تقارير | 23 09 2021
مالك الحافظ
في اجتماع مرتقب ولافت من حيث التوقيت وأهمية نقاش مسائل مؤثرة في الملف السوري، ينعقد لقاء قمة رئاسي مشترك بين الرئيسين فلاديمير بوتين، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، خلال الأيام المقبلة في مدينة سوتشي الروسية.
الاجتماع الذي أعلنت عنه الرئاسة الروسية "الكرملين" مؤخراً، مبينة أن الجانبين يعتزمان مناقشة العلاقات الثنائية والقضايا السورية خلال زيارة عمل أردوغان لروسيا.
بينما قال مكتب الرئاسة التركية، إنه من المتوقع زيارة أردوغان إلى روسيا من أجل إجراء محادثات مع نظيره الروسي في 29 أيلول الجاري، في وقت تشير فيه تقارير إلى أن الملف السوري سيكون على رأس المباحثات.
ونقلت وكالة "بلومبيرغ" عن مسؤولين أتراك (فضلوا عدم كشف هوياتهم)، أن الحكومة التركية تخشى أن تؤدي محاولة قوات النظام المدعومة من روسيا للتحرك نحو معقل المعارضة في إدلب إلى تدفق المزيد من اللاجئين نحو الحدود التركية.
وأوضح المسؤولون للوكالة أن السلطات التركية تتوقع أن يزيد التصعيد في إدلب عندما يلتقي أردوغان مع بوتين.
أهم بنود جدول الأعمال
لعل بحث مصير محافظة إدلب وسبل وقف التصعيد العسكري الروسي بشكل نهائي سيأخذ حيزاً واسعاً من النقاش لدى الرئيسيَن، إلى جانب تفعيل عمل اللجنة الدستورية، وكذلك بحث ملف القوى الجهادية في الشمال الغربي من سوريا، ولن يغيب أيضاً ملف شرق الفرات واحتمالات الانسحاب الأميركي العسكري من هناك، أو حتى بحث مسألة شكل النفوذ والتعاطي مع قوات سوريا الديمقراطية خلال الفترة المقبلة، وكذلك مناقشة احتمالات تطبيع أنقرة لعلاقتها مع دمشق.
القمة الرئاسية تأتي بعد محطات بارزة في السياسة الخارجية المؤثرة على الملف السوري، حيث كان بوتين استقبل الملك الأردني عبدالله الثاني إثر زيارة الأخير لواشنطن وطرحه لخارطة طريق من أجل الحل السوري وفتح حوار عربي مع دمشق، إضافة إلى لقاء جمع بوتين ببشار الأسد في موسكو يوم الثلاثاء قبل الماضي، فضلا عن لقاءات أمنية وعسكرية كانت دمشق أحد أطرافها، سواء في اللقاء الأمني المرتقب بين علي مملوك ورئيس جهاز المخابرات التركية حقان فيدان، أو اللقاء العسكري الذي جمع وزير الدفاع، العماد علي أيوب برئيس هيئة الأركان المشتركة الأردنية اللواء يوسف الحنيطي، حيث تم ذلك بتنسيق ورعاية روسية.
قد يهمك: ما الملفات المطروحة خلال لقاء هاكان فيدان وعلي مملوك؟
الباحث السياسي التركي، فراس رضوان أوغلو، قال خلال حديث لـ"روزنة" أن اللقاء المرتقب سيبحث إقامة صيغة تفاهم جديدة بين الروس والأتراك حول الملف السوري، في ظل وجود تخوفات تركية من التصعيد الروسي باتجاه إدلب.
مستقبل العلاقة الروسية التركية في سوريا
يبدو أن روسيا تريد حلاً مستعجلاً لسوريا في ظل التدهور الاقتصادي وتأثير العقوبات الأميركية، لذا فإنها ترى بأن توسيع نطاق سيطرة دمشق على مزيد من الأراضي الخارجة عن نفوذها في الشمال سيؤدي إلى اختلاف التعامل الأميركي مع دمشق وفق الواقعية السياسية، بحسب قول رضوان أوغلو.
وتابع "تركيا تريد إيجاد صيغة حل واضحة وإدخال المعارضة في الحل السياسي القادم، وهي تتساءل دائما حول كيفية أن يكون هناك وقف إطلاق نار شامل دون أن يكون هناك حلاً سياسياً بين الطرفين، وكيفية معالجة الحل السياسي، إلى جانب بحث مسألة فرز العناصر الإرهابية، وهذا كله يحتاج إلى وسائل مشتركة بين الطرفين".
بينما رأى رضوان أوغلو أن مستقبل العلاقة التركية-الروسية في سوريا سيكون حذراً بسبب عدم توفر عوامل توافق كبيرة، لا سيما في ظل وجود تحديات سياسية لدى أنقرة على صعيد الداخل التركي.
من جانبه، قال الكاتب المتخصص في الشؤون الروسية، طه عبد الواحد، إن خصوصية الوضع في سوريا، تُحتّم بأن نقاشه سيكون رئيسيا على جدول أعمال الاجتماع بين أردوغان وبوتين. إلا أنه وضمن الظروف الحالية المُعقدة بين الجانبين، يصعب تخمين ما قد يتوصلان إليه من اتفاقيات، بحسب ما أفاد به عبد الواحد.
وتابع "لكن وفق المعطيات المتاحة واضح أن تركيا لن تتراجع في هذه المرحلة على الأقل بالنسبة لموضوع مناطق نفوذها في إدلب وشمال شرق سوريا". فيما اعتبر أن أردوغان سيبحث مع بوتين موضوع تزايد الهجمات على محافظة إدلب في الآونة الأخيرة، مضيفاً "أغلب الظن أنهما سيتفقان على صيغة معينة تحقق مصالح تركيا وتحفظ لروسيا ماء الوجه".
المصالح الاقتصادية أساس العلاقة
اللافت أن القمة تنعقد في ظل استياء روسي من الموقف التركي حيال إجراء الانتخابات الروسية في القرم، إذ رأت الخارجية التركية أنها ليست شرعية، وردت روسيا بأنها ستأخذ هذا بالاعتبار وقالت إن هذا الموقف سيؤثر بلا شك على العلاقات بين البلدين.
في المقابل أجرى وزير الطاقة التركي محادثات في موسكو خلال اليومين الماضيين مع نظيره الروسي إضافة إلى مدير شركة "غاز بروم"، حيث تم الإشادة بتعاون البلدين في مجال صادرات الغاز إلى تركيا عبر "السيل التركي"، عن طريق تركيا إلى أوروبا من خلال أنبوب "السيل الأزرق".
بمعنى أن موسكو وأنقرة تدركان الطبيعية الاستراتيجية لتعاونهما في هذا المجال وفي مجالات أخرى، لذلك فإن أي اتفاقات بينهما، بما في ذلك الوضع السوري، ستكون على قاعدة المصالح المشتركة التي تحكمها حاجة كل منهما للآخر، وفق عبد الواحد.
اقرأ أيضاً: الانسحاب الأميركي من أفغانستان.. ماذا لو تكرر في سوريا؟
كانت العلاقات التركية-الروسية من المحطات البارزة بالنسبة لأنقرة عام 2020، والتي اتسمت بالتعاون والتنافس بذات الوقت، لا سيما في سوريا.
في 17 كانون الأول الماضي، تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالمؤتمر الصحفي السنوي الموسع وقال "أحيانا نختلف في رؤيتنا للأمور، ولكن أردوغان رجل يلتزم بتعهداته، وإذا كان الأمر متعلقا بمصلحة دولته، فإنه يقوم بما يتوجب القيام به إلى أبعد حد، هذه صفة يمكن توقعها، وهذا مهم لفهم الشخص الذي يجلس مقابلك".
بدوره رد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "لقد لمست أنا أيضا في السيد بوتين نفس الشيء، يلتزم بتعهداته، كلامه وجوهره واحد، منذ أن تعرفت عليه".
كما أعرب أردوغان عن أمله في أن تستمر العلاقات التركية-الروسية على نفس الشاكلة خلال الفترة المقبلة في المجالات السياسية، والعسكرية، والدبلوماسية، والثقافية، والاقتصادية.
بينما أشار بوتين في مؤتمر صحفي في 22 تشرين الأول الماضي، وردا على صحفي وجه له سؤالا حول رغبة أردوغان بتوسيع نطاق نفوذه نحو حدود الإمبراطورية العثمانية السابقة، قال "لا أعرف عن خطط أردوغان أو موقفه من التراث العثماني، ما أعرفه أن التجارة بيننا تجاوزت الـ20 مليار دولار". ما يشي بأن العلاقات بين الروس والأتراك اتسعت قاعدة تفاهماتها على أساس المصالح التجارية الاستراتيجية المشتركة.
حيث يعد مشروع المحطة النووية الذي ما زال قيد الإنشاء في مرسين، أحد أضخم مجالات التعاون في الطاقة بين تركيا وروسيا. كذلك فإن من أهم الخطوات التي تم اتخاذها أيضاً في تطور العلاقات بين البلدين، هو تدشين مشروع خط أنابيب "ترك ستريم" الذي يربط الغاز الطبيعي الروسي بـ تراقيا التركية عبر البحر الأسود.