تقارير | 20 03 2023
محمود أبو راس
"في هذه المدينة لا صوت يعلو على أصوات المفجوعين بأحبائهم، حتى الأحجار كانت تريد أنّ تنقذ العالقين تحت الركام، والسماء كانت تبكي لحالهم، لذلك كنا هناك"، بهذه الكلمات عبرّ عمر عن مشاهد الرعب في مدينة جنديرس شمالي حلب، أثناء عملية البحث عن ناجين تحت الأنقاض نتيجة زلزال 6 شباط الماضي.
اقرأ أيضاً: جنديرس مدينة منكوبة بلا مساعدات!
منذ اللحظات الأولى لوقوع الكارثة، هرع الجميع في مدينة جنديرس، ممن لم يتضرروا نتيجة الزلزال، لإنقاذ العالقين تحت الأنقاض، والبحث عن ناجين، ولمساعدة فرق الدفاع المدني التي لم تدخر جهداً، بأدواتها البسيطة، في عمليات الإنقاذ.
سباق للمساعدة
مع بدء وصول نداءات الاستغاثة وطلب النجدة، انطلقت فرق الدفاع المدني نحو المواقع المتضررة.حجم الدمار الكبير وأعداد الضحايا الكبير وقلة الأليات، دفعت المدنيين للتوجه للمساعدة الإنسانية، وكان الدور الأهم لأصحاب المنشآت الخاصة الذين يمتلكون آليات ثقيلة تساهم في رفع الأنقاض، حيث برز دورهم الإيجابي في العمل على إنقاذ المدنيين ومساعدة فرق الدفاع المدني.
عند سماعه خبر وجود الكثير من العالقين تحت الأنقاض في جنديرس، انطلق عمر رعدون، صاحب مقلع تكسير حجارة قريب، ووجه جميع الأليات الثقيلة التي يمتلكها نحو المدينة، لمساعدة فرق الإنقاذ بانتشال العالقين تحت الأنقاض.
أثناء تجهيز الآليات للبدء بالعمل في رفع الأنقاض
يتحدث عمر لـ "روزنة" عن مبادرته، قائلاً: "بعد وقوع الزلزال، بدأت تصلنا رسائل عن عالقين تحت الأنقاض، توجهت نحو مدينة جنديريس، كان الوضع كارثياً، عدد كبير جداً من الأبنية المنهارة، صراخ الناس في الطرقات، الظلام الدامس، مشاهد لا يمكن وصفها".
يتابع: "وقفت مذهولاً من هول ما رأيت، لم يسعفني شيء لأقوله سوى البكاء، عدت مباشرة إلى المقلع الذي أعمل فيه، ووجهت أربع جرافات وشاحنتين نحو مدينة جنديريس".
لم تكن لحظات العمل سهلة على عمر والعاملين معه، فهو في سباق مع الوقت، وعلى وجه الخصوص، أنهم كانوا يعملون على رفع أسقف أبنية يقبع تحتها أصدقاء لهم مع عائلاتهم.
يصف عمر لحظات العمل: "عملنا مختلف نوعاً ما عن عمل فرق الإنقاذ، فنحن لا نمتلك التأني والقدرة على الهدوء والتركيز في العمل، لأننا نتعامل خلال عملنا مع الصخور والجبال، وليس مع الأبنية المنهارة ذات الأسقف البيتونية الرقيقة".
ويتحدث عمر رعدون عن عمل السائقين دون توقف لأكثر من 24 ساعة، في رفع الأنقاض وفتح الطرقات وترحيل الركام "جميعهم في لحظة ما امتلكوا الصبر والقوة (...) رغم ما مروا به من لحظات عصيبة وقاسية، لم يتمالك بعضهم نفسه من قسوة المشاهد التي رأوها، إلا أنهم تابعوا عملهم، بإيمان منهم أن اللحظة الواحدة قد تنقذ روحاً".
بقي عمر والعاملون معه في مدينة جنديريس لمدّة عشرة أيام متواصلة، يوصلون الليل بالنهار بدون أية راحة، وبدون أي مقابل، ويعتبر أنّ عمله هذا كان واجباً عليه كسوري تجاه أبناء بلده، معبراً عن ذلك بالمثل الشعبي "ما بيحنّ على العود غير قشره".
دواء بالمجان
خلال الأيام الأولى للزلزال، باتت مدينة جنديريس منكوبة نتيجة الدمار الذي حلّ بها والذي وصل إلى 70 في المئة، بحسب تقديرات المجلس المحلي، فتوقفت معظم الخدمات ضمنها والمحال التجارية، والمرافق والمنشآت الطبية.
نجا فرهاد حمادة، صيدلاني من أبناء المدينة، واستطاع الخروج من منزله لحظة الزلزال، واللجوء لأحد أقاربه في محيط المدينة.
لم يدرك "فرهاد" لحظة خروجه حجم الكارثة التي حلت بمدينته حتى شروق الشمس، فعاد للاطمئنان على حيّه ليرى الدمار مخيماً على معظم المدينة.

يصف لـ"روزنة" المشاهد الأولى التي عاينها عند وصوله: "الدمار الكبير في المدينة مخيف، لم أشاهد قط مثيلاً له خلال السنوات الماضية، وجوه الناس المفجوعة، بكاء الأمهات والأطفال، وأصوات الجرافات وآليات الإنقاذ جعلتني أعاني من صدمة نفسية غريبة".
حالف فردهاد الحظ بأن صيدليته لم تتضرر بالزلزال، فافتتحها منذ الأيام الأولى لتقديم العلاج والدواء لجميع المحتاجين في المدينة بشكلٍ مجاني، في مبادرة منه لمساعدة المدنيين وفرق الإنقاذ.
ويشرح: "كون صيدليتي من أقل الصيدليات تضرراً، ونظراً لحاجة السكان الملحة للأدوية استجمعت طاقتي وعدت للعمل بعد يومين فقط من الكارثة، فقدمت الدواء مجاناً للعائلات المنكوبة، ولعناصر الدفاع المدني الذين باتوا يعانون من أعراض تحسس صدري نتيجة الغبار الناتج عن الركام".
لم يتوقف الصيدلاني عند هذا القدر، بل عمل على مناشدة معارفه من فعاليات أهلية ومدنية، وحثهم على تقديم التبرعات للعائلات المكلومة في المدينة، نظراً لسوء الأوضاع المادية والمعيشية للسكان بعد الكارثة التي ضربت المدينة.
مشروب ساخن في الطرقات
واجه العاملون خلال أيام الزلزال صعوبات في تأمين الطعام والشراب خلال العمل، فتوجهت عدّة منظمات محلية وفرق تطوعية لتقديم المياه والطعام لهؤلاء الأشخاص، لكن كان للمدنيين بمبادراتهم حضور في هذا المجال.
قد يهمّك: متلازمة الهرس.. كابوس يلاحق الناجين من تحت الأنقاض
لم يستطع أبو علي، وهو نازح من محافظة القنيطرة إلى مخيمات أطمة شمالي إدلب، البقاء دون فعل شيء، ولعدم قدرته على المشاركة بأعمال الإنقاذ نتيجة تعرضه لإصابة سابقة سببت له إعاقة جزئية، قرّر مع مجموعة من جيرانه في المخيم إطلاق مبادرة بتقديم الشاي الساخن للمدنيين المتواجدين في جنديريس.
مبادرة للمساهمة بالتخفيف عن العاملين في المدينة من فرق دفاع مدني وعمال إنقاذ وصحفيين ومدنيين.
يقول "أبو علي" لروزنة: "أخبرونا أن هناك دمار كبير في مدينة جنديرس، فانطلقت لمعاينة الوضع، ونتيجة الكسور في جسدي، منها كسور في الحوض، حاولت مساعدتهم قدر المستطاع وما أملكه من طاقة، حاولت أن أنقل لهم معدات العمل، لكنني لم أكن راضياً عما أقوم به".
ويضيف: "اقترح عليّ أحد الأصدقاء أن أقدم للعاملين بعض الشاي والحساء الساخن، كمحفز لهم في الاستمرار بالعمل، وبالأخص أنّ الطقس كان بارداً على عمال الإنقاذ".

عمل أبو علي مع أربعة من أصدقائه على هذه المبادرة، ومن أموالهم الخاصة، دون الحصول على أي شكل من أشكال المساعدة من قبل منظمات أو أفراد، فالمواد التي يحتاجونها في صنع الحساء أو الشاي كانوا يحضرونها من منازلهم، وأحياناً يشترونها من نفقتهم الخاصة.
وعن آلية عملهم يضيف: "كنت أحضِّر الشاي في الشارع، كانت التكاليف جماعية علينا، من صديقي وصديقي الآخر، ومني أيضاً، ومن يمكنه المساعدة قدر المستطاع، كنت حين أقدم الشاي للعمال يخبروني أنهم كانوا بحاجتها وأنها جاءت في وقتها.
استمر مع أصدقائه في المبادرة مدّة 15 يوماً، من ساعات الصباح الأولى حتى المساء، يصف شعوره، قائلاً: "بعد هذا العمل شعوري كان مختلفاً كلياً، أنا بإمكانياتي البسيطة استطعت فعل شيء لمساعدة الناس، ولو تطلب الأمر دمي كنت سأقدمه دون تردد".
أحيا الزلزال الكثير من المبادرات الإيجابية لدى الكثير من السوريين، والتي لا يتسع هذا التقرير لذكرها، ولعل أبرزها ما قامت به العشائر العربية في شمالي شرقي سوريا، من خلال جمع المساعدات وإدخالها للمناطق المنكوبة في شمالي غربي سوريا، والتي حملت أكبرها اسم "فزعة دير الزور".