مكتبة سرية في سوريا!

مكتبة سرية في سوريا!
تحقيقات | 28 يوليو 2016

عندما يكون المكان محاصرا منذ سنوات والجوع يتفشى في شوارعه، قد تظن أن أهل المكان لا يبالون بالكتب والقراءة، إلا أن الشباب المفعمون بالحماسة في مدينة داريا، أنشأوا مكتبة تحت الأرض وخزّنوا فيها مجلدات كانوا قد غامروا بأرواحهم وراوغوا القصف للحصول عليها.

تحت مجموعة من درجات السلم ذات الخطوات الحادة، بعيدا قدر الإمكان عن الشظايا المتطايرة، القصف، ورصاصات القناص، هناك مكتبة سرية كبيرة بإضاءة خافتة، مدفونة تحت بناء دمره القصف، تقدم التعليم والأمل والوحي للعديد من الناس في مدينة داريا المحاصرة، في ريف دمشق الغربي، بحسب تقرير نشره مايك تومسون في صحيفة BBC

أنس أحمد، طالب سابق في كلية الهندسة المدنية، وهو أحد مؤسسي المكتبة، يقول: "رأينا أنه من الحيوي أن نأسس مكتبة جديدة لنتابع تعليمنا، ووضعنا الكتب في القبو كي نكون بمأمن من القصف والقذائف التي تنهال على داريا."

بدأ الحصار على مدينة داريا من قبل قوات النظام السوري قبل أربعة أعوام مضت، ومنذ ذلك الوقت، يقوم أنس ورفاقه المتطوعين ممن تركوا دراستهم بسبب الحرب، بجمع أكثر من 14 ألف كتاب تقريبا، عن كل موضوع قد يخطر في البال.

وفي نفس الفترة، قتل أكثر من 2000 شخصا في داريا معظمهم مدنيون، إلا أن هذا لم يوقف أنس ورفاقه من أن يجوبوا الشوارع المدمرة للبحث عن كتب لرفوف مكتبتهم.

يقول أنس: "في أغلب الأحيان نحصل على الكتب من البيوت التي دمرت بفعل الصف، ومعظم هذه الأماكن قريبة من خط النار، لذا فإن جمعهم خطير للغاية."

ويتابع: "علينا أن نراوغ القناص بالاختباء خلف الدمار، وأن نكون حذرين جدا لأن القناص يلاحقنا بمنظاره، متوقعا الخطوة التالية التي سنقوم بها."

تبدو فكرة المخاطرة بحياتهم لجمع الكتب غريبة للوهلة الأولى، لكن أنس يقول إنها تساعد المجتمع بكل أنواع الطرق، فالمتطوعين الذي يعملون في المشافي الميدانية، كثيرا ما يستخدمون الكتب ليأخذوا النصيحة عن كيفية معالجة الجرحى والمرضى، والأساتذة غير المدربين يستخدمونها لتساعدهم في إعداد صفوفهم، وأطباء الأسنان الطموحين يغزون رفوف المكتبة للتعلم أكثر عن حشوات الأسنان واقتلاعها.

حوالي 8000 من سكان داريا من أصل 80 ألف هربوا من هناك، ولا أحد يستطيع المغادرة بعد الآن.

تتساقط القذائف والبراميل المتفجرة على مدينة داريا منذ خرق الهدنة المؤقتة في أيار الماضي، ولنفس السبب فإنه من المستحيل دخول الصحفيين إلى داريا، لذا فقد قمنا بالمقابلات عن طريق السكايب، وكان حديثنا يتقطع باستمرار بسبب أصوات الانفجارات.

يخشى أنس ورفاقه من استهداف المكتبة من قبل قوات النظام السوري، لذا كان موقع المكتبة سري.

وبما أن المكتبة تقع في مكان خطر لا يمكن للأطفال الوصول إليه، فإن الطفلة "إسلام" أخبرتني انها تقضي معظم وقتها داخل المنزل، تلعب بألعابها، وتقرأ كتبا وصلتها من المكتبة لتتجاهل آلام الجوع في معدتها.

تقول إسلام بأنها لا تعرف سبب إراقة الدماء من حولها: "أجلس وحيدة، أراقب الدمار، وأفكر: لماذا يقصفون هذا المكان؟ وأحيانا أسمع بموت أحدهم بسبب إصابته البليغة وأسأل نفسي: لماذا مات؟ ماذا فعل كي يستحق الموت؟ لا أعلم."

فقط طفل واحد بإمكانه زيارة المكتب يوميا، لأنه يعيش بجوارها، وبالنسبة لأمجد، 14 عاما، فإن مكان المكتبة أأمن من التواجد على سطح الأرض في الأعلى، ومع مرور الوقت، حماسه للمكان أكسبه لقب "أمين مكتبة".

في إحدى مكالمات السكايب، أخبرني أنس أنه وكما أن المكتبة هي مصدر علمي للأطباء والمعلمين؛ فإن كثيرا من الناس يقرأون الكتب بدافع الشغف للقراءة فقط. ومعظم الكتب التي يقرؤونها هي لكتّاب عرب معروفين، كالشاعر والمسرحي "أحمد شوقي" المعروف بأمير الشعر، ويظهر أيضا حماس مفاجئ لقراءة كتب مترجمة لأدباء غربيين معروفين.

عبد الباسط الأحمر، طالب سابق في منتصف العشرينات، يقول: "قرأت كتبا لكتّاب فرنسيين، ولكن العمل المسرحي المفضل لدي هو (هاملت)."

ويتابع: "أسلوب شيكسبير الكتابي جميل ببساطة، فهو يصف كل تفصيل دقيق بصورة حيّة، وكأني أتابع ما أقرأه على شاشة السينما، وكي أكون صادقاً، بدأت أصبح مهووسا بمسرحية هاملت، والتي بدأت بقراءتها أثناء العمل ولم أستطع التوقف."

ويقول أنس مؤس المكتبة: "أؤمن أن العقل كالعضلات، والقراءة ستجعله أقوى، فعقلي المثقف يغذي روحي أيضا، والمكتبة أعادت لي حياتي، فأنا ألتقي بمن هم أكثر نضجا مني وأتعلم منهم".

ويضيف: "كما الجسد يحتاج الطعام، فإن الروح تحتاج الكتب."

واتضح أن مقاتلي الجيش الحر في داريا، وبالرغم من مهمتهم الشاقة في حماية المدينة، هم قارئون نهمون.

عمر أبو أنس، طالب سابق ومقاتل حاليا في صفوف الجيش الحر، يقول: "أقسم أن للمكتبة مكان في قلوبنا، وفي كل مرة تسقط قذيفة بالقرب من المكتبة، نصلي لها."

في كل مرة يذهب بها عمر للقتال على الجبهة، يقضي وقتا طويلا في المكتبة قبل ذلك، الكتاب بيد، والبندقية بيد أخرى.

ويقول: " في قلب المعركة، لدي ما أسميه مكتبتي الصغيرة، وهي مجموعة كتب أجلبها معي وأضعها هناك، وأقرأ لمدة 6 أو 7 ساعات يوميا."

الكثير من رفاق عمر لديهم أيضا مكتبتهم الصغيرة على الجبهات، حسب قوله، ويضيف أنه تقريبا في كل نقطة دفاع، والتي تبعد ما يقارب 50 متر عن بعضها البعض، ستجد هناك مجموعة كتب.

"على سبيل المثال، عندما أنهيت قراءة كتاب، توجهت على أحد الرفاق على خطوط الدفاع واستبدلت كتابي بكتابه الذي قرأه هو أيضا، وهذه طريق رائعة لتبادل الأفكار وليس فقط الكتب".

لسوء الحظ، المقاتلين في داريا لم يعد لديهم هذا الوقت للقراءة، بعد تقدم النظام مؤخرا وسيطرته على المناطق الزراعية المحيطة بالمدينة.

ويخبرنا عمر أن وجود المكتبة يساعد على شد عزيمة أهل المدينة، يقول: "الكتب تحفزنا على الاستمرار، قرأنا في التاريخ كيف أدار الجميع ظهرهم لأمم مظلومة، وما زالوا يفعلون ذلك حتى الآن، نستطيع أن نكون أمة حرة، والكتب التي تقرأها ستساعدنا على ذلك."

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق