيمه الجديد.
بمساعدة زوجته خريجة التربية الحضانية كان سليمان يخصص 3 ساعات يومياً لتعليم أطفال المخيم حيث كان اختصاص الزوجة الإهتمام بالأعمار الصغيرة والروضات، أما سليمان فأخذ على عاتقه تعليم بقية الأطفال اللغة العربية والإنكليزية والحساب بمساعدة أستاذ آخر خريج شريعة.
يقول سليمان إن مبادرته بدأت بـ10 تلاميذ، أما الآن فهي تضم حوالي 83 طفلاً، وقد إستطاع 40 طفلاً منذ قُرابة العامين تعلم القراءة والكتابة بشكل جيد، بعدما كانوا أمّيين تماماً.
يشير سليمان إلى أن قسماً صغيراً جداً من هؤلاء الأطفال يذهب إلى المدرسة، من هنا أهمية مبادرته لتعليم الصغار الحد الأدنى من المعارف والقراءة والكتابة.
يشجع سليمان زملاءه وزميلاته على القيام بمبادراتهم الخاصة ضمن مناطقهم، إيماناً منه بأهمية هذه المبادرات في تنشئة الأطفال ونموهم.
لا تكفي تلك المبادرات الصغيرة والفردية والمحدودة لشفاء جرح التسرب المدرسي في مخيمات اللجوء السورية، فالقضية تحتاج إلى جهد رسمي ودولي، لوقف النزيف وحتى لا يكون جيل ما بعد الحرب، هو جيل التسرب المدرسي والضياع.