عندما يعود بك الزلزال للصفر مرةً أخرى.. سوريون فقدوا كلّ شيء

عندما يعود بك الزلزال للصفر مرةً أخرى.. سوريون فقدوا كلّ شيء

تقارير | 25 03 2023

إبراهيم الشمالي - نور الدين الإسماعيل

الخسائر المادية المتكررة للسوريين بسبب الحرب والنزوح والتدهور المعيشي خلال عقد من الزمان، ربما يمكن تعويضها، لكن خسارة طفل، هذا ما لا يمكن نسيانه.


زهير سليمان، نزح منذ أربع سنوات من جرجناز شرقي إدلب هرباً من القصف إلى جنديريس شمالي حلب، ليلاحقه الموت في زلزال 6 شباط، ويسلب منه أحد أطفاله، فضلاً عن خسارته منزله وأثاثه.

يتحدّث سليمان لروزنة بحرقة: "كنت أعيش في منزل عربي مكوّن من طابق واحد فقط، وإلى جانب منزلي مبنى مؤلف من أربعة طوابق، أثناء حدوث الزلزال انهار المبنى الذي بجانبنا وسقط على رؤوسنا".

ركض سليمان للخارج محاولاً النجاة، وإذ به يسمع من خلفه صوت أطفاله يصرخون: "يا بابا طالعنا، يا بابا شيل الحيط عنا".

عاد سليمان إليهم محاولاً إخراجهم من تحت الركام، أنقذ طفلتين والثالثة (14 عاماً) كانت غائبة عن الوعي، حملها وأسعفها إلى مستشفى المدينة المكتظة بالمصابين، وهنا فقدت حياتها.

الدمار في جنديريس إثر زلزال 6 شباط

زلزال السادس من شباط، الذي ضرب سوريا وتركيا بقوة 7.7 درجات و7.6 ، خَلَّف مآسي تحتاج سنوات لنسيانها، وتحديداً في شمال غربي سوريا، السوريون في تلك المنطقة عندما بدؤوا يشعرون بحالة مؤقتة من الاستقرار النسبي جاءهم الزلزال وهدّم ما بُني بعد الحرب وأكثر.

أنهى الزلزال أحلام الآلاف، فمن نجا من تحت الركام بروحه خرج حاملاً معه ذكريات مريرة وحلماً مفقوداً بتكوين حياة جديدة.

خسائر لا متناهية

لم تتوقف خسائر السوريين الناجين من الزلزال عند خسارة البناء فقط، بل خسارة كل ما يملكونه من مقتنيات وأثاث منزلي، فقلة قليلة من استطاعوا إخراج بعض مقتنياتهم من تحت الأنقاض، ولعل الحديث عن الخسارة يكون أقسى على من عاش الخسائر مرات عدّة، وهناك من فقد محيطه ومعارفه الذين كانوا سنداً له خلال سنوات. 

علي العيسى، نزح من مدينته سراقب شرقي إدلب عام 2017 تحت وابل من القذائف والصواريخ، ولم يستطيع إخراج شيء من أغراض منزله، انتقل للعيش في مدينة أريحا جنوبي إدلب، لتتبعه الطائرات وتقصف منزله الجديد.

يقول العيسى: "بعد شهور من التهجير والإقامة عند أقاربنا، حاولت البحث عن منزل لعائلتي، وجدت منزلاً متواضعاً، وفي اليوم الثاني من استئجاره أصبح ركاماً بفعل غارة جوية".

 قرّر الشاب الابتعاد عن محافظة إدلب والانتقال لمدينة جنديريس، وبدأ بشراء أثاث المنزل من جديد، ليأتي الزلزال وينهي كلّ جهوده في الاستقرار.

يشرح: "لحظة الزلزال كنا نائمين أنا وعائلتي، استيقظنا على الزلزال، وكان المنزل ينهار ببطئ علينا، كان الخوف كبيراً بالنسبة لنا وخاصة الأطفال، خرجت إلى الشارع وأنا أحمل بيدي طفلَيْ، بينما بقية عائلتي تركض خلفي، والمبنى الذي نعيش به يتساقط من خلفنا".



البنك الدولي قال في تقرير له مطلع شهر آذار، إن زلزال 6 شباط أسفر عن وفاة أكثر من 50 ألف شخص في تركيا وسوريا، وأحدث دماراً في الممتلكات بقيمة 5.1 مليارات دولار في سوريا وحدها.

وقال المدير الإقليمي لدائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي جان-كريستوف كاريه "تسببت هذه الخسائر في تفاقم الدمار والمعاناة والمشقة التي يعاني منها الشعب السوري منذ سنوات".

خلال الأيام الأولى للزلزال، باتت مدينة جنديريس منكوبة نتيجة الدمار الذي حلّ بها والذي وصل إلى 70 في المئة، بحسب تقديرات المجلس المحلي، فتوقفت معظم الخدمات ضمنها والمحال التجارية، والمرافق والمنشآت الطبية.

اقرأ أيضاً: مبادرات فردية بعد الزلزال في جنديرس.. "ما بيحن عالعود إلا قشره"


أرواح بلا أمل.. لا فرق لديها بين الحياة والموت

معظم الناجين الذين خرجوا من تحت الأنقاض يعيشون حالة من اليأس في العودة لممارسة الحياة بشكل طبيعي من جديد، فضخامة الخسائر البشرية والمادية كانت كفيلة بوأد الأمل في نفوس الكثيرين.

تأقلم أمين الشامي على الحياة في مدينة جنديريس بعد نزوحه قسراً من حي التضامن في العاصمة دمشق عام 2018 هو وعائلته.

تعرّف على جيران وأصدقاء جدد في المدينة، انسوه مرار بُعده عن مسقط رأسه، يقول: "أمضيت سنة حتى تمكنت وعائلتي من التعايش في هذه المدينة، لكن بعدها شعرت براحة كبيرة من جميع النواحي، ولم أعد أرى فرقاً بين عربي أو كردي وأصبح بيننا وحدة حال".

يتابع: "كنت في هذه الأوقات أعيش مرحلة التأسيس، في أبسط الإحتياجات، من فرن وبراد وغسالة وتلفاز، وكنا نعيش في حالة شبه مستقرة".

أنهى الزلزال كل ما جمعه الشامي خلال السنوات الماضية، كما فقد أصدقاءه وجيرانه، بعد انهيار البناء الذي كان يقطنه، وانتقل للعيش في خيمة صغيرة خالية من جميع المقومات بأحد مخيمات منطقة راجو شمالي حلب.

 بعد ذلك استأجر الشامي منزلاً في أحد القرى بمنطقة عفرين، وبدأ من جديد في المعاناة، الآن يجد فرقاً واضحاً بالحياة: "في اليوم الثاني من السكن الجديد بدأت المعاناة تظهر علينا، تغيّر كل شيء بالنسبة لنا، في مكاننا القديم كان هناك رفاقنا وأصدقاؤنا والأقارب، تغيّر علينا كل شيء، والأماكن العامة ليس لدينا دراية بها كالأفران والأسواق التجارية".

يصف الشامي حالته التي يعيشها اليوم بعبارة: " اليوم عدت للبداية إلى الصفر من جديد".



أما فداء الصالح، أحد سكان مدينة جنديريس منذ خمس سنوات، يرى أنّ الحياة اليوم أصبحت مستحيلة، فالبقاء بمراكز الإيواء التي أنشئت حديثاً صعب جداً، واستئجار منزل والبدء مجدداً بات مستحيلاً بعد انعدام جميع إمكانياته المادية.

ويصف الشاب زاهر المقيم في جنديريس حاله: "نفسيتي متعبة جداً أنا وعائلتي، لم يعد لدينا  فرّق بين الحياة والموت وأصبح كلاهما متساوي بالنسبة لنا".

عجز في تأمين قوت اليوم

في خضم الخسائر الكبيرة التي نتجت عن الزلزال، كانت خسائر مصادر الدخل من محال تجارية ووسائل نقل معاناة إضافية تضاف لسلسلة المعاناة الطويلة التي يعيشها الناجون.

يجلس، الآن أحمد،  أحد سكان مدينة جنديريس الأصليين بالقرب من منزله الذي سقط بفعل الزلزال، محدقاً بسيارته التي انهار عليها البناء، ينظر إليها بوجه مفجوع.

السيارة كانت لأحمد كل حياته، من خلالها يكسب قوت يومه، يبيع الخضروات عليها ويتجول في أنحاء المدينة، يقول: "لم يتبقَ لدي أي شيء، لا منزل ولا سيارة ولا أي شيء، أجلس في خيمتي أنتظر المساعدات" يختصر الرجل مأساته بعبارة: "هذه ليست بحياة، الموت بات أسهل".

أحمد طه، أيضاً فقد دراجته النارية تحت أنقاض منزله في مدينة "الأتارب" بريف حلب الغربي، والتي كان يجمع الخردوات ويحملها عليها.

يقول: "لدّي إصابة نتيجة القصف قبل سنوات، سببت لي إعاقة في يدي، فكنت غير قادر على العمل سوى بجمع الخردوات معتمداً على دراجتي النارية، اليوم بعد تحطمها تحت ركام المنزل أصبحت بلا شيء، ولا يقوى جسدي على أي عمل آخر".

أفقد زلزال السادس من شباط السوريين في شمال غرب سوريا كلّ شيء، وألحق خسائر ضخمة بمنطقة ما لبست أن خرجت لوهلةً من تحت وطأة الحرب، فقد قدرت منظمة "منسقو استجابة سوريا" الأضرار الإقتصادية الناتجة عن الزلزال في المنطقة بـ 952 مليون دولار أمريكي.

بودكاست

سمعني سبورت

سمعني سبورت، يقدم لك أبرز الأحداث الرياضية في سوريا والعالم من الدوري المحلي إلى البطولات العالمية، ومن آراء الجماهير إلى حصاد المراكز، ننقل لك كل ما يجري خلف الأرقام والنتائج، بأسلوب شيق وسريع الإيقاع.

سمعني سبورت

بودكاست

سمعني سبورت

سمعني سبورت، يقدم لك أبرز الأحداث الرياضية في سوريا والعالم من الدوري المحلي إلى البطولات العالمية، ومن آراء الجماهير إلى حصاد المراكز، ننقل لك كل ما يجري خلف الأرقام والنتائج، بأسلوب شيق وسريع الإيقاع.

سمعني سبورت

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل الإجراءات الحكومية كافية لمنع تكرار أضرار ارتفاع منسوب الفرات؟

نعم
لا
لا أعرف
close icon