عمل النساء في الرقة .. لقمة مغمسة بـ "التحرش"

عمل النساء في الرقة .. لقمة مغمسة بـ

تقارير | 19 10 2021

عبد الله الخلف

"نامي عندي ليلة واحدة في الشقة وستحصلين على وظيفة بالراتب الشهري الذي تريدين"، هكذا قال مدير منظمة لـ روان (اسم مستعار) عندما كانت تبحث عن وظيفة في إحدى المنظمات بمدينة الرقة.


روان البالغة من العمر 25 سنة، وتحمل شهادة جامعية لم تعد ترغب بالعمل بعد الذي حدث معها مع مدير المنظمة. 


تقول: "حدث ذلك قبل نحو عام، وقتها أخبرتني إحدى صديقاتي بأن منظمة ما، نشرت إعلاناً عبر فيسبوك تطلب فيه موظفين وموظفات من نفس تخصصي، وفعلاً ذهبت إلى تلك المنظمة وأجريت المقابلة، وطلب مني المدير أن أترك رقم هاتفي ليتسنى لهم التواصل معي وإخباري إذا ما تم قبولي أم لا".


 في نفس اليوم ليلاً تواصل المدير عبر واتساب مع روان وأرسل صوراً تحمل عبارات مساء الخير والورود وغير ذلك، حيث بدأ المدير بالتودد: "بدأ بالتعرف عليَّ وسألني إذا ما كنت مرتبطة؟ ولما أجبته لماذا تسأل؟ فقال هذا أمر ضروري للعمل، قلت له لا لست مرتبطة كنت متزوجة والآن مطلقة، وجاء الرد منه: جميل".

عاد المدير للتواصل بعد أيام عدة، و لكن هذه المرة حمل الاتصال مفاجأة غير متوقعة.
 
قُبلت روان في الوظيفة حسب ادعاء المدير لكن كان هناك شرطاً يجب أن تحققه، تخبرنا: "بكل وقاحة قال إن الشرط هو أن تذهبي معي للشقة وننام هناك لليلة واحدة وستحصلين على الوظيفة مقابل مرتب شهري مرتفع، وكل طلباتك أوامر!".

أغلقت السماعة و هي ترتعش، فالكلام زلزلها وأخرسها، حيلتها الوحيدة كانت الدعاء عليه و الشكوى لله: "شعرت بالذل والقهر والانكسار، لم أخبر أحداً عن ذلك سوى صديقتي، وفكرت في تقديم شكوى أو فضحه عبر وسائل التواصل الاجتماعي ولكن صديقتي نصحتني بعدم فعل ذلك لأنه رجل ذو نفوذ كبير والناس سيقولون إنني مطلقة ولو لم أغريه لما تجرأ على طلب ذلك مني!".

كانت هذه الحادثة بمثابة التجربة الأخيرة في البحث عن عمل، ولم تتقدم بعدها لأي وظيفة في المدينة. 

التحرش الجنسي بالنساء الباحثات عن عمل والموظفات لا يحدث فقط في بعض المنظمات، بل هو موجود أيضاً في بعض الدوائر الرسمية بالرقة.

 نهلة – 23 سنة (اسم مستعار) موظفة في إحدى البلديات التابعة لـ "الإدارة الذاتية" بريف الرقة، تتعرض بين الحين والآخر لحوادث تحرش من زملاء لها في العمل تجعلها "تكره" العمل كما تقول لـ روزنة.

تخبرنا عن حادثة تحرش تعرضت لها من قبل أحد السائقين العاملين في مكان العمل. فهو لم يكتف بالتحرش اللفظي، الذي كان يمارسه مع الفتيات او بنظراته المريبة طوال الوقت، وإذا سنحت له الفرصة لا يتوانى عن ممارسة التحرش الجسدي.

وتتحاشى الفتيات في البيئات المحافظة الإفصاح أو الشكوى ضد هذه النوعية من الرجال والسلوكيات لأن النساء يتحملن الخطيئة.

تقول نهلة: "في إحدى الأيام ذهبنا لمدينة الرقة للمشاركة في مسيرة بناءً على توجيهات الإدارة، قبل انتهاء المسيرة شعرت بالدوار وعدت للسيارة، التي لم يكن فيها إلا السائق، جلب لي الماء وجاء للجلوس بجانبي بحجة أنه يريد الاطمئنان علي، ثم وضع يده على فخذي وقال هل تريدين أن أحضر لك شيئاً آخر وبدأ يحرك يده!".

شعرت نهلة بالرعب، أبعدت يده وخرجت من السيارة غاضبةً، ولما أخبرت صديقاتها بالأمر كان قرارهن ألا يخبرن الإدارة بما جرى كي لا يفتضح الأمر وتسوء سمعتي لأني تعرضت للتحرش!.

ولكن الفتيات وجدن طريقة أخرى للتخلص منه حسب ما أخبرتنا نهلة: "قدمنا شكوى بأن هذا السائق كسول ولا يلتزم بالمواعيد ويتأخر علينا، وقتها فهم هو الأمر ويبدو أنه خاف وترك العمل بعد ذلك".

الشكاوى قليلة 

من جانبها، تشير زهرة المرعي، رئيسة لجنة المرأة في مجلس الرقة المدني إلى أن "الشكاوى من موظفات ضد زملاء متحرشين قليلة للغاية، وفي حال تم تقديم شكوى بهذا الخصوص فيتم التعامل معها بحذر شديد بسبب طبيعة المجتمع العشائرية".

وتقول: "في البداية نتبين من أن الشكوى صحيحة وأن الأمر حدث بالفعل، وإذا تأكدنا أنها تعرضت للتحرش فإن العقوبة تصل إلى الفصل المباشر للموظف المتحرش، هذا في حال كان تحرش لفظي، ولكن إذا كان تحرش جسدي يصاحبه عنف فالأمر يختلف وتحول القضية للجهات المختصة الممثلة بالجهاز الأمني والقضائي".

متحرشون يهددون ضحاياهم بـ "الفضيحة"!

سمية – 19 سنة (اسم مستعار) كانت تعمل في إحدى متاجر بيع الأقمشة النسائية في مدينة الرقة، حكايتها مع التحرش أقسى مما حدث مع روان ونهلة.

بعد وفاة والدها عام 2018 جراء انفجار لغم أرضي من مخلفات تنظيم داعش في بيتهم، باتت العائلة المكونة من 6 أشخاص بلا معيل، و لأنها أكبر إخوتها الأربعة، كان عليها أن تعمل للمساعدة في إعالة الأسرة.

كانت سمية لا تزال طفلة آنذاك، فهي لم تتجاوز السادسة عشر بعد، حينها  بدأت رحلة البحث عن عمل مع صديقتها في الأسواق ومحلات بيع الألبسة النسائية فهي لم تكمل تعليهما.

وبالفعل وجدت وظيفة في متجر لبيع الأقمشة، صحيح أن المرتب زهيد ( خمسة آلاف ليرة سورية في الأسبوع) ولكنها لم تجد عملاً آخر.

لم يخطر على بالها و صديقاتها أن الرجل الذي تظهر على هيئته ملامح التدين وهو بسن والدها المتوفي أن يضع في كؤوس الشاي الخاصة بهن حبوباً لم يعرفن ماهيتها.

وعندما كشفن الأمر رفضن بشدة تناول الشاي دون مواجهته.

تقول سمية: "بعد حادثة الشاي بأيام وبينما كنت أعد القهوة في المتجر شعرت فجأة بأن يداً تمسك بكتفي! التفت إلى الوراء لأرى أنه صاحب المتجر! أبعدته عني ووبخته وطلبت ألا يفعل ذلك مرة أخرى".

لم يتوقف صاحب العمل عن استمراره بالتحرش ولكن الحال صعبة ولا مفر من العمل وجلب المال للعائلة.

ولكن للصبر حدود، تقول سمية: "في أحد الأيام كان المحل فارغاً من الزبائن، وبينما كنت أرتب البضائع، عاد من جديد ليضع يديه على جسدي، نهرته بشدة وحاولت ضربه ولكن أمسك بيدي وضربني… حينها لم يعد هناك من قدرة على الاستمرار، ناديت لصديقتي لنذهب ونترك العمل، هددنا حينها بأنه سيفضحنا ويشوه سمعتنا في السوق إذا فعلنا ذلك، و بالفعل أخبر معارفه أننا سرقنا من الأموال لذلك طردنا من العمل".

 حسب ما تقول سمية هذه الحادثة ليست فردية، وهي تحصل يومياً في السوق بالرقة، وتذكر قصة اخرى مشابهة: "أعرف فتاةً رفضت الذهاب مع صاحب المحل إلى شقته فاشتكى عليها بأنها سرقت منه مبلغ خمسة ملايين ليرة سورية، وسجنت لثلاثة أشهر، الفتيات يتجنبن الحديث عن التحرش الذي يتعرضن له في العمل خشية الفضيحة وخوفاً من سطوة ونفوذ التجار".

الخوف من اللجوء للقضاء

طورت "الإدارة الذاتية" عدداً من القوانين الخاصة بالنساء منا منع تعدد الأزواج و الميراث لكن تبقى قضية التحرش إلا أنها لم تستطع إلى الآن إيجاد قوانين وتشريعات جديدة لحماية النساء العاملات من التحرش الجنسي وفرض عقوبات قاسية على المتحرشين.

القوانين وحدها لن تكون كافية، هكذا قالت الناشطة النسوية جمانة العلي: "معظم الإناث ليست لديهن الجرأة لرفع صوتهن عالياً وتقديم شكاوى ضد المتحرشين بسبب العادات والتقاليد والخوف من نظرة المجتمع".

ظاهرة التحرش لا تقتصر فقط على المجتمع السوري، ولكنها تفشت بشكل كبير خلال السنوات العشر الماضية.

وتقول: "أبرز هذه الأسباب هو دخول المرأة إلى ميدان العمل بشكل كبير في الأعوام الثلاثة الأخيرة بعد رحيل داعش، ليس بسبب ارتفاع الوعي بخصوص عمل النساء وإنما نتيجة الظروف المعيشية الصعبة للشعب السوري، وغياب الكثير من الرجال فأصبحت النساء معيلات لأسرهن، ما أتاح الفرصة للكثير من المتحرشين لاستغلال المرأة في لقمة عيشها".
اقرأ أيضاً: لماذا لا يساند الرجال المرأة عندما تفضح المتحرش؟
تؤكد الناشطة جمانة معرفتها بالعديد من قصص الفتيات اللواتي تعرضن للتحرش الجنسي:"بعض الفتيات أصبحن يجهزن أنفسهن لتقديم تنازلات للمتحرشين عند التقدم لوظيفة ما مع الأسف، وجهود السلطة والمجتمع المدني لمحاربة هذا النوع من العنف والاستغلال تجاه المرأة ضعيفة جداً مع الأسف".

القانون المتبع في محاكم "الإدارة الذاتية" فيما يتعلق بجرائم التحرش والاغتصاب هو قانون العقوبات السوري الصادر عام 1949، ولكن بحسب المحامية سهير الأحمد، فإن الدعاوى التي ترفعها نساء ضد المتحرشين في الرقة قليلة جداً.

وتشرح الإجراءات التي تسير بها دعاوى التحرش، فالدعوى مكلفة على صاحبتها، حيث تضطر الفتاة أو السيدة إلى دفع 500 ليرة سورية، كسلفة ادعاء، وتعتبر المدعية في هذه الحالة شاهدة حق عام.

 في محاكم الإدارة الذاتية تعتبر جرائم التحرش والأعمال المنافية للحشمة من الجرائم الجنحية التي تتراوح عقوبتها من سنة إلى ثلاث سنوات سجن.

 ويقضي الموقوف عادةً مدة سنة أو تسعة أشهر في السجن، ولا يستفيد الموقوف من العفو ولا من ربع المدة إلا إذا كان هناك إسقاط حق شخصي.

تختم المحامية حديثها :" قبل فترة تم إطلاق سراح شخص لارتكابه جرم العمل المنافي للحشمة (تحرش جسدي بأنثى)، بعد الاكتفاء بمدة توقيفه لمدة ثمانية أشهر".

بودكاست

سمعني سبورت

سمعني سبورت، يقدم لك أبرز الأحداث الرياضية في سوريا والعالم من الدوري المحلي إلى البطولات العالمية، ومن آراء الجماهير إلى حصاد المراكز، ننقل لك كل ما يجري خلف الأرقام والنتائج، بأسلوب شيق وسريع الإيقاع.

سمعني سبورت

بودكاست

سمعني سبورت

سمعني سبورت، يقدم لك أبرز الأحداث الرياضية في سوريا والعالم من الدوري المحلي إلى البطولات العالمية، ومن آراء الجماهير إلى حصاد المراكز، ننقل لك كل ما يجري خلف الأرقام والنتائج، بأسلوب شيق وسريع الإيقاع.

سمعني سبورت

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل الإجراءات الحكومية كافية لمنع تكرار أضرار ارتفاع منسوب الفرات؟

نعم
لا
لا أعرف
close icon