اللاجئات في المخيمات اللبنانية... عنف واعتداءات جنسية وتزويج مبكر

اللاجئات في المخيمات اللبنانية... عنف واعتداءات جنسية وتزويج مبكر
تحقيقات | 12 مايو 2020

باسكال صوما||


"كان عليّ أن أتزوّجه ولم أكن أملك أي خيار، فكّرت في النهاية أن العنف، الذي أتعرّض له كل يوم في خيمة أهلي، قد يخفّ قليلاً، فكّرت في أنني قد أتخلّص من مشكلة الإقامة وأصبح على اسم زوجي".


وتتابع رنين (20 سنة) وهي لاجئة في أحد المخيمات اللبنانية، لـ "روزنة": "يوم تزوّجته كان عمري 15 سنة وكان ذلك قبل 5 سنوات، الآن أنا في العشرين من عمري وعندي طفلان وابنة. حياتي عبارة عن عذاب".
 
"أصبح العنف قوتي اليوميّ، عدا عن الفقر والوضع المعيشي الصعب، أحياناً لا نجد ما نأكله، وأتمنى لو كان بإمكاني ترك كل شيء، لكنّ ذلك مستحيل، أخاف على أطفالي منه وأعرف أنّ أهلي لن يدعموني وعلى الأرجح لن يستقبلوني إذا قرّرت العودة إليهم مطلّقةً مثلاً".
 
نسألها عمّا تتمنّاه، فتقول: "أتمنّى أن تحظى ابنتي ميساء بما لم أحظَ به، أي التعلّم وبناء حياة طبيعية".

وفق دراسة لمعهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية فإن 22 في المئة من السوريات في لبنان، بين عمر 15 و19 سنة، متزوجات.

وتشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى أن فتاة من كل سبع، بين عمر 15 و19، تتعرض للتزويج القسري على مستوى العالم، في حين يصل العدد في الدول النامية إلى فتاة من كل ثلاث، تتزوج قبل بلوغها سن الـ 18.

لكنّ الأوضاع تصل إلى ذروتها في مخيمات اللجوء في لبنان (وسواه من دول اللجوء الفقيرة) حيث الظروف المعيشية الضاغطة، وتضاف إليها التقاليد والأعراف الاجتماعية التي تقع الفتيات غالباً ضحيتها، عبر تعرّضهنّ للعنف المعنوي والجسدي.
 
ويكون على الفتاة الزواج من رجل ربما لا تعرفه، فالكثير من العائلات تريد تخفيف المصاريف والأعباء عبر تزويج القاصرات.

اقرأ أيضاً: كيف نحمي نساءنا من الاعتداءات الجنسية؟

تتحدّث إحدى المرافقات النفسيات في مخيمات اللجوء، فضّلت عدم الكشف عن اسمها، عمّا رأته بين هذه الخيم المفتوحة على كل أشكال العنف والبؤس والإجحاف لـ "روزنة" قائلة: "المشكلة ثقافية اجتماعية في الأساس، إذ تسيطر الأفكار المتخلّفة على عقول الناس، مثل عدم تعليم الفتيات، وهذا نوع من الاعتداء عليهنّ، ومن هذه الأفكار أيضاً التشجيع على تزويج القاصرات واعتباره أمراً عادياً".

وتتابع: "ليس هذا فقط، إذ هناك عنف واعتداءات جنسية تتعرّض لها نساء في المخيمات بسبب قرب الخيم من بعضها بعضاً".

وتضيف المرافقة النفسية: "قابلت فتيات ونساء كثيرات فكّرن بالانتحار بسبب هذه الزيجات التي لا تنتج إلا العنف والاغتصاب والاضطهاد بحقّهنّ، ومعظم النساء هناك يعانين من حزن شديد أو اكتئاب، واضطرابات نفسية خطيرة، لا سيما في ظلّ العجز الذي يعانين منه، فهنّ غير قادرات على الهروب بسبب الوضع المعيشي والخوف من الجوع، إضافةً إلى الحرب في سوريا، هؤلاء النساء لا يملكن مكاناً يهربن إليه وقد يتحمّلن الظلم لحياة كاملة".

اللاجئات في المخيمات اللبنانية... عنف واعتداءات جنسية وتزويج مبكر


الموت البطيء


كثيرات ممن هربن من الحرب في سوريا، كان الموت البطيء بانتظارهنّ في مخيمات اللجوء وخارجها أيضاً، وكأنّ الموت قدرهنّ في كل الأحوال.

ويضاف إلى تزويج القاصرات، موضوع الزيجات العرفية وتلك غير المسجّلة، التي تؤدي إلى ولادات غير مسجّلة أيضاً، ما يزيد الطين بلّة.

في هذا السياق، يوضح أنس تللو مسؤول المناصرة في منظمة "النساء الآن من أجل التنمية"، أن "المجتمع السوري قبل الحرب واللجوء كان يشهد حالات تزويج قاصرات، لكنّ الأمر تفاقم مع ظروف اللجوء والمشكلات الاقتصادية، إضافةً إلى أن القانون اللبناني لا يحمي القاصرات بما يكفي، بل يُترك الأمر للمشايخ، لاتخاذ القرار بشأن سن الفتاة وعمرها وإن كانت بنيتها مناسبة للزواج مثلاً أو لا".

ويضيف أن "هناك مشكلة أخرى، هي أن الدولة اللبنانية لا تلاحق المشايخ الذين يعقدون زيجات عرفية، يتم تسجيلها بعد فترة مثلاً، وحينها لا يعود ممكناً الاعتراض في دار الإفتاء التي تضطر إلى تسجيل هذه الزيجات حتى لا تعتبر زنا ومن أجل الأطفال".

اقرأ أيضاً: أمهات وحيدات يواجهن الموت من أجل حياة أبنائهن


ويتابع تللو لـ"روزنة": "لذلك قررنا العمل على المجتمع وأفكاره وأطلقنا حملة اسمها "لا تكبرونا بعدنا زغار"، بحيث يقوم أشخاص عاشوا تجربة الزواج المبكر بعرض لتجاربهم لمشايخ أو أهالٍ يفكّرون بتزويج بناتهم. ونأخذ منهم تواقيع بأنهم لن يزوّجوا بناتهم".
 
ويوضح "الفتيات الصغيرات غالباً لا يملكن الوعي الكافي للتبليغ أو اللجوء إلى جمعيات أو منظمات يمكن أن تساعدهنّ. وهذه مشكلة كبيرة أيضاً، إضافة إلى أن الفتاة التي تعرّضت للعنف قد تخشى الذهاب إلى الشرطة لأنها لا تملك إقامة أو أوراقها غير قانونية، لذلك تضطرّ كثيرات إلى التحمّل والعيش في ظروف صعبة جداً".


قانون يحمي ولكن!


أقرّ البرلمان اللبناني قانون حماية النساء من العنف الأسري في نيسان 2014، ويُفترض وفق الناشطة النسوية والصحافية مايا العمّار أن "تستفيد منه النساء المقيمات على الأراضي اللبنانية، لكنّ المشكلة أن الدولة لم تصدر أي بيان رسمي يؤكد أن أي امرأة سورية تقدّم شكوى لحمايتها من العنف، لن تتعرّض للمحاسبة بسبب كسر إقامة وبسبب وضعها القانوني".

وتتابع لـ "روزنة": "من حيث المبدأ القضاء يتجاوب مع اللاجئات والمقيمات، لكن المشكلة أن لا مكان يلجأن إليه، والدولة لا تؤمن ذلك، فيما تحاول منظمات وجمعيات مساعدة السوريات وحمايتهنّ قدر المستطاع".

وتضيف: "الدولة لم تخصص أبنية أو فنادق لحماية النساء مثلاً أو حتى صيدليات كما حصل في فرنسا، لحماية ضحايا العنف، أو تأمين مكان يلجأن إليه، والدولة اللبنانية لم تضع خططاً حقيقية لذلك، ونحن نعرف أن معاناة اللاجئات كانت دائماً مضاعفة، فإضافة إلى ظروف الحرب والظروف المعيشية، هنّ يتعرّضن لضغوط اجتماعية وعنف كبير وتزويج مبكر".


أقنعني أنه يحبّني!


"أقنعني أنه يحبّني، أقنعني أنني سأكون بخير وأنه لن يؤذيني، أخبرته قصّتي، قلت له أنني تعرّضت للابتزاز الجنسي منذ هربت من سوريا، لأنني لم أكن أملك شيئاً، لم أخفِ عنه أي تفصيل وكان متفهّماً، كانت المرة الأولى التي أشعر فيها أن الحياة بدأت تبتسم لي أخيراً، كنت أتردّد إلى بيت أهله وكنا نلتقي هناك، كان يعرف وضعي ذلك أنني لم أكن قادرة على دفع إيجار الغرفة التي أسكن فيها، عرض عليّ الزواج".

قد يهمك: الاعتداءات الجنسية على النساء أداة حرب... إلى متى؟

"وافقت لكنّه بعد ذلك تغيّر، تحوّل إلى رجل آخر، يضربني ويعنّفني ولا يهتمّ لأمري وكان يعرف أنني لا أملك غيره، ظلّ يهينني بلا رحمة، حتى أنّه كان يحضر هو ووالده نساء إلى منزلنا، تحمّلت كل شيء وسكتت، قلت إنّ المهمّ أنّ هناك سقفاً فوق رأسي، لكنّه بعد ذلك طلّقني وأخذ مني طفلتي ولم أعد أعرف عنه أي شيء".

هكذا تروي مروى قصّتها لـ"روزنة" من دون أن تتوقّف عن البكاء، مروى ليست قاصراً، لكنّها تعرّضت لشكل آخر من الانتهاك، وهو الاستغلال والابتزاز، فزوجها الذي ادّعى الشهامة، استغلّ ظروفها الصعبة، ليتزوّجها ويحوّلها بعد ذلك إلى شيء يملكه مسلوب الإرادة تماماً، واللافت أنّه بعدما طلّقته، سمعت أنّه تزوّج من فتاة سوريّة أخرى، ويبدو أن قصة المعاناة ستُعاد!

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق