الرز بالكاسة والسمنة بالملعقة.. أسلوب شرائي جديد في سوريا

أحد أسواق سوريا - فليكر
أحد أسواق سوريا - فليكر

اقتصادي | 03 يونيو 2022 | علياء أحمد

شراء نصف كأس من الزيت النباتي أو كمية ضئيلة من الأرز لا تتجاوز الأوقية، هو نمط شرائي جديد تلجأ إليه مروة (45 عاماً) من مدينة جبلة، بحسب ما يتوافر لديها من مال، وليس وفقاً للأوزان الاعتيادية كالشراء بالكيلو أو نصف الكيلو.


مروة ربة منزل وأم لولدين يافعين، يعمل زوجها موظف حكومي، اعتادت أن تزور السمان "محل المواد الغذائية" لشراء أرز بألفي ليرة وشعيرية بـ 500 ليرة، وربما نصف كأس من الزيت النباتي، لتستطيع طبخ صحن من الأرز إلى جانب مرقة البطاطا، التي تفتقر إلى أي إضافات من لحوم أو دجاج.

تعيش السيدة الأربعينية في إحدى القرى القريبة من قاعدة حميميم العسكرية الروسية، والتي تنتشر بالقرب منها المحال التجارية التي تبيع كل "ما تشتهي النفس"، على حد تعبيرها.

ضيق وشعور مؤلم يرافقها وهي تنظر إلى تلك المنتجات المتنوعة من الشوكولا واللحوم والأجبان والألبان، بينما لا تستطيع حتى التفكير بالاقتراب منها أو حتى السؤال عن ثمنها، وغالباً هي محلات مخصصة للجنود الروس الذين يحصلون على رواتب عالية ويستطيعون شراء "ما لذ وطاب".

الكثيرون مثل مروة على امتداد المحافظات السورية، ففي محافظة طرطوس، تكتفي لميس ( 35 عاماً) موظفة حكومية، بشراء حبات قليلة من الخضروات، كأن تشتري لوازم صحن سلطة واحد، مثل حبتي خيار وحبتي بندورة وباقة من البقدونس، بثمن يصل إلى 3 آلاف ليرة، وفق قولها.

الشراء بالحبة أو الكاسة، أو وفق مبلغ محدّد بات اليوم أسلوباً يتنامى لدى الكثيرين يوماً بعد يوم، مع استمرار تدهور الأوضاع المعيشية في سوريا.

اقرأ أيضاً: سوريا: الشماعة والتنظيف بدائل مهنية لخريجي الجامعات



وتبلغ نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر بأكثر من 90 في المئة من إجمالي السكان، بحسب تقدير وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارتن غريفيث، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في تشرين الأول عام 2021.

ويبلغ سعر صرف الدولار في السوق السوداء نحو 4 آلاف ليرة سورية، ما رفع الأسعار في الأسواق إلى أضعاف مضاعفة، ولا سيما خلال العامين الأخيرين مع تفشي جائحة كورونا، ومؤخراً الحرب الروسية في أوكرانيا، في الوقت الذي وصل وسطي تكاليف المعيشة لأسرة سورية  مكونة من 5 أفراد  إلى أكثر من مليوني ليرة سورية شهرياً، وفق دراسة نشرها موقع جريدة "قاسيون".

الجميع يشترون بالكاسة وأحياناً بالملعقة

بدأت ظاهرة الشراء بالحبة وبالكأس قبل حوالي عام ونصف، وفق عمر (62 عاماً)  صاحب محل سمانة في ضواحي العاصمة دمشق.

يقول عمر: كان الزبائن يشترون بعض أنواع الفواكه غالية الثمن بالحبة، وغالباً يأخذونها لأطفالهم كي لا يحرمونهم من تناولها.

ومع استمرار ارتفاع الأسعار، باتت ظاهرة الشراء بالحبة تشمل الخضراوات أيضاً، يقول البائع الستيني: " مع ارتفاع أسعار الحبوب مؤخراً، وقبل حوالي الشهرين تقريباً، بدأ الزبائن يطلبون بخجل شراء قليل من الأرز أو السكر، في البداية رفضت، لكن مع تكرار الطلبات رضخت للأمر الواقع".

أمام محله، وضع عمر أكياساً من وزن كيلو غرام واحد، تحوي أرز وسكر وعدس وبرغل وحمص، ومن ثم يبيع منها وفق طلب الزبون، إما بألف أو ألفي ليرة أو أكثر.

 كيلو الأرز يبلغ ثمنه اليوم 4 آلاف و500 ليرة، والسكر 4 آلاف، والعدس 8 آلاف و500، والبرغل 6 آلاف، ومعظم الزبائن تطلب الشراء بألفي ليرة وهي أقل من نصف كيلو.



ينسحب الحال السابق على الزيوت والسمن، حيث يشتري الزبائن، وفق عمر حاجتهم من السمنة أو الزيت بمعدل يتراوح بين ألف  وحتى ألفي ليرة، وأحيانا البعض يشترون بـ500 ليرة.

يضيف عمر: "الـ500 ليرة لا تشتري أكثر من ملعقة، وبالتأكيد فقر الحال هو من دفعهم للشراء بهذا المبلغ، لذا نذرت على نفسي أن أزيد الكمية كلما استطعت، والله يكون بالعون".

حتى القهوة وبعد أن وصل سعر الكيلو غرام الواحد منها نحو 50 ألف ليرة مؤخراً، باتت تباع بألف أو ألفي ليرة هي الأخرى، ومثلها مشروبات الشوكولا الخاصة بالأطفال، والحليب البودرة.

قد يهمك: الدروس الخصوصية..  الساعة بأقل من سعر نصف دجاجة!



ماذا يشتري راتب موظف في سوريا؟

انتشار تلك الظاهرة في سوريا، ربما كان شيئاً جيداً لو لم يكن قسرياً، تقول لمياء (38 عاماً) مهندسة وموظفة حكومية مقيمة في دمشق.

وتتابع أن الأوروبيين يعملون بتلك الظاهرة انطلاقاً من حالة توفير ووفرة، وغالباً فإن عدد أفراد العائلة لديهم أقل بكثير من العدد في سوريا، حيث لا يقل عدد أفراد العائلة عن أربع أشخاص وسطياً، لذا فإن شراء كيلو أرز سيكون أمراً منطقياً.

مهندسة العمارة، التي كانت تشتري البرغل والأرز للمؤونة بكميات كبيرة، قبل أقل من عامين، انضمت اليوم لفئة الأشخاص الذين يشترون بالكأس.

وتضيف لمياء: "أعمل في وظيفتي الحكومية منذ أكثر من 11 عاماً، وراتبي مع التعويضات لا يتجاوز 122 ألف (حوالي 30 دولار أميركي)، فكيف يستطيع راتبي أن يكفي شراء 4 كيلو سكر بسعر 4 آلاف للكيلو الواحد، و5 كيلو أرز بسعر 4 آلاف و500 للكيلو الواحد، ثم يكفيني أجور مواصلات؟".

لمياء هي أم ليافعين اثنين، مسؤولة عنهما نتيجة فقدان زوجها بسبب الحرب، ولا تعلم عنه شيئاً منذ غيابه قبل 5 سنوات تقريباً.

 تؤكد أن راتبها لا يكفيها حتى لو تناولت البيض هي وأطفالها طيلة الشهر فقط وبدون أي إضافات: "لو تناولنا 3 بيضات على الإفطار ومثلهم على الغداء والعشاء، أي 9 بيضات يومياً سعر كل بيضة 500 ليرة، أي 4500 ليرة يومياً، و135 ألف ليرة شهرياً، هل تتخيلون أني أتحدث عن البيض دون أي إضافات أخرى".

لا يكفي راتب موظف في القطاع الحكومي، أكثر من طعام يومين اثنين، كفطور وغداء وعشاء، وهذا للوقت الراهن، أما في الأيام القادمة ومع التوقعات بحدوث أزمة ارتفاع أسعار جديدة، بعد رفع سعر البنزين في الفترة الفائتة، فإن الراتب قد لا يكفي أكثر من طعام يوم واحد.



الظروف المعيشية الصعبة في سوريا أدت لتغيير كبير في عادات السوريين الغذائية والمعيشية الذين كان غالبيتهم، يشترون احتياجات المنزل، بشكل شهري أو نصف سنوي، بخلاف اليوم حيث أصبحت العادات الغذائية تقتصر على معادلة "كل يوم بيومه"

واليوم الذي لا يوجد فيه نقود كافية لشراء كأس أرز ونصفه من العدس، غالباً لا يوجد طعام فيه، وعلى أهل المنزل أن يناموا ليلتهم جياعاً، وتلك ليست مبالغة، بل هو واقع الحال الذي يدركه السوريون في الداخل جيداً.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق