إعادة إحياء "ضيعة ضايعة"

إعادة إحياء "ضيعة ضايعة"
القصص | 26 أبريل 2014

رغم ما رافق "معركة الساحل" من تباينات سياسية في المواقف، وخلافات على التوقيت، واعتراضات على تسميتها بـ"الأنفال"، إلا أنها فعلتْ خيراً حين أعادت إحياء مسلسل "ضيعة ضايعة". حدث ذلك بشكل عفوي للغاية، فكثير من الأخبار التي نقلها المقاتلون من قرية "السمرا" في "كسب" اختاروا أن ينقلوها بالاسم  الدرامي للمكان؛ "أم الطنافس الفوقا". ثم جاءت لوحة "كفرنبل" لتؤكّد تلك العودة، حين استحضرت حواراً بين شخصيتي المسلسل الرئيسيتين، في تعليقهما على خبر "الجيش الحر وصّل للبحر"، حيث يقول جودة أبو خميس: "العمى إذا صَحِي!!"، فيرد أسعد خرشوف: "صحي.. معناها العمى!". إضافة إلى هذا وذاك تعامل أهل الـ"فيس بوك" بالطريقة ذاتها، فلعبوا على صفحاتهم بالجملة التعريفية التي تسبق كل حلقة، حين يحدّثنا راوٍ مجهول عن جائحة التكنولوجيا التي خرّبت عفوية العالم، وكما يحدث دائماً هناك ناجٍ وحيد هو "أم الطنافس الفوقا"، الضيعة الضايعة، لكنها، مع وصول المقاتلين إليها صار التعليق "حتى الناجي الوحيد لم يعد كذلك"، وهو مأخوذ حرفياً من الحلقة الأخيرة، حين تقضي المخلفات الكيماوية على المكان وأهله.

عوامل عدة ساهمت في نجاح المسلسل الذي كتبه د. ممدوح حمادة، وأخرجه الليث حجو، أولها العودة إلى أساسيات الكوميديا، عبر إبراز التناقضات، وتسليط الضوء على العيوب، والعمل المتقن على الكركتر، بما يذكرنا بالمسرح. وفوق هذا كانت اللهجة الجديدة عاملاً حاسماً، مضافاً إليها ترجمة غريب تلك اللهجة بطريقة كاريكاتورية أسفل الشاشة.

كانت فكرة المسلسل في الجزء الأول تعبيراً عن تصادم التناقضات التي تحملها الشخصيات: غباء أسعد مع دهاء جودة، حب سلنغو وتقدميته مقابل تقليدية المختار ورجعيته، أهل القرية جميعاً في مواجهة تقارير المخبر عادل وجشع البقال صالح وغباء رئيس المخفر أبو نادر وتسلط الهملالي.. إلخ، لكن الجزء الثاني تفوّق على نفسه حين أضاف إلى كل ذلك صراع الشخصيات مع انعكاسات سياسية. إذا كان صراع الدراما مع الأقدار عادةً، فإن صراع هذه القرية بات مع الأفكار. حدث هذا في حلقة تهريب الآثار الحلقة التي تنتهي بتغيير سلنغو لافتة القرية، معللاً ذلك بأنه ما من فائدة في إضافة كلمة "الفوقا" إذا كانت "التحتا" منهوبة؟ كما حدث، في الحلقة نفسها، حين يستنتج أسعد، بعد مشاركته في عملية التنقيب، أن أهالي "أم الطنافس التحتا" من "آل البيسة" (عائلة المختار)، في دلالة فادحة لاحتفاء التاريخ بالملوك والأعيان وتجاهل الناس العاديين. حدث ذلك أيضاً عند خروج أولئك المساكين في مظاهرة يطالبون فيها بحقوقهم، ليتحولوا، بعد القمع الأمني الشديد، إلى قول الشعارات ذاتها بشكل معكوس، ضد أنفسهم، وذلك أقصى ما تفعله السلطة.

الدلالات الواقعية التي يحفل بها ذلك المكان الافتراضي جعلته معادلاً موضوعياً للواقع العربي، ولنا أن نرى فيه رداءتنا بشكلٍ كاريكاتوري، مضحك حيناً، ومبكٍ حينا آخر.

إذا كانت أفضل طريقة لتعذيب السجين هي تقديم مرآة له، فإن أفضل طريقة لتعذيب الحر هي تغييب المرآة ذاتها عنه. بينما على السجين أن يرى ليتعذّب، على الحرّ (طبعاً الحر نسبياً) ألا يرى ليتعذّب أيضاً.

"ضيعة ضايعة" كان تلك المرآة، أمّا نحن فموزعون بين سجن كبير وحرية ناقصة.

عودة "ضيعة ضايعة" التي نعرفها جيداً، ابتداءً من بيت الجارين، إلى بيت سلنغو، إلى شباك عفوفة، فالمخفر والشاطئ والكروم ووعرة الجربوعة؛ هي صورتنا الجماعية في اللحظة التي يصل فيها العمل إلى فكرته الجوهرية؛ الضياع. ليس في مستواه الأولي كقرية منسية في عصر التكنولوجيا، بل في المستوى البعيد، التراجيدي للغاية، الموت والاندثار اللذان أسّس لهما الاستبداد كل ما يلزم.

------------------------------------------------

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق