تقارير | 24 10 2021
الرّقة - عبد الله الخلف
لم تمر سوى ثلاثة أسابيع على حفل زفافه، أحمد "العريس الجديد"، النازح من بلدة رأس العين إلى مدينة الرقة، ذهب للسباحة في نهر الفرات بعد يوم عمل شاق في أعمال البناء، ليلقى حتفه هناك غرقاً كما يروي ابن عمه عبد العزيز.
يقول عبد العزيز لروزنة إن ابن عمه ليست لديه الخبرة الكافية بالسباحة، ما تسبب بموته غرقاً "ذهبنا إلى الجسر القديم للسباحة في النهر، لأنه كان يوماً حاراً والكهرباء مقطوعة في المنزل، ولكن أحمد لم يكن حذراً، تقدم نحو الأمام بسرعة وسحبه التيار، لم يكن هناك أحد لإنقاذه، اتصلنا بالفريق المسؤول عن الإنقاذ ولكن عندما وصلوا كان قد فارق الحياة".
شاهد أيضاً: نهر الفرات ملجأ أهالي الرقة لتخفيف شدة الحر
لا تكاد تمر أيام قليلة إلا ويتم الإعلان عن وفيات نتيجة الغرق في نهر الفرات أو أقنية الري الزراعية في محافظة الرقة، حيث راح ضحية الغرق 30 شخصاً الصيف المنصرم، بحسب فريق الاستجابة الأولية.
ووفق "فريق الاستجابة الأولية" التابع لمجلس الرقة المدني، الذي يتولى مهمة إنقاذ الغرقى فقد تم انتشال 30 جثة وإنقاذ 9 من الغرق خلال العام الجاري، ومعظم الحوادث تكون بين جسري الرقة القديم والجديد جنوب المدينة.
ويقول خالد الحريث "غواص" لروزنة إن "حالات الغرق زادت بشكل ملحوظ منذ عام 2017"، موضحاً أن "الغرق ظاهرة قديمة في منطقة وادي الفرات ولكن ليس لهذه الدرجة التي وصلت إليها".
ويشرح الأسباب قائلاً: "أولاً توافد النازحين بكثرة لمحافظة الرقة بالسنوات الماضية، وهم لا يعرفون طبيعة نهر الفرات وخطورته، خبرتهم ضعيفة بالسباحة عكس سكان المنطقة الأصليين الذين تربى كثير منهم على السباحة في النهر".
وأضاف "السبب الثاني هو قلة خبرة بعض الشبان والمراهقين بالسباحة واستهتارهم، يسبحون في أماكن تكون فيها المياه سريعة ويسبحون عكس التيار، إذ يجب أن يسبحون مع التيار ولا يستهلكون طاقتهم، فالاستهتار عامل أساسي أيضاً في تزايد حوادث الغرق".
أماكن السباحة المشهورة تكون بين جسري الرقة جنوب المدينة، وفي عام 2017 تعرضت الجسور للقصف، فأصبح الأهالي يتنقلون بين ضفتي الفرات بواسطة الزوارق والعبّارات النهرية.
وتسببت العبّارات بإحداث حفر كبيرة على ضفتي النهر، وبحسب الغواص خالد فإن هذه الحفر أدت إلى مزيد من حوادث الغرق "بعض الناس لا يعرفون بوجود هذه الحفر، يأتون للسباحة ظناً منهم أن المياه ليست عميقة فيغرقون، وحصل هذا في الأعوام الماضية بعد إصلاح الجسور والاستغناء عن العبّارات".
(صور من نهر الفرات في الرقة)
ويشير خالد إلى أن "تعاطي المخدرات قد يكون سبباً أيضاً، فنسبة التعاطي زادت كثيراً، والشاب أو المراهق ينزل للسباحة وهو تحت تأثير المخدرات وليس بوعيه فيتعرض للغرق".
ويطالب بضرورة أن "تكون هناك حملات للتوعية عند أماكن السباحة، حيث لم يتم تنفيذ حملات للتوعية بهذا الشأن سواءً من السلطة أو منظمات المجتمع المدني".
ويتولى فريق الغواصين التابع لفريق "الاستجابة الأولية" مهمة إنقاذ الغرقى في الرقة، ويتألف من خمسة عناصر، ويوجد رقم هاتف خاص للفريق من أجل تلقي البلاغات، ويتم تخصيص مفرزة إنقاذ تتواجد بالقرب من أماكن السباحة على مدار 24 ساعة بحسب الفريق.
ويقول تركي المحمد رئيس فريق الاستجابة إنهم طالبوا مجلس الرقة المدني بزيادة دعم الفريق ليتمكن من تأدية مهامه بالشكل الأمثل، "لا يوجد لدينا زورق، ضروري جداً أن يكون هناك زورق للفريق لتسهيل إنقاذ الغرقى، أيضاً طالبنا بزيادة عدد أفراد الفريق، فخمسة عناصر لا يكفون".
اقرأ أيضاً: عمل النساء في الرقة .. لقمة مغمسة بـ "التحرش"
ويلفت إلى أن "عدد حالات الغرق السنة الماضية أكثر من هذه السنة، فقد تم تسجيل 75 حالة عام 2020، مقابل 30 حالة هذا العام، بسبب تواجد مفرزة الإنقاذ قرب النهر والتي ساهمت بإنقاذ الكثيرين من الغرق"، حسب قوله.
ويشتكي بعض الأهالي من أن الفريق يتأخر أحياناً في الاستجابة لحالات الغرق، ويوضح المحمد بأن "سبب ذلك هو ضعف شبكة الاتصالات أو انقطاع الإنترنت في بعض الأحيان بالمنطقة، والسبب الآخر أن بعض الحالات تكون في مناطق بعيدة عن مركز الفريق في المدينة".
من جانبه، يلفت أحمد الحاج وهو غواص في فريق الاستجابة إلى أن "نهر الفرات متنفس للأهالي، بخاصة خلال السنوات الأخيرة مع انقطاع الكهرباء أصبح الإقبال عليه أكبر من السابق، فيؤدي ذلك لكثرة حوادث الغرق"، حسب رأيه.
ويوضح أن عملهم "متعب جداً" من الناحية النفسية، بخاصة عندما لا يتمكنون من إنقاذ الغرقى ويشاهدون أهلهم يبكون عليهم.
يروي أحد المواقف التي أثرت به بشدة ولا ينساها "كنت عند الجسر الجديد، فشاهدت شخصاً يغرق في النهر، توجهت إليه مباشرةً وأخرجته وهو على قيد الحياة، فسألني أين علي؟ قلت من علي؟! قال أنا لست غريق أنا دخلت إلى النهر لأنقذ علي من الغرق! وتبين أن هذا الشاب لا يعرف السباحة ولحق بصديقه لينقذه وكان سيفارق الحياة معه، عدت إلى النهر وأخرجت علي ولكنه كان قد مات، فهذا الموقف أثّر بي بشكل كبير ولا أنساه".